مرت أمس الأول  23 يوليو 1952 الذكرى الـ 69 لتأسيس جمهورية الخوف برعاية أمريكا، هي انقلاب عسكري بدأ في 23 يوليو، 1952 في مصر بواسطة مجموعة من الضباط أطلقوا على أنفسهم تنظيم الضباط الأحرار، وأطلق على الانقلاب في البداية "حركة الجيش" ، ثم اشتهرت فيما بعد باسم ثورة 23 يوليو.
وأسفر الانقلاب عن طرد الملك فاروق وإنهاء الحكم الملكي المدعوم من بريطانيا وإعلان جمهورية الخوف، وبعد أن استقرت أوضاع الانقلاب أُعيد تشكيل لجنة قيادة الضباط الأحرار وأصبحت تعرف باسم مجلس قيادة الثورة وكان يتكون من 11 عضوا برئاسة اللواء أركان حرب محمد نجيب.
وقبل الانقلاب بأيام، في فبراير 1952 أتى مهندس الانقلابات الأمريكية في الشرق الأوسط "كيرمت روزڤلت"؛ ليساعد الملك فاروق علي إجهاض ثورة شعبية لاحت في الأفق، واستشعرتها محطة المخابرات الأمريكية في مصر؛ ولكن فاروق بدا عنيدا في التفاهم وأصبح علي الأمريكيين ترتيب انقلاب عسكري في مصر يكفل الحفاظ علي المصالح الأمريكية في كل الشرق الأوسط.

الحدث الجلل
رغم الجدل الذي يثور كل عام حول مآثر أو مسالب انقلاب 23 يوليو، وكيف حوّلت ديكتاتورية الزعيم الأوحد حال مصر إلى الأسوأ، إلا أن الأمر يتجاوز الحديث عن ذكرى انتهت، أو ذكريات تم تجاوزها، بل للأسف تعيشه مصر الآن بعد انقلاب السفاح عبد الفتاح السيسي على أول تجربة ديمقراطية مدنية بمصر، بعد ثورة 25 يناير 2011 والتي قام بها الشعب وسرقها العسكر في انقلاب 30 يونيو 2013.
وبعيدا عن السياسة التي بصمت بالعشرة إن ما جرى في يوليو 52 كان انقلابا عسكريا، وبتناول الأمر من وجهة الأدب، خاصة وجهة نظر نجيب محفوظ، الذي تناول هذا الحدث الجلل، الذي غير وجهة مصر إلى الأحمر الدموي بدون رجعة.
محفوظ الذي كان يحلم بتحقق العدالة الاجتماعية، التي ناقشها في العديد من أعماله قبل يوليو 1952، وتأتي على رأسها رواية "القاهرة الجديدة" 1945 و "بداية ونهاية" 1949، كان كاتبا له ثقل قبل انقلاب يوليو، وصرح أكثر من مرة أنه ينتمي إليه، وينتقده من الداخل حرصا عليها.
محفوظ كان دوما يتحاشى الصدام مع فاشية العسكر التي لا تصون ودا ولا ترحم مؤيدا حاد عن التطبيل، أو بمعنى أصح يخشاها، وكان كلما أصدر عملا فيه البعض أو الكثير من الانتقادات، كان يعيش حالة من التوتر والقلق، وإن لم نقل الفزع من التبعات، ولكن الاحتكام إلى أعمال محفوظ الأدبية هي الأجدى، فماذا كانت وجهة نظر الرجل في ما حدث؟

 

