مع التدهور الاقتصادي الذي تعاني منها مصر منذ انقلاب 2013 تتزايد أزمة البطالة وأعداد المتعطلين عن العمل، ويدور الشباب في حلقة مفرغة بحثا عن فرصة عمل في ظل هذه الأوضاع الكئيبة المظلمة التي ألقت جائحة كورونا بظلالها السلبية عليها، لتزداد الصورة قتامة وبؤسا وهو ما دفع الملايين إلى الهجرة الشرعية وغير الشرعية بحثا عن فرصة عمل في عالم يحترم آدمية الإنسان ويعمل من أجل تحقيق كرامته.
ورغم التطبيل لنظام العسكر والكتائب الإلكترونية التي لا تتوقف عن الدعاية لهذا النظام الإجرامي الفاسد، اعترف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ، بارتفاع معدل البطالة إلى 7.5٪ خلال الربع الثالث من العام الجاري.
وقال جهاز الإحصاء في بيان له إن “هذه النتيجة كشف عنها بحث القوى العاملة للربع الثالث، (يوليو – سبتمبر) لعام 2021، حيث بلغ معدل البطالة 7.5٪ من إجمالي قوة العمل مقابل 7.3٪ في الربع السابق من عام 2021 بارتفاع قدره 2, ٪عن كل من الربع السابق والربع المماثل من العام السابق.
وأشار إلى أن حجم قوة العمل سجل نحو 29,380 مليون فرد مقابل 29,115 مليون فرد خلال الربع السابق بنسبة ارتفاع مقدارها9, ٪ وبلغت قوة العمل في الحضر 13,187 مليون فرد بينما بلغت في الريف 16,193 مليون فرد، أما على مستوى النوع فقد بلغ حجم قوة العمل للذكور24,277 مليون فرد بينما بلغت للإناث 5,103 مليون فرد.
وكشف الجهاز أن عدد المتعطلين بلغ 2,211 مليون متعطل بنسبة 7,5٪ من إجمالي قوة العمل مقــابـل 2,115 مليون متعطل في الربع الثاني 2021 بارتفاع قدره 96 ألف متعطل بنسـبة 4,5٪، وبارتفاع قدره 150 ألف متعطل عن الربع المماثل من العام السابق بنسبة 7.3٪0
يأتي هذا الاعتراف رغم أن معدل البطالة الذي ذكره الجهاز أقل بكثير من المعدل الحقيقي ليوجه ضربة إلى نظام الانقلاب الذي يزعم أنه يحقق إنجازات في كل المجالات وأنه يبني الجمهورية الجديدة التي لا تعرف غير الأكاذيب والغش والتزييف والخداع وتجويع المصريين وتضييع حاضرهم ومستقبلهم .
سيناريوهات متشائمة
من جانبه توقع تقرير للمركز المصري للدراسات الاقتصادية ارتفاع البطالة إلى ما بين 13.4% – 19% بافتراض سيناريوهات على أرض الواقع مشيرا إلى أن حال المشتغلين في مصر، تتأرجح ما بين متفائلة ومتشائمة.
وقال المركز إن “معدلات البطالة ارتفعت إلى 9.6% خلال الربع الثاني (أبريل – يونيو) 2020 مقارنة بالربع السابق الذي سجل 7.7%، أو الربع المناظر من 2019 والذي سجل 7.5%، وفقا لبيانات جهاز الإحصاء”.
وأوضح أنه بافتراض السيناريو المتفائل، من المتوقع ارتفاع معدل البطالة إلى نحو 13.4%،مشيرا إلى أنه وفق السيناريو المتشائم، سيرتفع معدل البطالة إلى مستويات أعلى تصل إلى 19%.
وأكد التقرير إن “هذه المعدلات تتفق مع توقعات منظمة العمل الدولية وصندوق النقد الدولي في أبريل 2020، بأن تتصاعد معدلات البطالة السنوية في مصر بنهاية 2020 إلى 10.3% وإلى 11.6% بنهاية عام 2021.
اقتصاد ضعيف
وقالت منى بدير محللة الاقتصاد الكلي في بنك استثمار برايم، إن “متوسط معدل البطالة في مصر خلال عام 2020 وصل إلى 11% مؤكدة أن الذروة ستكون خلال نهاية العام الحالي”.
