رغم عشرات المذابح التي نفذتها مليشيات إجرامية من الجيش والشرطة في حق الشعب المصري سواء أثناء ثورة يناير وما تلاها وصولا إلى مرحلة الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013م وملا تلاه من مذابح مروعة تبقى مذبحة رابعة العدوية في 14 أغسطس 2013م هي الجريمة الكبرى التي سوف تلاحق جنرالات الجيش والشرطة أبد الآبدين. وستبقى لعنة الدماء تحاصر القتلة والمجرمين حتى ينالوا عقابهم الآليم في الدنيا والآخرة.
ينسى هؤلاء القتلة أن الله توعد من يقتل مؤمنا واحدا متعمدا بالخلود في النار ما لم يتب، فقد قال الله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}. وقال تعالى {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا}. ورغم قتل الآلاف من المؤمنين الأبرياء لم يتب السيسي ولم يتوقف عن هذه الجرائم، بل لا يزال السيسي ونظامه يصدر أحكام الإعدام الجائرة بحق المؤمنين في إصرار عجيب على الدم وسفك المزيد من الدماء دون خوف أو اكتراث لوعيد الله ألا يخشى هؤلاء أن يأخذهم الله بهذه الدماء ويدفع بهم إلى جهنم خالدين فيها كما هددت الآيات القرآنية.
هذه المذابح سواء في 28 يناير "جمعة الغضب" ثم معركة الجمل، ثم مجلس الوزراء ومحمد محمود والعباسية وماسبيرو واستاد بورسعيد لألتراس "أهلاوي"، ثم مذبحة استاد "الدفاع الجوي" لألتراس زملكاوي، ثم المذابح المروعة بعد الانقلاب العسكري في بين السرايات والحرس الجمهوري والمنصة ثم رابعة والنهضة ومصطفى محمود و6 أكتوبر 2013م، كل هذه المذابح الوحشية المروعة استهدفت الجميع دون استثناء، وتركت جروجا لا تندمل وانعكاسات شديدة الخطورة على مستقبل البلاد؛ وأدخلت مصر نفقا مظلما انعكس على جموع الناس يأسا وإحباطا؛ لا سيما بعد فشل النظام في إدارة البلاد ؛ ما أفضى إلى موجات من الغلاء الفاحش، طالت جميع أنواع السلع والخدمات بصورة ترهق الجميع بشكل غير مسبوق، لا يراعي الأبعاد الإنسانية والاجتماعية ومستويات الدخل القليلة التي تآكلت بفعل قرارات وسياسات النظام؛ وهو ما خلق جبالا من الأحزان والهموم والغضب المكتوم الذي يوشك على الانفجار في أي وقت.
أول الآثار الخطيرة لهذه المذابح هو الانقسام المجتمعي الحاد، والذي يعد أكثر هذه المخاطر خطورة؛ فقبل انقلاب 03 يوليو والمذابح التي نفذت بوحشية مفرطة، بتحريض من الأمريكان والصهاينة وعواصم خليجية متآمرة على مصر، كان الانقسام سياسيا وهو أمر طبيعي يمكن حله بالحوار والآليات السياسية المتعارف عليها، ولكن السنوات التي تلت انقلاب 3 يوليو 2013م، أثبتت أن المؤسسة العسكرية ـــ بتحريض دولي وإقليمي ـــ هي من كانت تقف وراء هذا الانقسام السياسي الحاد وهي من طمعت القوى العلمانية التي كانت تعارض الرئيس الشهيد محمد مرسي وأغوتها بالتمرد على الديمقراطية؛ لأنها جاءت بخصومهم من الإسلاميين.
