لكي نفهم أهمية الديمقراطية في حماية الدول من الانهيار والمجتمعات من التمزق؛ علينا فقط تخيل أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرر الانقلاب على الديمقراطية الأمريكية والانتخابات الرئاسية التي فاز فيها المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن، والإصرار على عدم الاعتراف بهزيمته والتمسك بالسلطة وحل الحزب الديمقراطي الطامع في السلطة بدعوى أنه جرى تزوير الانتخابات كما يدعي والزج بقادة الديمقرطييين في السجن بتهم سياسية ملفقة.
أو نتخيل حدوث العكس وهو أن يقوم الديمقراطيون بعد الفوز بالرئاسة بحل الحزب الجمهوري وإيداع قادته في السجون بتهم سياسية ملفقة واعتبارهم تيارا دينيا متطرفا يهدد الديمقراطية الأمريكية والمجتمع الأمريكي بالانقسام ويضم آلاف الإرهابيين؛ ثم حشد المجتمع كله في حرب عبثية ضد إرهاب الجمهوريين المتطرفين.
فهل يمكن أن يحدث هذا السيناريو الفوضوي؟ وهل تقبل المؤسسات الأمريكي بمثل هذه الجريمة؟ أم جميع المؤسسات سوف تنهض للدفاع عن تجربتها الديمقرطية وحق من اختاره الشعب في إدارة البلاد حتى انتهاء فترة رئاسته كما ينص الدستور الأمريكي؟
بالطبع إذا حدث هذا السيناريو الخيالي الفوضي فهو يعني وفاة الديمقراطية؛ وسوف يفضي تلقائيا إلى انقسام المجتمع بحدة، واندلاع حرب أهلية هو أمر مؤكد؛ لأن كلا التيارين يحظى بعشرات الملايين من الأنصار وتؤكد نتائج الانتخابات باستمرار أن كلاهما يحظى بدعم وتأييد نصف الشعب؛ فبايدن حتى هذه اللحظة يحظى بنحو 50% من التصويت الشعبي في مجمل الولايات، ويحظى ترامب بنحو 48%؛ وهي تقريبا نفس النسبة التي أفرزتها انتخابات الرئاسة المصرية سنة 2012م؛ حيث حصل الرئيس الشهيد محمد مرسي على نحو 52% وهو يمثل نصف الشعب الذي يمثل التيار الإسلامي بكل فصائله باستثناء حزب النور والرسلانية، وحصل الفريق أحمد شفيق على نحو 48% وهو يمثل التيار الدولجي والعلماني والكنيسة.
وبالتالي فإن من أهم دروس الانتخابات الأمريكية أن تجذير الديمقراطية ومفاهيم الحرية والتعايش المشترك والتداول السلمي للسلطة عبر أدوات الديمقراطية واحترام إرادة الشعب هي العاصم الوحيد لأي مجتمع من الانقسام والفرقة وأي كلام غير هذا هو من قبيل الضلال والبهتان.
فرغم تصاعد الكراهية بين الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة الأمريكية منذ نجاح دونالد ترامب في الفوز برئاسة البيت الأبيض سنة 2016م؛ والتي تزايدت بشدة في السنة الأخيرة التي سبقت انتخابات الرئاسة الحالية نوفمبر 2020م. ورغم مؤشرات الانقسام الحاد التي تهدد باندلاع حرب أهلية حال أصر ترامب على عدم الاعتراف بهزيمته في الانتخابات أمام المرشح الديمقراطية جوزيف بايدن، إلا أن الديمقراطية المتجذرة في المجتمع الأمريكي من جهة واستقلالية مؤسسات الدولة وقوة المجتمع المدني ستكون الحصن الذي يحول دون تمزق المجتمع الأمريكي أو اندلاع شرارة حرب أهلية.
ومن الدروس المهمة في الانتخابات الأمريكية ضرورة التعايش المشترك رغم الاختلافات والتباينات واحتواء الديمقراطية لكل التيارات العلمانية والدينية على حد سواء، فلا إقصاء ولا تهميش لأحد، والقانون الذي شارك الجميع في صياغته يأخذ مجراه على الجميع؛ فالديمقراطيون يرون أن ترامب ويمينه المتطرف يمثل تيارا دينيا يهدد الديمقراطية الأمريكية ويكرس لحالة من الشعبوية يمكن أن تهدد دولة القانون وتكرس لحالة من الانقسام على أساس ديني أو عرقي أو على أساس لون البشرة من خلال الانتهاكات التي مورست في فترة رئاسته الأولى ضد السود والمسلمين.
كما يرى الجمهوريون أن الديمقراطيين هم حثالة من العلمانيين واللا دينيين واليساريين الذين يريدون أن يغيروا هوية أمريكا المسيحية وبالتالي يلعب ترامب على وتر العاطفة الدينية وكسب أصوات اليمينيين. ورغم ذلك فلا أحد منهم يجرؤ على أن يطالب بحرمان الآخر من حقه في الحرية والتنافس والفوز بالسلطة وفق الأفكار التي يؤمن بها بشرطة أن يكون ذلك وفق آليات الديمقراطية وأدواتها.
الدرس الثالث المهم هو استقلالية المؤسسات الأمريكية؛ فهي لا تتبع الأشخاص لكنها مأمورة فقط للقانون ومفوضة بحماية وطاعة من فاز بثقة الشعب؛ وهذا ما دفع جو بايدن إلى تهديد ترامب حال أصر على عدم الإقرار بالهزيمة في الانتخابات بطرده من البيت الأبيض؛ وما صرح به بايدن يمثل الثقة المطلقة بمؤسسات الدولة الأمريكية، كما أنه يعد تأكيدا على أن البيت الأبيض ملك للشعب الأمريكي وليس لأحد حق البقاء فيه إلا لمن فوضه الشعب واختاره بأدوات الديمقراطية رئيسا للبلاد.
فدور هذه المؤسسات هو الطاعة المطلقة لإرادة الشعب وتنفيذ القانون؛ لكن ماذا لو قررت هذه المؤسسات غير المنتخبة مثل الجيش والمخابرات والحرس الجمهوري وأجهزة الأمن، العصيان والتمرد على إرادة الشعب الأمريكي، وقامت باغتصاب السلطة لحسابها وتنصيب أحدهم على رأس البلاد؟ فهل تبقى في هذه الحالة (مؤسسات للدولة!) أم تتحول إلى مافيا وعصابة حاكمة؟ فالأصل أن الشعب هو من بنى هذه المؤسسات من أجل خدمة الشعب والإذعان لإرادته الحرة وليس ليكون سادة يتسلطون على الجماهير بدعوى كاذبة مثل حماية الأمن القومي؛ رغم أنهم باغتصابهم للحكم وتسلطهم على الشعب باتوا أكبر تهديد للأمن القومي للبلاد.