في ظل ظروف الحياة القاسية وتصفية شركات القطاع العام وتشريد العاملين، يضطر البعض خاصة الشباب في إطار محاولاته للعثور على فرصة عمل،  للتوقيع على إيصالات أمانة من أجل الحصول على وظيفة أو قضاء مصالحه أو شراء ما يريد.

هذه الأزمة تحولت إلى ظاهرة في الفترة الأخيرة مع التداعيات السلبية لجائحة فيروس كورونا وارتفاع الأسعار والاستنزاف الذي يمارسه نظام الانقلاب الدموي ضد المصريين، حيث تستغل بعض الشركات احتياج الشباب للعمل وتقوم بالضغط عليهم، للتوقيع على إيصال أمانة نظير الحصول على وظيفة داخل الشركة وهو ما قد يُستغل في بعض الأحيان بكتابة مبالغ طائلة على المدين قد تدخله السجن.

وتتعدد أسباب التوقيع على إيصال أمانة من أجل الحصول على فرصة عمل، وهناك مئات الصفحات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تستغل حاجة الشباب في البحث عن فرص العمل، ويقع الكثير منهم فريسة لبعض الشركات التي تجبرهم على التوقيع على إيصالات أمانة، وتتلقى الجهات المسئولة أكثر من 20 بلاغا يوميا في هذا الصدد وضحايا هذه الظاهرة أعداد كبيرة جدا من العمالة الراغبة في الحصول على وظيفة.

التقرير التالي يرصد بعض القضايا التي انتشرت مؤخرا داخل أروقة المحاكم بشأن التوقيع على إيصالات أمانة.

 

شركة أدوية

"م.ع" شاب في العقد الثالث من العمر ظل يبحث عن عمل لمساعدته في الإنفاق على أسرته، وعند الحصول على وظيفة محاسب بإحدى شركات الأدوية عمل بها لمدة أسبوع وعقب ذلك فاجأه ال HR بضرورة التوقيع على إيصال أمانة بقيمة 3 ملايين جنيه شرط الاستمرار في الوظيفة، فرفض الشاب التوقيع وترك العمل متحملا الخسائر النفسية والمادية التي تعرض لها خلال فترة تواجده بالعمل.

 

مندوبة مبيعات

"ص.ف" فتاة في العقد الثالث من العمر تواجدت داخل أروقة المحاكم لا تقول غير جملة واحدة "حسبي الله ونعم الوكيل" وبالاقتراب منها لسماع شكواها قالت "أعمل مندوبة مبيعات في إحدى شركات التجميل، وفي بداية تعييني قمت بكتابة العقد مع الشركة، وطلبوا مني التوقيع على إيصال أمانه فارع على أساس أنه مجرد إجراء روتيني لتكملة أوراقهم على حد قولهم.

استمر العمل داخل الشركة لمدة 3 سنوات اجتهدت وقمت بعملي على أكمل وجه حتى تمت ترقيتي بالمكان، وأصبحت أشغل منصبا مرموقا داخل الشركة، لكن حدثت ظروف مرضية خارجة عن إرادتي اضطرتني لتقليل ساعات العمل بشكل مؤقت، ولم يتحمل ذلك صاحب العمل بل انقلب الحال رأسا على عقب واستمر الضغط بشكل ملحوظ بل زاد على ذلك توقيع جزاءات كبيرة تخصم من الراتب، حتى قررت أن أترك العمل وأبحث عن وظيفة تناسب قدراتي، ووجدت شركة أخرى براتب أعلى ولم أتردد في الموافقة بل ذهبت على الفور لاستلام العمل.

وبعد مرور أشهر فوجئت بمُحْضِر من المحكمة وبيده طلب استدعاء من النيابة، وبالسؤال عن سبب المحضر فوجئت أن صاحب العمل قدم إيصال الأمانة للمحكمة، ومازلت أحاول الخروج من تلك الورطة التي لم يكن لي ذنب فيها سوى أنني كنت أبحث عن فرصة عمل.

 

مسوغ تعيين

في إحدى قضايا إيصالات الأمانة من أجل الحصول على فرصة عمل أصدرت الدائرة "4" مدني كلي – بمحكمة شبين الكوم الابتدائية – حكما بإلزام شخص بأن يؤدي للمدعي مبلغا وقدره 800 ألف جنيه قيمة إيصال أمانة، بعد أن تبين للمحكمة أنه حرره كمسوغ للتعيين بالوظيفة.

وقائع الدعوى تشير إلى أن المدعي عقد خصومته بموجب صحيفة أودعت قلم كتاب المحكمة في 11 يونيو 2019 أعلنت قانونا في ختامها الحكم بإلزام المعلن إليه بأن يؤدي مبلغ 800 ألف جنيه قيمة إيصال أمانة سند الدعوى، وذلك على سند من القول أن المدعي أقام ضد المعلن إليه عريضة أمر أداء طالب في ختامها إلزامه بمبلغ 800 ألف جنيه قيمة إيصال أمانة، إلا أن المحكمة قررت رفض الطلب وحددت جلسة أخرى لنظر الموضوع ، وحيث قدم المدعي سندا لدعواه حافظة مستندات طويت على أصل إيصال أمانة محرر من المدعى عليه إليه بقيمة 800 ألف جنيه وأصل إنذار بأداء المبلغ.

