علقت شخصية "المعلم حنفي شيخ الصيادين" والتي أداها الفنان الراحل خفيف الظل عبد الفتاح القصري في أذهان المصريين، وهو بلا منازع ملك الإفيهات في السينما المصرية، بسبب مصطلحاته الكوميدية المميزة، التي يترك بصماته بها داخل كل عمل فني، وأكثر تلك الإفيهات العالقة حتى اليوم هى قوله لأم حميدة حتى يتقي غضبها " خلاص.. تنزل المرة دي".
واختارت عصابة العسكر أحد أذرعها المخلصين وهو المستشار حنفى جبالى، رئيسا لبرلمان الدم، بعد فوزه فى مسرحية الانتخابات التى أجريت على رئاسة المجلس خلال الجلسة الافتتاحية الثلاثاء الماضي، ليكون رئيس برلمان الدم فى الدورة البرلمانية لمجلس 2021 لمدة 5 سنوات، بالفصل التشريعى الثانى، مكافأة له على الحكم الذي اصدره بسعودية جزيرتي تيران وصنافير المصريتين.

برلمان العسكر
وتحت عنوان "برلمان السيسي وليس الشعب" شهدت مواقع التواصل الاجتماعي بمصر حالة من الغضب، بعد إعلان الأسماء التي عيّنها السفاح السيسي في برلمان الدم وفقا لقانون يسمح له بتعيين ثلث الأعضاء.
ودشن نشطاء هاشتاجا يحمل الاسم نفسه "برلمان السيسي مش الشعب" الذي تصدر قائمة الأعلى تداولا في مواقع التواصل، وشارك فيه آلاف المغردين الذين عبروا عن غضبهم مما آل إليه البرلمان المصري، بغرفتيه النواب والشيوخ، خاصة مع تواتر التصريحات حول شراء مقاعد مجلس النواب بملايين الجنيهات.
وتساءل آخرون عما حققه برلمان الدم لصالح الشعب المصري، حيث مرر كل القوانين المقدمة من قبل حكومة الانقلاب، كما وافق على كل الاتفاقات الدولية المذلة للمصريين، بما فيها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير الإستراتيجيتين لصالح السعودية.
واتهم ناشطون الأجهزة الأمنية الخاضعة لعصابة العسكر بالسيطرة على العملية الانتخابية برمتها، وجاء أبرز اتهام من قبل القيادية السابقة في حركة تمرد دعاء خليفة التي اتهمت العقيد أحمد شعبان مدير مكتب رئيس جهاز المخابرات العامة عباس كامل، بالمسؤولية عن تدمير الحياة السياسية في مصر، مشيرة إلى أن "تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين"، المسؤول عنها شعبان، هي السبب في عزوف المصريين عن المشاركة في انتخابات برلمان الدم والشيوخ، مما تسبب في إحراج العسكر.
وتتشابه شخصية المستشار "جبالي" مع شخصية "المعلم حنفي" إلى حد التطابق، وقام الفنان "القصري" بدور شيخ الصيادين ضعيف الشخصية، حينما قال لزوجته "الفلوس اللي تدخل جيب الأسد لا يمكن تطلع من جيبه أبدا"، لترد قائلة: "حنفي"، فيرد: "مفيش حنفي، أنا قلت كلمة، وكلمتي لا يمكن تنزل الأرض أبدا"، فتنهره بصوت أعلى: "حنفي"، فيرد: "خلاص هتنزل المرة دي، إنما اعملي حسابك المرة الجاية، لا يمكن تنزل أبدا"، وهو الدور المنتظر ان يؤديه "حنفي العسكر" أمام عصابة الانقلاب.
وكان عام 2020 مثيرا بكل المقاييس في تاريخ الحياة السياسية المصرية، من جهة انكشاف بعض ما يجري في كواليسها على يد الأجهزة الأمنية، وفضح دورها في تكوين الكتلة صاحبة الأكثرية في البرلمان الجديد، ونشر تفاصيل شبه كاملة حول دور تلك الأجهزة في تشكيل برلمان المعلم حنفي.
إلا أن عام 2020 سبقه ظهور الإعلامي الكوميدي "توفيق عكاشة" قبل ذلك بأربع سنوات كاشفا النقاب عن أن الأجهزة قامت بتمويل قائمة "في حب مصر" منذ البداية، إما مباشرة أو عبر رجال أعمال، وأنها كانت تتصل بالنواب لحثهم على حضور اجتماعاتها.
بل إنه وجد من الشجاعة ما يكفي لتسمية اللواء عباس كامل مدير مكتب السفاح السيسي باعتباره "الكل في الكل منذ الثلاثين من يونيو، وأنه يعتبر ان عنده خبرة سياسية لا تتوفر لدى أي أحد آخر في العالم العربي، وبالتالي يعطي التعليمات لإدارة الحياة السياسية والإعلامية"، وللمرة الأولى اتهم عكاشة الأجهزة بوقف تمويل كان يحصل عليه من دولة الإمارات.
تلا ذلك وفي نفس العام 2016 تصريح من حازم عبد العظيم العضو السابق في الحملة الانتخابية للسفاح السيسي، فتحدث عن وقائع محددة تتعلق بدور جهاز المخابرات العامة في تشكيل البرلمان، وإلى جانب "الرجل الكبير" الذي يعتقد أنه اللواء عباس كامل أيضا، أكد على أدوار ثلاثة شبان من ضباط الجهاز، ما اعتبره البعض تلميحا فيما يبدو إلى أن احدهم نجل السفاح السيسي.
وسرعان ما استنفرت عصابة الانقلاب أبواقها الإعلامية لإنكار الاتهامات، فاتهموا عكاشة بأنه "مختل عقليا ولا دكتور ولا حاجة" وكأنهم اكتشفوا ذلك فجأة، واتهموا عبد العظيم بأنه غاضب من عدم حصوله على أي منصب بعد عمله في حملة السفاح السيسي.
إلا أن تلك الاتهامات لا يمكن أن تنطبق على شخصيات سياسية بارزة مؤيدة للعسكر مثل جورج إسحق عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي اعتبر أن اختيارات السفاح السيسي للأعضاء المعينين في البرلمان "أمنية بحتة ولا تملك أي رؤية سياسية"!
ومع تلك الهيمنة العسكرية الأمنية لا يمكن للمراقب إلا أن يتوقع برلمانا مدجنا على طريقة المعلم حنفي عندما يتعلق الأمر بالعلاقة مع عصابة الانقلاب، ولكن هذا لن يمنعه من أن يغلي بالصراعات على مصالحه الضيقة، ولا عزاء لقضايا الوطن وأزماته التي تنتظر حلولا عاجلة.