عودة الوعي!
الانتقاد الصريح للديكتاتور عبد الناصر وانقلابه، جاء في رواية "أمام العرش" التي كتبها محفوظ في العام 1983، حيث يقف حكام مصر أما عرش "أوزرويس" رب العالم السفلي ورئيس المحكمة الأخروية، التي تبرئ أو تدين، حسب أعمال كل منهم، بداية من مينا وحتى السادات.
وفي الرواية يتحدث الملك الفرعوني رمسيس الثاني عن الديكتاتور عبد الناصر الواقف أمامهم، يقول رمسيس الثاني "كلانا يُشع عظمة تملأ الوطن وتتجاوز الحدود، وكلانا لم يقنع بأعماله المجيدة الخالدة، فأغار على أعمال الآخرين ممن سبقوه".
ويُشير محفوظ هنا إلى تعمد عبد الناصر تجاهل ثورة 1919، ويُضيف تحتمس الثالث "على الرغم من نشأتك العسكرية فقد أثبتّ قدرة فائقة في كثير من المجالات إلا العسكرية"، وهي إشارة للهزائم العسكرية التي لحقت بعبد الناصر، فهو العسكري الذي لم يكسب معركة واحدة رغم كل هذا الصخب، فيما يشبه ما يقوم به السفاح السيسي اليوم".
وبالطبع ما مصير شعب يحكمه حاكم مهزوم، إلا التنكيل به، وهنا يأتي دور مصطفى النحاس، فيضيف "أغفلت الحرية وحقوق الإنسان، ولا أنكر أنك كنت أمانا للفقراء، ولكنك كنت وبالا على أهل الرأي والمثقفين وهم طليعة أبناء الأمة، انهلت عليهم اعتقالا وسجنا وشنقا وقتلا، حتى أذللت كرامتهم وأهنت إنسانيته، ليتك تواضعت في طموحك، إن تنمية القرية المصرية أهم من تبني ثورات العالم. إن تشجيع البحث العلمي أهم من حملة اليمن، ومكافحة الأمية أهم من مكافحة الإمبريالية العالمية، وا أسفاه لقد ضيعت على الوطن فرصة لم تُتح له من قبل".

إعادة تقييم

ويذكر الكاتب الراحل صلاح عيسى، بأن "نجيب محفوظ كان يعيد تقييم تأييده ودفاعه عن الانقلاب، من خلال منظار هزيمة يونيو، أو أنه جاء الوقت المناسب، فيصبح تأميم القناة خسارة فادحة لمصر، لأنه أدخلها في صدام مباشر مع القوى الكبرى وصفقة الأسلحة التشيكية يقول محفوظ إنه أيدها عن جهل، قد أضرت بمصر؛ لأنها أحدثت استقطابا دوليا عقد الصراع العربي الصهيوني".
وفي الأخير يرى محفوظ أن "الانقلاب لم يكن ضرورة، ولو أن حكومة الوفد الأخيرة، التي أُقيلت في أعقاب حريق القاهرة في يناير 1952 استمرت في الحكم لمدة خمس سنوات فقط، لحققت كل ما تشدق به الانقلاب، ولتجنبت كل كوارثه".
ولأن مصر هي أكبر الدول العربية فإن وقوع الانقلاب العسكري فيها ونجاح صغار ومتوسطي الرتب في الجيش المصري من الاستيلاء على السلطة فيها وإرغام الملك فاروق على التنازل عن العرش لابنه أحمد فؤاد ربما قد شجع باقي الضباط العرب في التفكير في القيام بانقلابات عسكرية مماثلة في عدد من الدول العربية".
ومع ذلك فقد اثبتت الأيام و تطورات الاحداث بعد ذلك أن تلك الانقلابات العسكرية كانت كلها وراء سلسلة طويلة من الهزائم و النكبات والأزمات الاقتصادية والسياسية التي شهدها العالم العربي منذ 3 يوليو 1952 حتى 30 يونيو 2013، كانت كلها وبالا على الأمة و حولت حالها من الأفضل إلى الأسوأ.
وما زالت العلاقة التي تحكم العسكر بالسياسة تمثل العقبة الرئيسية أمام مطالب الانتقال الديمقراطي في مصر، وإذا كانت السلطة أيا كانت طبيعتها تحتاج إلى القوة من أجل فرض هيبتها وتنفيذ القانون، فإن سيطرة العسكري على مقاليد مؤسسات الدولة يحول هذه الأخيرة في كثير من الأحيان إلى ما يشبه الثكنة العسكرية.
ولقد عادت هيمنة العسكر على السياسة في مصر، مع انقلاب 30 يونيو 2013، بعد أن تمت تنحية أول رئيس مدني منتخب لمصر، الشهيد محمد مرسي، وإيداعه السجن قبل اغتياله مع المئات من أنصار الشرعية، وعاد العسكر ليتصدر المشهد المأسوي الدموي.

Facebook Comments