وتداولت الدعوى بالجلسات على النحو الثابت بمحاضرها مثل خلالها طرفي التداعي بوكيل عنه محام، وطلب وكيل المدعى عليه إحالة الدعوى للتحقيق، ليثبت أن إيصال الأمانة سند الدعوى قد حُرر كمسوغ للتعيين بوظيفة، وقدم حافظة مستندات طويت على صورة طبق الأصل للمحضر رقم 38440 لسنة 2019 إداري بركة السبع بشأن شكوى المدعى عليه قبل المدعي بشأن تحرير إيصال أمانة كمسوغ للتعيين طرفه، وحيث ضم إلى الأوراق ملف أمر الأداء المقام من المدعي قبل المدعى عليه بشأن ذات الموضوع، وقد تضمن أمر رئيس المحكمة برفض الطلب، والمحكمة قررت حجز الدعوى للحكم.

المحكمة في حيثيات الحكم قالت إنه "لما كان من المقرر بنص المادة 1 من قانون الإثبات على الدائن إثبات الالتزام وعلى المدين إثبات التخلص منه"، وحيث نصت المادة 141 من قانون الإثبات يعتبر المحرر العرفي صادرا ممن وقعه ما لم يذكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط بإمضاء أو ختم أو بصمة، وكان من المقرر بقضاء النقض أن الإثبات بمعناه القانوني هو إقامة الدليل أمام القضاء بإحدى الطرق التي حددها القانون، فهو قوام الحق الذي يتجرد قيمته ما لم يقم الدليل عليه، وحيث أنه من المقرر بقضاء النقض "الأصل في نطاق الحقوق الشخصية هو براءة الذمة، فمن ادعى على غيره حقا أو قولا ملزما بحق فعليه الدليل".

وبالبناء على ما تقدم وهديا به – ولما كان الثابت من مطالعة أوراق الدعوى ومستنداتها أن طلبات المدعي على إلزام المدعى عليه بسداد مبلغ 800 ألف جنيه، وكانت أوراق الدعوى قد حوت أصل إيصال أمانة ثابت به المديونية، فيكون بذلك المدعي قد أقام الدليل على دعواه، وأثبت ظاهر حقه وأن المدعى عليه مثقل بهذا الدين، ويكون عليه عبء التخلص منه، كما وأن المدعى عليه قد مثل أمام المحكمة بوكيل ولم يقدم الدليل على تخلصه من هذا الالتزام سواء بالانقضاء أو بالوفاء، ومن ثم تستخلص معه المحكمة، مما سبق أن ذمته مشغولة بهذا الدين ولم يتخلص منه سواء بالسداد أو الوفاء، ولا ينال من ذلك نعي المدعى عليه أمام المحكمة بتحرير الإيصال سند الدعوى المسوغ للتعيين بإحدى الوظائف، وطلبه إحالة الدعوى للتحقيق لإثبات ذلك إذ إن الإيصال سند الدين ثابت بالكتابة وهو ما لا يسوغ إثبات عكسه بالبينة، الأمر الذي تلتفت معه المحكمة عن طلبه، وتقضي معه للمدعي بطلباته.

 

علاقة العمل

حول هذه القضايا أكد جرجس حبيب خبير قانوني أنه "يجب تحرير محضر شرطة لإثبات علاقة العمل بين الطرفين بشهادة شهود إثبات وكذلك الشهادة بأن العامل قام بالتوقيع على إيصال أمانة على بياض كضمان وكورقة من مسوغات التعيين".

وقال حبيب في تصريحات صحفية  في حالة قيام صاحب العمل بتقديم إيصال الأمانة للقضاء، نُقدِّم صورة من المحضر وندفع بانتفاء ركن التسليم وكذلك ندفع بقيام صاحب العمل بكتابة صلب الإيصال في تاريخ لاحق لتوقيع العامل مما يؤكِّد أنه تم التوقيع على بياض وهو يعد خيانة ائتمان وفقا لنص المادة (340) من قانون العقوبات والتي تنص على:

(كل مَن ائتُمن على ورقة ممضاة أو مختومة على بياض فخان الأمانة وكتب في البياض الذي فوق الختم أو الإمضاء سند دين أو مخالصة أو غير ذلك من السندات والتمسكات التي يترتب عليها حصول ضرر لنفس صاحب الإمضاء أو الختم أو لماله عُوقِب بالحبس ويمكن أن يزاد عليه غرامة لا تتجاوز خمسين جنيها مصريا وفي حالة ما إذا لم تكن الورقة الممضاة أو المختومة على بياض مُسلّمة إلى الدائن وإنما استحصل عليها بأي طريقة كانت، فإنه يُعد مزوّرا ويعاقَب بعقوبة التزوير).

 

شروط

وقال المحامي عزت فهمي، إن "هناك عدة شروط أقرها القانون لصحة إيصال الأمانة، كالآتي":.

1- أن يكون الإيصال بين ثلاثة أشخاص.

2- ألا يكون الإيصال مؤرخا.

3- لا يكتب فيه تفاصيل تخص المبلغ المالي.

4- يكتب المبلغ بدقه بالحروف والأرقام.

5- جميع بيانات الإيصال يجب أن تكون مكتوبه بخط يد المستلم.

6- ممنوع الشطب أو التعديل وإلا كان الإيصال مزورًا.

7- يجب أن يكون الإيصال منطقيا ومعقولا.

وأوضح فهمي في تصريحات صحفية أن أي خلل بتلك الشروط يعرض الإيصال للتلف أو الطعن بالتزوير، وبالتالي لن يتمكن صاحبه من استرداد حقه طبقا للقانون.

Facebook Comments