على طريقة البهلوانات وهواة القفز في هواء المجهول، والتي لا يجرؤ عليها سوى المقامرون أو أصحاب العقول الضيقة الذين يراهنون على المقامرة في التعاطي مع الآخرين، دأب قائد الانقلاب العسكري على ثورة يناير التي اعتقل شبابها وجردهم من حقوقهم بالحياة قتلا أو قهرا بقمع حرية التعبير أو بإجبارهم على العيش في المنافي، ودأب على الخروج على الشعب المصري ليتحدث عن ثورة يناير في ذكراها، التي عادت إلى "عيد الشرطة" كما كان في عهد مبارك الذي قامت عليه ثورة يناير. وعلى مدى سنوات من الانقلاب العسكري وصم السيسي ثورة يناير بأسوأ العبارات والإساءات وتحميلها كافة مسؤولية الكوارث التي تعيشها مصر بعهد السيسي.
وفي الذكرى العاشرة لثورة يناير قال قائد الانقلاب إن "الاحتفال بعيد الشرطة يتواكب مع ذكرى ثورة 25 يناير التي قادها شباب مخلصون متطلعون لمستقبل وواقع أفضل.."!!
وهو توصيف جديد على اسماع المصريين الذين قارنوا بين تلك التصريحات والرؤية الجديدة وتصريحات نفس السيسي عن الثورة في أوقات سابقة، وهو ما دفع الكثير من المصريين لربط بين تصريحات هذا العام عن ثورة يناير ورئاسة بايدن للولايات المتحدة الأمريكية، ونظرته السلبية لمصر وانتهاكات نظام السيسي لحقوق الإنسان وتدمير الحياة السياسية والانقضاض على الديمقراطية، وتهميش وقمع الحريات، وهو ما وصل نظام السيسي من إدارة بايدن منذ فوزه بالانتخابات الأمريكية، بقوله إنه لن يعطي ديكتاتور ترامب المفضل شيكات على بياض، وكذلك قرار واشنطن الأخير بتعليق الحصانة الدبلوماسية لرئيس وزراء "فض رابعة والنهضة" حازم الببلاوي في قضية تعذيب الناشط الحقوقي محمد سلطان.
علاج خاطئ
وسبق للبهلوان أن ادعى في 11 أكتوبر 2018، خلال الندوة الـ 29 للقوات المسلحة التي حملت عنوان “أكتوبر تواصل أجيال”: “أقول دائما إن ما حدث في 2011 هو علاج خاطئ لتشخيص خاطئ، فالبعض قدم للناس صورة عن أن التغيير من الممكن وأن يحدث بهذه الطريقة".
وفي نوفمبر 2018، زعم السيسي أن "الضرر الذي واجه المنطقة بسبب السوشيال ميديا منذ سنوات حيث ثورات الربيع العربي في عام 2011، كان نتيجة عدم الاستعداد لمثل ذلك الأمر، والذي استطاع توجيه الجماهير وتحريكهم بناء على توجهات خاطئة لم نستطع وقتها للتصدي لها" ، وجاءت تلك الكلمات خلال فعاليات منتدى شباب العالم بشرم الشيخ.
تغيرات بهلوانية
وحين تطالع تصريحات السيسي عن ثورة 25 يناير منذ اندلاعها في 2011 وحتى الآن تجد أن هناك تغييرا طرأ على حديثه حولها، من اعتبارها "ثورة نبيلة، وأنها و30 يونيو تمثلان العبور الثاني للحرية والديمقراطية بعد حرب 6 أكتوبر"، إلى أنها "علاج خاطيء لتشخيص خاطىء" واعتبارها "خدعة للمصريين"، إلى أنها السبب في "تعرية البلد" والسبب في "تمكين إثيوبيا من بناء سد النهضة وأنها أم الكوارث للمصريين وسبب فقرهم، وأنها من أثقلت الجهاز الإداري للدولة بتعيين نحو مليون مواطن في الجهاز الإداري للدولة في عام 2011 فقط، بحسب مزاعمه العديدة عنها.
خداع ووعي زائف!
فمثلا في عام 2015؛ تحدث عن تضحيات الشعب فى ثورة يناير ولكنه زعم أنها انحرفت عن مسارها، وحاول البعض أن ينسبها لنفسه رغم دماء الشباب التى سالت فيها، إلا أن الشعب صحح المسار بنزوله فى 30 يونيو، -حسب أكاذيبه، وحمل خطابه فى 2016 ؛ المعنى ذاته.
وفى 2017.. خلال مؤتمر الشباب بمحافظة الإسماعيلية؛ تحدث عن الثورة فى إحدى مؤتمراته؛ وزعم أن المواطنين حينما خرجوا فى 2011، كان توصيف حجم مشكلة مصر خلال 30 عاما، لم يكن حقيقيا، قائلا: "كان خداع ووعى زايف لكم، وبالتالي قالك حل الحكاية واتحرك وشيل فوانت بتشيل كنت بتشيل مستقبلك. عايز تتحرك تاني اتحرك انت هتضيعها خالص انت هتضيع بلدك خالص وهتضيع مسقبلك".
وزعم،في العام ذاته، أن المصريين قاموا بثورة، وكان هدفهم نبيلا، ولكن دون سيطرة او حساب للنتائج، وهو ما تسبب فى وجود فجوة أعقبتها.
وفي إبريل 2017 تداول نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو يزعم فيه قائد الانقلاب أن المصريين خدعوا في أحداث 25 يناير 2011، وأنهم تحركوا في هذا اليوم بناء على خداع وتزييف للوعي.
مش هيتكرر تاني
وفي 31 يناير 2018 جاءت رسالة شديدة اللهجة على لسان السيسى نصها: "أنا سامع كلام بيقول احذروا ها.. الكلام اللي كان اتعمل من 7 أو 8 سنين، مش هيتكرر تاني في مصر، اللى منجحش ساعتها هتنجحوه دلوقت انتم باين عليكم متعرفونيش.. والله أمنك واستقرارك يا مصر تمنه أنا وحياة الجيش".
جاءت تلك الكلمات خلال افتتاح الإنتاج المبكر لحقل ظهر للغاز الطبيعي ببورسعيد. دون الإشارة صراحة إلى ثورة 25 يناير.
مع وضد الثورة!
وإذ سلمنا بأن السيسي يعي ما يقوله عن ثورة يناير؛ فإنه في ثوبه الجديد بعد تولي الديمقراطي جو بايدن رئاسة أمريكا أشار إلى أن "من قام بثورة يناير هم شباب مخلصون"، رغم أنه يدرك تماما أنهم الآن في القبور أو المعتقلات أو المنافي!