اختلفت ترجيحات المراقبين بين مصالح المدى الطويل لتركيا وأطماع الانقلابيين في مصر بالغة التأثير المتوقع، والتي يمكنها أن تسبب حصول انتكاسة في جهود إعادة تطبيع العلاقات بين أنقرة والقاهرة؛ ما سيتيح على الأغلب للقنوات والإعلاميين المعارضين ورافضي الانقلاب استئناف عملهم كما كان في السابق من إسطنبول.
تقييد حريات
منصة "جودة" المهتمة باستعراض مواد تاريخية وبحثية عن مجريات الصراع بين الإنقلاب ورافضيه، وتساءلت عبر فيسبوك من خلال (JAWDA) عن "لماذا فعلت تركيا ما فعلت؟".
فقالت: هناك ٥ عوامل جعلت تركيا تقيد حرية تعبير الصحفيين المصريين المقيمين بها:
الأول، ترى تركيا أنه حان الوقت لتحويل الانتصارات العسكريه لعوائد اقتصادية، وهذا يتطلب تثبيت الأوضاع في تلك الجبهات والانطلاق نحوالتعمير فيها حتى يكون هناك عائد للشركات التركية.
ثانيا، وترى ضرورة التهدئة في ليبيا حتى ولوشكلية، مقابل مطلب نظام الانقلاب المصري الرئيسي بايقاف الإعلاميين المناهضين. وتضيف أن المطلب شديد الغباء من النظام المصري لأن هؤلاء الإعلاميين سينتقلون ببساطة إلى لندن ويواصلون البث من هناك. ولكن حتى ذلك يكون النظام المصري قد سجل هدف رخيص أمام أتباعه. وهونظام كما عهدنا لا يفكر إستراتيجيا بل يفكر كيف يحافظ على نفسه اليوم فقط.
ثالثا، تدعي جودة أن تركيا لا ترى أنه يوجد هدف إستراتيجي واضح من مهاجمة هؤلاء الإعلاميين للنظام المصري، ومبررة ذلك بأن الانقلاب "مسيطر بشكل كامل داخليا باستخدام قوة السلاح والتعذيب. ولا يوجد أفق لقلب النظام في المدى القريب. وبالتالي ما الهدف إذا؟ زاعمة أن "المعارضة المصرية متشرذمة ودون قيادة"!
رابعا، وقالت انتخابات ٢٠٢٣ والوضع الاقتصادي المقلقل في تركيا وتحقيق نجاحات اقتصادية من عوائد حروب العقد الماضي يصبح أمرا مهما للغاية لأردوغان الذي وجدت من سلبياته "كبر في السن وطالت مدة حكمه وانطلق الكثيرون حتى من حزبه لمعاداته"!
خامسا، أفصحت جودة أن مطلب "التطبيع مع مصر" هو سعودي بالأساس، مقابل "فتح الاستيراد مجددا من تركيا". وهو ما يصب أيضا في خانة تحسين الاقتصاد التركي.

قواعد السيسي
موقع "ترك برس" نشر تقريرا أخيرا، أشار إلى عكس ما أسلفت إليه "جودة" ونشر على لسان عميد سابق في الجيش المصري، أن توسع مصر في افتتاح القواعد العسكرية البرية والجوية والبحرية غرب البلاد، مؤخراً، له سلسلة أهداف من بينها التواجد التركي في ليبيا وشرق المتوسط، وآخرها قاعدة 3 يوليو، على بعد 135 كيلومترا من الحدود مع ليبيا، والتي تضاف إلى قاعدة محمد نجيب التي افتتحها السيسي في 22 يوليو2017، بحضور "بن زايد" ثم قاعدة "سيدي براني"، في المحافظة ذاتها، بمحاذاة الحدود الليبية.
وقال العميد -مجهول الاسم- إن "هناك مخاوف مصرية إماراتية من حدوث تحول ديمقراطي حقيقي في ليبيا بدعم تركي، وإقصاء رجلهم العسكري خليفة حفتر، وبالتالي سحب البساط من تحت قدميه، وبالتالي يطمع نظام السيسي وابن زايد في تأمين وجود رجلهم، والتحسب لأي فرصة لإعادة فرض الحل العسكري تحت أي ظرف".
وأضاف الخبير العسكري، أن "نظام السيسي يضع البترول الليبي وثرواته الضخمة وأموال إعادة إعمار البلاد نصب عينيه". وتابع أن "النقطة الأهم هي محاولة مصر والإمارات قطع الطريق على تركيا، والتي تدعم التحرك الديمقراطي هناك، خاصة أن أبوظبي أكبر داعم بالسلاح والمال للتمرد العسكري في ليبيا والقواعد العسكرية الأخيرة غرب مصر لتأمين هذا الدعم بلا شك".

ترحيل الإعلاميين
وبعد استعراض ملمح من الابتزاز الانقلابي في مصر لتركيا، تحدثت "القدس العربي" عن أنه من غير المتوقع أن يتم ترحيل الإعلاميين المعارضين، وقالت: "لكن يعتقد أن الضغوط التي مارستها الحكومة التركية عليهم لوقف انتقاداتهم للنظام من تركيا سوف تدفعهم لممارسة نشاطهم الإعلامي من مكان جديد خارج البلاد. وفي هذا الإطار يقول مصدر مقرب من هؤلاء الصحافيين لـ”القدس العربي”: “ثلاثة من كبار الصحافيين الذين توقفت برامجهم يبحثون طوعاً عن مكان بديل لاستئناف برامجهم، وحتى الآن يجري الحديث عن بريطانيا كخيار أول".
وأضافت الصحيفة اللندنية، "تدور نقاشات جوهرية عند مشرفي قنوات المعارضة المصرية في إسطنبول حول جدوى استمرار عملها في حال استمرت القيود المفروضة على انتقاد النظام، حيث كانت النسبة العظمى من المشاهدات لهذه القنوات تنصب على البرامج التي توقفت بالفعل، كما أنها قنوات خصصت معظم برامجها لانتقاد النظام، واليوم تبدوفارغة المحتوى، الأمر الذي قد يدفع تدريجياً نحوإغلاقها أونقلها لبلد آخر أو الاكتفاء ببث برامجها الأساسية المؤثرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلا في حال حصول انتكاسة في جهود إعادة تطبيع العلاقات بين أنقرة والقاهرة ما سيتيح على الأغلب لهذه القنوات استئناف عملها كما في السابق من إسطنبول.
وأوضحت أن ملف التسليم والإبعاد خارج تركيا، معقد بالإشارة إلى "حصول عدد كبير من المعارضين المصريين بشكل عام والإعلاميين منهم بشكل خاص على الجنسية التركية". وأبانت أن "آلاف المصريين لا سيما المعارضين حصلوا خلال السنوات الماضية على الجنسية التركية بطرق مختلفة، وباتوا يتمتعون بحقوقهم كمواطنين أتراك وفق الدستور التركي".ونبهت إلى أن "الإعلاميين الملاحقين لنشاطهم الإعلامي ضد النظام المصري هم من الذين حصلوا على الجنسية التركية".