كله بالفلوس
وتحوَّل المشهد السياسي في مصر بعد انقلاب 30 يونيو 2013، إلى سوق تباع فيه المقاعد النيابية لمن يدفع أكثر، من الراغبين في الوصول إلى برلمان الدم، من دون الحاجة لأصوات الناخبين، أو الوجود الحقيقي في الشارع فيما يتعلق بالأحزاب، التي باتت مجرد لافتات معلقة على المباني فقط، وذلك في ظل سيطرة كاملة من جانب الأجهزة الأمنية في إدارة المشهد السياسي والإعلامي المصري برمّته.
ومع انتهاء آخر الفصول التشريعية للبرلمان السابق بقيادة الطبال علي عبد العال، والموافقة على قانون تقسيم الدوائر الجديد، شرع ممثلو الأجهزة الأمنية في عقد اجتماعات مع الراغبين في الترشح للبرلمان الحالي، في جلسات سيطر عليها الحديث عن القيمة المالية التي ستدفع من جانب هؤلاء، ومن ثمّ المفاصلة من قبلهم لتخفيض تلك القيمة التي تتجاوز الأصفار الستة.
وقال أحد النواب الذين حصلوا على مقعد في برلمان الدم: "المشهد أكثر تعقيدا مما كان عليه عند تشكيل مجلس الشيوخ، فهذه المرة ترغب الأجهزة المشرفة على الانتخابات في تطعيم القوائم بأعداد محدودة للغاية من المرشحين الحزبيين، في مقابل التوسّع لصالح المرشحين من رجال الأعمال وأصحاب الملايين الذين سيتحمّلون التكلفة الفعلية للانتخابات".
وفي خطاب شهير له يوم 18 أغسطس 2013 للردّ على الانتقادات الدولية الإنسانية والسياسية على خلفية مجزرة فضّ اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، قال السفاح السيسي، وكان حينها وزيرا للدفاع: "لا والله ما حكم عسكر"، محاولا دفع الاتهامات الموجهة إليه، بتهيئة المشهد السياسي والمجتمع المصري لحكم عسكري طويل الأمد.
هذا الحكم وضع السيسي حجر أساسه بانقلاب 3 يوليو 2013 والغدر بالرئيس الشهيد محمد مرسي، ورفع بنيانه بسيطرته على المجلس الأعلى للقوات المسلحة واستقالته من الجيش في مارس 2014 للاستيلاء على كرسي الرئاسة رسميا بعدها بشهرين.
استمر السفاح السيسي في ترسيخ دعائم ديكتاتوريته بمسرحية الفوز بفترة رئاسة ثانية في العام 2018، ثم تعديل الدستور العام الماضي، ليضمن بقاءه في الحكم على الأقل حتى العام 2030، لكن كلّ هذا لا يبدو كافيا لتنفيذ خططه لمصر كما يريد أن يراها ويحكمها لأجلٍ غير مسمى، بل ويورثها لمن يختاره، ممن ينتمون للجيش وحده، أو من ترضى عنه قياداته، فكان من المهم صناعة برلمان يديره "المعلم حنفي"!

Facebook Comments