هذه الغواية من العسكر دفعت هذه القوى العلمانية إلى رفض الحوار مع الرئيس المنتخب أو حتى التسليم بنتائج الديمقراطية ومنح الرئيس المنتخب حقه في إدارة البلاد دون عرقلة أو تعويق؛ طمعا في الحكم على ظهور دبابات الجيش بعد أن يئسوا من الفوز بثقة الشعب عبر الآليات الديمقراطية. ولتعزيز هذا الانقسام الحاد شنت الآلة الإعلامية للنظام الانقلابي أكبر حملة دعاية سوداء بحق الإخوان والحزب الحاكم الذي تم الانقلاب عليه؛ وجاءت أغنية "انتوشعب واحنا شعب" للمغني علي الحجار لتؤكد الكارثة وبات الشعب شعبين؛ شعب ينتمي للنظام الجديد ويمثله الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة العميقة، وشعب ينتمي إلى مصر وثورة 25 يناير ويدعم المسار الديمقراطي، وجلهم من الحركات الإسلامية التي تؤمن بالمسار الديمقراطي والانتخابات كآلية للوصول إلى الحكم. هؤلاء بالملايين وهؤلاء أيضا بالملايين حتى وصل الانقسام إلى كل بيت وكل أسرة وكل عائلة وفي الدووايين الحكومية والشركات وأصحاب المهن الحرة وبات التصنيف السياسي علامة على هذا الانقسام الحاد فهذا إخواني وهذا سيساوي.
وثاني أهم المخاطر الكارثية هو فقدان الثقة في الجيش والشرطة، ويعد أحد المخاطر التي تولدت عن الانقلاب وما تبعه من مذابح وحشية مفرطة، فالانقلاب جعل نصف الشعب على الأقل يكفر بالمؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة العميقة، وتراجعت شعبية المؤسسة العسكرية لمستويات قياسية وغير مسبوقة بعد الانقلاب مباشرة خصوصا وأن الجيش كشف عن وجه قبيح بتوجيه السلاح لصدور الشعب بدلا من الأعداء.
ومع مرور الشهور والسنوات؛ ومع فشل النظام في إدارة شئون البلاد، ما أدى إلى تدهور مالي واقتصادي حاد أفضى إلى تضخم الديون بصورة مخيفة حتى بلغت أكثر من 5 تريليونات جنيه وفق الأرقام الرسمية الصادرة من البنك المركزي، وفرض رسوم وضرائب بشكل جنوني حتى زادت بعض الخدمات خلال السنوات الأربع الماضية بنسب تقترب من 500% كالمياه والكهرباء وتذاكر المترو وتعريفة ركوب السيارات وكثير من السلع والخدمات؛ وتزامن مع ذلك توجهات احتكارية من جانب المؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد وسيطرتها على حوالي 60% من إجمالي الاقتصاد المصري وفق تقديرات مؤسسات متخصصة في الاقتصاد. كل هذه العوامل أفضت إلى تراجع حاد وشديد الخطورة في شعبية المؤسسة العسكرية التي باتت عنوانا للاستبداد السياسي والاحتكار الاقتصادي، والتحالف مع الصهاينة العدو التاريخي اللدود للشعب المصري. كما فقد الشعب الثقة في باقي مؤسسات الدولة، فالشرطة محل كراهية الشعب منذ عقود طويلة لكن المذابح الدموية أكدت لملايين المصريين أنهم أمام مؤسسة يتوجب تطهيرها بشكل كامل وإقامة جهاز أمني جديد على أسس سليمة إذا أرادت مصر النهوض والتقدم وإقامة نظام ديمقراطي سليم.
ثالث المخاطر هو تشويه سمعة القضاء والمؤسسة الدينية، فالأمر لم يتوقف عند فقدان الثقة في الجيش والشرطة، بل تجاوز الأمر إلى فقدان الثقة في مؤسسة القضاء، التي باتت مسيسة وتم العصف بأي مسحة استقلال في أعقاب الأحكام المسيسة الجائرة بالإعدام والمؤبد لآلاف النشطاء دون أي دليل مادي يدينهم، والاعتماد فقط على تحريات الأمن الوطني والأجهزة الأمني ما يمثل عصفا بأسس القضاء النزيه العادل. وامتد نفور الشعب وكراهيته إلى المؤسسة الدينية الرسمية التي كشفت عن نفاق مزمن متأصل في نفوس قادتها للنظام العسكري السلطوي، أما المؤسسة الكنسية فانحازت لمؤسسة القوة "الجيش والشرطة" على حساب ملايين المسلمين الذين يعيشون مع الأقباط منذ مئات السنين في سلام ووئام دون مشاكل. متناسية أن النظم حتما تتغير ولكن الشعوب لا تتغير وتبقى مواقف الكنيسة الداعم والمحرضة على الانقلاب ثم سفك الدماء شرخا لن يندمل بسهولة على مر العقود والقرون المقبلة، سيولد ملايين المسلمين مدركين أن الكنيسة تنحاز لأي قوة أو تيار ضد الإسلاميين المطالبين بالشريعة حتى لو كانوا سلميين مؤمنين بالديمقراطية والانتخابات. ولن تزول هذه الصورة المشينة للكنيسة إلا بمواقف مغايرة من قادة الكنيسة يمكن أن تخفف حدة المشاعر جراء غدر الكنيسة وخيانتها للمسلمين.
