تداول خبراءُ آثار صورا ومقاطع فيديو لأعمال هدم " قناطر أحمد بن طولون" في منطقة البساتين جنوب القاهرة المعروفة باسم مجرى الإمام أو بئر أم السلطان والتي تشمل مقابر تاريخية وآثارا إسلامية، معتبرين ذلك هدما للتراث واستهانة بمشاعر المصريين، بينما قارن بعضهم بين هدم الآثار الإسلامية وحرص عصابة الانقلاب على ترميم آثار اليهود ومقابرهم بمصر.
وكانت عصابة الانقلاب قد أقدمت في السنوات الماضية وفي ظل حكم السفاح السيسي على ترميم معابد يهودية ،رغم أن الصلاة اليهودية لن تُقام فيها نظرا لعدم وجود النِصاب الكافي وهو عشرة أشخاص بالغين، وفق ما ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية.
كما أولت حكومة السفاح السيسي اهتماما لافتا بترميم وتنظيف مقابر يهودية وتم ذلك تحت إشراف اثنين من الحاخامات اليهود قدما للتأكد من أن عملية التنظيف تمت طبقا للشرائع اليهودية، وفق ما ذكرت صفحة "إسرائيل بالعربية".
طرد السكان
يعتبر مخطط القاهرة 2050 الذي تم تمريره من هيئة التخطيط العمراني ، عندما كان رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي رئيسا لها، هو الخطة الأصلية التي يجري تنفيذها الآن، ومحوره التخلص من السكان وطردهم من المنطقة المركزية بالقاهرة، وإغلاق الأسواق والمناطق التجارية مثل العتبة والتوفيقية وشارع عبد العزيز والأزهر وغيرها، ويتجه السكان المطرودون إلى الشروق والعبور وبدر في شمال شرق القاهرة، ومدينة 6 أكتوبر غرب النيل، ويتم تسليم الأرض للمستثمرين لبناء الفنادق والأبراج التي تستوعب المزيد من الأجانب كمنطقة إدارة دولية مستقبلية.
يهدف مخطط القاهرة 2050 بناء مستوطنة حديثة ومنطقة عمرانية معاصرة شرق النيل، ليس لها صلة بالقاهرة التاريخية التي يبررون بها عمليات الإخلاء والبيع لأصول الدولة، ولم يتوقف فيها البناء متعدد الطوابق رغم توقف البناء في القاهرة وكل المحافظات، بل ورغم موجة الهدم للمباني التي تزيد عن 4 أو 5 طوابق بمزاعم أنها مخالفة لقانون البناء.
العقول الغربية التي تقف خلف السيطرة على قلب القاهرة هي التي تنتقي الشركات الخليجية وخاصة الإماراتية التي تتولي البناء في المنطقة الإستراتيجية وتُشيّد الأبراج ، ولا دور لعصابة الانقلاب التي يديرها السفاح السيسي غير طرد السكان وتفكيك وبيع أصول الدولة عبر ما يسمى الصندوق السيادي الذي أُنشيء ؛لتصفية ممتلكات الدولة حتى لا يكون للحكومة وجود في المركز الجديد، وتمتلك الحكومة المصرية 10% فقط من أرض مثلث ماسبيرو بينما تمتلك شركات خليجية 65 %.
ونشر الدكتور محمد حمزة الحداد أستاذ العمارة الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة وعميد كلية الآثار الأسبق ومستشار رئيس جامعة القاهرة السابق، صورة على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، وقال عنها :"هذه الصورة اُلتقطت اليوم الثلاثاء الموافق 22يونيه ٢٠٢١م وهي دليل مادي على أن مصر في طريقها لتفقد؛ آثرا من أقدم وأهم آثارها الإسلامية، وهو قناطر أحمد بن طولون في البساتين جنوب القاهرة المعروفة باسم مجري الإمام أو بئر أم السلطان".
