بددتْ المعركةُ الحاليةُ وهمًا كبيرًا عاشته شعوبنا اسمه «العدو الذى لا يُهزم»، وكشفت الغطاءَ عن خداعٍ أكبر شارك فيه أبناءُ جلدتنا لتسويق العجز والقعود إزاء هذا «الجار الجبار»؛ ومن ثم موالاته والرضا بسيادته والائتمار بأمره.

عشنا عقودًا على وهم «الجيش الذى لا يُقهر»، كيف لا وقد انهزمت أمامه جيوشنا النظامية مجتمعة، فى الحروب كلها، سلبهم أثناءها الأرض كما سلبهم الإرادة لاحقًا، وحتى الانتصار الوحيد الذى لا زلنا نحتفى به فإنه كان محدودًا، وكثرت الأقاويل حول حقيقته، وقد أعقبه اتفاقية العار التى اعترفت بالعدو وطبَّعت معه وألزمت الحكومات بمعاداة الشعوب لأجله.

وأوهمونا كذلك أن هذا العدو يملك أقوى جهاز استخباراتى فى العالم وأن هذا الجهاز لديه إمكانات بشرية ومادية تعجز إزاءها الأمم، وأنه استطاع فى وقت مبكر تصوير رؤسائنا فى غرف نومهم فكيف يكون حاله الآن بعد التطورات التكنولوجية المذهلة؟ ومن يستطيع منا – نحن العرب- التصدى لهذا الجهاز الذى يقف خلفه أسود عقائديون وهبوا أنفسهم لدولتهم التلمودية التى وعدهم الربُّ بها.

وأوهمونا أيضًا أن العالم كله رهن أمر الصهاينة لما يملكون من مال وإعلام ودعاية وفنون وعلاقات، وأنه لم يعد قصر حاكم واحد حول العالم لم يدخلوه ويخضعوا صاحبه لرغباتهم.

تبددت كل هذه الأوهام على إثر «رشقات» الصواريخ التى وصلت إلى أقصى بلداتنا المحتلة، وعجز العدو -بكل ما يملك- عن التصدى لها، فأفرغ حقده الموروث فى قتل أطفال ونساء القطاع وهدم البيوت على رءوس ساكنيها.

بددت جماعة محاصرة منذ عقود، وبأسلحة محلية الصنع صُنِّعت فى ورش حدادة أهلية، وهمََ الجيش الذى لا يُقهر، وتحدته أن يدخل معقلها عن طريق البر وهو من يمتلك أكبر وأحدث مخزون أسلحة فى العالم، امتنع هذا الجيش «الوهم» عن التحرك البرى ليثبت أن الجيوش التى قابلته من قبل كانت على غير المستوى الذى يليق بأمة محمد، وأن عقيدتها القتالية متلونة وهو ما لا يفت فى عضد العدو الذى لا يعالجه إلا جندى العقيدة الذى لا يعرف المستحيل.

تبدد وهمُ «الجيش الذى لا يُقهر» كما تبددت باقى الأوهام أمام ضربات الأبطال الموجعة، وأمام ثباتهم وشجاعتهم واستهزائهم بالعدو الذى يعتبرونه «نمرًا من ورق». ذلك أنهم استعانوا بالله، ولم يعجزوا، وصبروا وصابروا، وأعدوا ما استطاعوا من قوة، وانطلقوا من حيث أمرهم دينهم مقتدين بنبيهم ﷺ، مهتدين بقائدهم القعيد الذى قضى شهيدًا فلم يترك عذرًا لصحيح. ومن فعل ذلك كان على الله مؤازرته ونصره ودحر عدوه.. وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مولى الذين آمنوا والذين كفروا لا مولى لهم.

من كان يصدِّق أن الكيان الغاصب بكامله يُفرض عليه الحظر الجبرى ويدخل ساكنوه الملاجئ بأمر أبطال القطاع، فهم من يحددون ساعة دخول الملاجئ وساعة الخروج منها، وهذا ما لم يحدث فى حرب فى التاريخ على حد علمنا: أن يُفرض حظر فى بلد بكامله لا يستثنى بلدة واحدة. ومن كان يصدق أن هذا العدو المتكبر يمتنع عن دخول القطاع وهو من خرَّبه من قبل مرات؟ ومن كان يصدق أن «قبتهم الصاروخية» التى صدعونا بدقتها وقدرتها وحصانتها تتعطل معظم الوقت ويفلت منها هذا الكم من الصواريخ التى رأيناهم يفرون منها إلى الملاجئ فرار الكلب المذعور إلى وجاره؟

وكما بددت المعركة الأوهام المراكمة حول «معجزات العدو»، بددت أيضًا أوهامًا صنعها الواقع العربى والإسلامى المتردى جراء سلوك ساسته وحكامه؛ من ذلك أن أمتنا لا زالت بعافيتها، وأن الإسلام متجذر فيها تجذر الشجرة الطيبة، وأنها لا تنتهج غير نهج الإسلام؛ فمنذ نشوب المعركة وشعوبنا تشارك المجاهدين شعورهم وتتلمس أخبارهم، وما من بلد إلا وترى فيه الحماسة ومظاهر الغيرة على مقدسات المسلمين، والتجاوب مع ما يجرى فى عموم فلسطين.. وكانوا أوهمونا أن أهل كل بلد مشغولون بما هم فيه، والواقع أن أمتنا أمة واحدة، كالجسد: أعضاء متعددة ومشاعر واحدة.

إنها إرادة الله التى تأتى بالحق وتزهق الباطل، وهى تعمل لصالح أرباب العقائد السليمة والنيات القويمة، فتصنع لهم الآيات والكرامات، وتنفخ فى روحهم الإرادة الصلبة والعزيمة القوية، وتنزع منهم الوهن والخدر والميوعة والحمق، وتمنحهم الشجاعة والإقدام، والعطاء والإيثار، والمسارعة إلى الخيرات.
 

Facebook Comments