رابع المخاطر هو فقدان الأمل في أي تداول سلمي للسلطة، الأمر الذي يمثل خطورة شديدة على حاضر مصر ومستقبلها، وهو من أخطر الانعكاسات على مستقبل مصر جراء الانقلاب والمذابح الوحشية التي نفذها الجيش والشرطة، ثم التعديلات الدستورية التي جرت في النصف الأول من سنة 2019م، والتي تسهم في بقاء سفيه الانقلاب في السلطة حتى 2030، وربما أكثر من ذلك، وهو ما أدى إلى غلق باب الأمل في أي تداول سلمي للسلطة، فالانقلاب يمثل رسالة واضحة أن صنادق السلاح والذخيرة هي من تحسم الصراع وليست صناديق الانتخابات وإرادة الشعوب، فمرسي قد انتخب قبل عام من الانقلاب في أنزه انتخابات في تاريخ مصر، ورغم ذلك نظمت المؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة العميقة حشودا مصطنعة بفعل توظيف الخلاف السياسي والتحريض الإعلامي الذي استخدم جميع الوسائل غير الشريفة وغير المهنية وبتحريض من واشنطن وتل أبيب وعواصم خليجية مولت الانقلاب بمليارات الدولارات وكافأت الجنرال السيسي بعشرات المليارات من الدولار على قيامه بهذا الانقلاب السافر والمذابح الوحشية.
خامس المخاطر هو بث الروح في الأفكار المتطرفة، فبعد 30 يونيو تأسس نظام شمولي استبدادي يستحيل أن يتم تغييره بالوسائل والآليات الديمقراطية، وأكد على ذلك هذه التعديلات الدستورية التي تققن الطغيان والاستبداد وتقنن الدولة البوليسية لكن الأكثر خطورة أن ملايين الشباب من الإسلاميين وغيرهم وصلتهم الرسالة؛ فلا مكان لكم في مصر ولا حكمها حتى لو فزتم بثقة الشعب؛ وهو ما أفضى إلى بث الروح في أفكار التنظيمات الراديكالية المسلحة التي لا تؤمن بالديمقراطية أو الانتخابات طريقا للحكم والتداول السلمي للسلطة، فقد فشل مسار الإخوان المؤمنين بالانتخابات ووصلوا لأكثرية البرلمان فانحل بحكم قضائي مشبوه، وسنوا دستورا وافق عليه الشعب بالأغلبية فتم تعليق العمل به وتغييره قبل حتى أن ينفذ، ثم فازوا بالرئاسة فانقلب الجيش عليهم واعتقل الرئيس وأركان الحكومة! فأي سبيل أمام ملايين الشباب حتى يحققوا أفكارهم وتصوراتهم التي يحلمون بها في وطن ينعم بالحرية والعدالة وفق مرجعية الشريعة الإسلامية؟!
وبناء على هذه الحقائق؛ يمكن اعتبار الجنرال السيسي هو القائد الفعلي لتنظيم داعش والقاعدة وبيت المقدس وولاية سيناء؛ فلولا انقلابه المشئوم لماتت أفكارهم المتطرفة التي تراجعت بقوة خلال مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير2011، ولكن السيسي سد النوافذ الديمقراطية والمسارات الطبيعية للتداول السلمي للسلطة؛ فأحيا أفكار القاعدة وداعش وغيرها، وهو بذلك أيضا جعل أفكار الإخوان والحركات الإسلامية المؤمنة بالديمقراطية والانتخابات أمام اختبار قاس، وفقد خطاب الجماعة والحركات المؤمنة بالديمقراطية أي بريق أو ثقة حتى تتشكل ملامح جديدة وفق التطورات الحادثة بعد الانقلاب؛ لذلك لا أمل في عودة الروح لهذا الخطاب الإخواني القديم بالدعوة إلى الاحتكام للانتخابات والشعب إلا بإسقاط الانقلاب حتى يسترد هذا الخطاب قيمته وتأثيره بين ملايين الشباب المحبط اليائس.