والقناطر تؤرخ بعام 259 هـ 872 م، وتُعد من أعظم الأعمال والمآثر العمرانية والمعمارية لابن طولون مؤسس ثاني دولة مستقلة عن الخلافة العباسية في مصر 254 – 292 هـ ونُسجت حول هذه القناطر القصص والأساطير التي رواها البلوي وابن دقماق والمقريزي وغيرهم كما درّسها في العصر الحديث علماء أجلاء مثل كازانو فا، وكريزول، وهوتكير، وفييث ،وزكي محمد حسن في رسالته للدكتوراة عن الدولة الطولونية بالفرنسية من السوربون عام 1933م.
بناها الجن!
وتُعد رسالة زكي حسن – والكلام للدكتور محمد حمزة الحداد- أهم دراسة عنها حتى الآن، وكذا فريد شافعي والدكتور محمد حمزة الحداد في رسالته للماجستير عن قرافة القاهرة عام 1987م، وقد أنفق عليها ابن طولون 140 ألف دينار وفي رواية 40 ألف دينار، واُعتبرت من عجائب الأبنية حتى نُسب بنائها إلى الجن وقيلت فيها الأشعار.
وكانت تمتد من البساتين حيث يوجد برج المأخذ وتنتهي عند قبر القاضي بكار "قبل هدمه للآسف" وكان موضعه أمام مشهد آل طباطبا "280هجرية وليس334هجرية كما أثبتنا" الذي تم هدمه بحجة فكه مؤخرا قبل افتتاح المتحف القومي للحضارة المصرية،
وتعرضت القناطر للإهمال والتعديات فترة طويلة وعندما أُقيم الطريق الدائري ،الذي ركب فوق بعض أجزائها واليوم تشهد المنطقة إقامة كوبري ضمن المشروعات القومية ،التي تقوم بها الدولة للتنمية السياحية المستدامة وهو جهد مشكور وإنجاز كبير لا ينكره أحد.
ويقول الدكتور محمد حمزة الحداد بحسرة شديدة :"نبهنا كثيرا ومرارا وتكرارا وفي مناسبات وبرامج كثيرة بأن ذلك لا يكون على حساب آثار مصر وتراثها عامة ،والآثار المصرية الإسلامية خاصة "فالآثار ليست ملكا لأحد وإنما هي ملك للشعب المصري العظيم بمسلميه ومسيحيه فقط" فلابد في هذه الحالة من التنسيق بين الجهات المعنية وبين وزارة الآثار والمجلس الأعلى للآثار وقطاع الآثار الإسلامية والقبطية ؛لإيجاد الحلول البديلة وهي كثيرة وبالتالي نحافظ على آثارنا وفي نفس الوقت ننفذ المشروعات القومية التي سوف تنعكس نتائجها الإيجابية بدرجه كبيرة وهائلة على السياحة والآثار والتراث والناتج القومي بطبيعة الحال،
أما لو استمر الأمر بدون تنسيق فسوف نفقد آثارنا المصرية الإسلامية أثرا تلو الآخر ،وهو ما يشهد عليه ما حدث في العقود الخمسة الأخيرة فبعد مسلسل الإهمال والتعديات فوجئنا بمسلسل جديد من الهدم والشطب ،كما هو الحال في الحمام العثماني بقنا ومئذنة الحلبي بإدفينا ومشهد آل طباطبا والمحطة الملكية بكفر الشيخ ،والطابية المعروفة بطابية فتح بأسوان.
واليوم فوجئنا بهدم أجزاء من قناطر ابن طولون؛ فهل ستهدم القناطر كلها، وعلى قيادات وزارة الآثار ممثلة في السيد الوزير والسيد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار والسيد رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بالمجلس والسادة مديرو ومفتشو الآثار الإسلامية بالمنطقة تحمل المسئولية الكاملة في الحفاظ على آثار مصر وحمايتها وفقا للقانون والدستور؛
ويختم الدكتور محمد حمزة الحداد بالقول :"من لم يستطع القيام بمسئولياته خير قيام عليه أن يقدم استقالته أو تتم إقالته ،والتاريخ لا يرحم أحدا من المُقصّرين أو المهملين أو من لم يقوموا بواجبهم و مسئولياتهم".