من ضمن الإنجازات التي لا يمكن تجاهلها لحكم العسكر في مصر الذي يمتد من نحو سبعة عقود، هو تحويل مصر من منارة للعلم والثقافة والبحث العلمي والتقني والطب وأبحاث ودراسات الصحة والاجتماع، إلى مقر وساحة للأمن وأجهزة الاستخبارات والعسكرة وأدوات القمع التي تذيق شعوبها، الويل والعذابات المتنوعة. وهو ما يتجلى في استضافة القاهرة الاثنين غرة فبراير 2021م، لـ"المنتدى العربي الاستخباراتي".
اللافت في الأمر أنه لم يعلن عن المؤتمر إلا قبله بيوم واحد فقط، حيث التقى قادة أجهزة استخبارات عربية بشكل علني، وهم الذين دائما ما تكون لقاءاتهم وزيارتهم سرية، بحكم عملهم، إلا أن المنتدى الأول الذي سعى لعقده رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي، مقدما نفسه كعرَّاب للقمع والتنكيل بالشعوب، وإقامة المنتدى الاستخباري العربي بالقاهرة، يمثل رسالة للعالم بأن السيسي يصبو ليكون "كلب المنطقة" أو "شرطي المنطقة"، معلنا عن خدماته الإستراتيجية في التتبع والملاحقة الأمنية لكل من يفكر في التعبير عن رأيه بحرية أو أي معارض أو حتى أبناء منطقته العربية الفارين إلى الغرب عبر موجات الهجرة، من طغيان النظم المستبدة.
التعاون الأمني
حيث شدد السيسي على ضرورة تعاون أجهزة الاستخبارات العربية بشكل مشترك لمواجهة ما أسماه بالإرهاب، واستعادة الاستقرار في دول المنطقة، لاسيما التي تشهد حالة من السيولة وتعصف بها الأزمات، على حد قوله. وهو ما يقصد بها دول الربيع العربي وما تشهده من حراك شعبي طامح نحو الحرية والديمقراطية التي باتت في عرف السيسي وطغاة المنطقة "إرهابا" يشنون عليه الحرب باستمرار.
وطالب "السيسي"، في كلمته بتقنية الفيديو كونفرانس، خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى العربي الاستخباراتي بالقاهرة، الإثنين، بالعمل على وضع "منظومة متكاملة ومحكمة لمكافحة الإرهاب تعتمد على تقاسم الأدوار وتبادل الخبرات والتحديث والتطوير المستمر لآليات المواجهة في هذا الشأن". وناشد المشاركين جميعاً بـ"التعاون والوقوف صفاً واحداً لنبذ الفرقة وتجاوز أي خلافات من أجل إعلاء مصالح الأوطان والشعوب العربية". من جانبهم، أكد المشاركون فى المنتدى من رؤساء أجهزة الاستخبارات العربية على أهميته كمنصة لتعزيز العمل المشترك لصون الأمن القومي العربى من خلال تبادل الرؤى ووجهات النظر للتعامل مع التحديات المتسارعة التي تواجه المنطقة العربية، خاصةً مكافحة الإرهاب والفكر المتطرف والجريمة المنظمة، بما يساعد على تحقيق الأمن والاستقرار لكافة الدول العربية.
ومنذ انقلابه العسكري يكرر "السيسي" حديثه، في مختلف المناسبات، مهاجما الثورات العربية، معتبرا أن "الاستقرار" أهم من حقوق الإنسان ومسألة الديمقراطية، ويرى أن أولويات الشعوب العربية تركز على توفير الحاجات الأساسية، وليس المطالبة بالديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وهو الموقف الذي كرره بصراحة خلال لقاءاته مع قادة أوروبيين وأمريكيين.
الاستقرار يتحقق بحقوق الانسان
ويأتي منتدى أجهزة المخابرات بالقاهرة، الذي يتبنى رؤية السيسي لإحكام القبضة الأمنية على الشعوب كسبيل للاستقرار والتنمية، على عكس ما تنادي به كافة المؤسسات الدولية والفاعلين الدوليين بأن الاستقرار لا يتحقق إلا بمراعاة حقوق الإنسان. وهو ما أعلنه الإتحاد الأوروبي ، في نفس يوم انعقاد منتدى الاستخبارات، في 1 فبراير الجاري، بأن استقرار وأمن مصر على المدى الطويل لن يتحقق سوى بالتطبيق الشامل لمنظومة حقوق الإنسان. وجاء ذلك في رد الإتحاد على خطاب بعثته حملة "إفراج" في 13 يناير الماضي للتعريف بالأوضاع الحقوقية المتردية للمعتقلين في سجون النظام المصري في ظل تفشي فيروس كورونا لاسيما كبار السن والمرضي.
وردت الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على خطاب الحملة قائلة إنهم على علم بهذه الأوضاع وإنه تم وضعها للنقاش في مناسبات عدة وخص بالذكر خطاب الاتحاد لمجلس حقول الإنسان في مجلس الأمن. وأضافت أنه في ظرف كورونا "فإننا أكدنا للسلطات المصرية على ضرورة التساهل مع أصحاب الظروف الصحية الحرجة في السجون المصرية". وأكدت أن ممثل الإتحاد لحقوق الإنسان ناقش أوضاع السجون في ظروف الوباء مع السلطات المصرية. وشددت على حرص الإتحاد الأوروبي على أمن واستقرار مصر على المدى الطويل، مؤكدة أنه "لا يمكن تحقيق ذلك إلا بتطبيق شامل لمنظومة حقوق الإنسان". وتابعت: "سيستمر هذا الأمر نقطة أساسية في النقاش المستمر مع السلطات المصرية".
وتزامنا مع تقارير حقوقية تتهم سلطات الانقلاب بحرمانهم بشكل متعمد من الرعاية الصحية، طالبت شخصيات دولية، تنوعت بين مسؤولين وصحفيين بارزين وناشطين، نظام العسكر بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، الذين يقدر عددهم بالآلاف. وكان من بين المطالبين، الرئيس التونسي السابق "منصف المرزوقي"، والصحفي البريطاني البارز "ديفيد هيرست"، ومدير مؤسسة "قرطبة" لحوار الثقافات في لندن (مستقل)، "أنس التكريتي".
وأمام تمادي السيسي في الترويج للقمع والاستبداد والوسائل العسكرية في الحماية ودعم الاستقرار تتفاقم أزمات التخلف والتراجع الحضاري لمصر في كافة مناحي الحياة، سواء على مستوى الصحة والتعليم والاقتصاد …وغيرها من مؤشرات الحياة التي تفاقم الأزمات المعيشية ومن ثم تقويض الاستقرار وخلق مزيد من الاحتجاجات والاختناقات الشعبية والسياسية.