وتوقعت منى في تصريحات صحفية ارتفاع معدل البطالة إلى 11% خلال السنة المالية الحالية، وإلى 12% خلال السنة المقبلة.
وأضافت أن ارتفاع البطالة يأخذ في الحسبان محدودية قدرة الاقتصاد على خلق فرصة عمل للمنضمين حديثا لسوق العمل والذين يتراوح عددهم بين 500 و700 ألف شخص كل سنة.
وذكرت منى أنه بالإضافة إلى ذلك فرضت أزمة جائحة فيروس كورونا على كثير من القطاعات الاقتصادية التخلي عن العمالة لخفض النفقات.
وأشارت إلى أن هناك عاملا آخر قد يؤثر في معدل البطالة وهو عودة بعض العاملين المصريين بالخارج، وتراجع فرص العمل في بعض الدول التي تعتمد على العمالة المصرية مثل دول الخليج وبالتالي تراجع تأثيرها على امتصاص جزء من البطالة.
نظم التعليم
وقال الدكتور خميس الهلباوي خبير اقتصادي إن “نظم التعليم والتدريب لها دور رئيسي في تفشي البطالة بين شباب الخريجين بصفة خاصة وبين الشباب المصري بصفة عامة، مشيرا إلى أن مشكلة البطالة بدأت في الظهور بعد انقلاب 23 يوليو وإعلان النظام الجمهوري عام 1952، حيث كان من أهم إخفاقات هذا الانقلاب محاولة كسب زعامة جماهيرية بالتضحية بنظم التعليم الراسخة القديمة مثل إعلان مجانية التعليم مجانية مطلقة بصرف النظر عن مسألة الجودة والتميز كشرط من شروط مجانية التعليم للمتميزين”.
وأضاف الهلباوي في تصريحات صحفية أن هذا الإجراء تسبب في تطلع جميع طبقات المجتمع إلى حصول أبنائه على مؤهلات عليا لاحتلال مراكز وظيفية مرموقة، ونبذ التدريب على المهن الفنية التي يحتاجها المجتمع مع تجاهل العرض والطلب على سوق المؤهلات الجامعية ما أدى إلى حدوث كارثة الوفرة مؤكدا أن الوفرة في طلب المؤهلات العليا أدت إلى إهمال الكيف والاهتمام بالكم في تخريج حملة صكوك التعلم والتوظيف، فشاعت فوضى التعليم ولم يعد هناك إلا الاهتمام بالحصول على صك التعيين الذي أصبح بعد ذلك عبئا على حامله لما يتطلبه من مظهر يجبره على سلوكيات هو أصلا لا يملك توفير تكلفة مظاهرها.
وأعرب عن أسفه لاستمرار هذا حتى اليوم حيث مازالت سياسة ترميم نظام التعليم تخضع لأفكار متعددة تفسد التعليم أكثر من أن ترممه، نتيجة التخلف الإداري الذي يتمتع به الروتين الذي يتبعه المسئولون الذين يزيدون الطين بله، عندما يتولون قيادة قطاع التعليم، ويصرون على تطبيق نظرياتهم الفاشلة في ترميم التعليم خوفا من الفئات المستفيدة من التعليم المجاني.
وتابع الهلباوي ، بمرور أكثر من خمسين عاما على مصر في حظها العاثر نتيجة عدم الاهتمام بالإصلاح الحقيقي للتعليم، كان النظام الاقتصادي يسير من ضعف إلى أضعف، بسبب عدم إضافة مهنيين جدد بدلا من هؤلاء الذين يختفون إما بالموت أو بالهجرة إلى دول العالم التي يمكنها توفير حياة أكثر رفاهية وفقا لخبراتهم، وأصبح السوق المصري يتضمن جهلة مهن وحرف فنية بدلا من خبرات عالية، كانت تضارع بل تتغلب على الخبرات الأوربية.
وأوضح أن من أسباب أزمة البطالة أنه بعد أن كان الاقتصاد المصري يدار بنجاح عندما كان تعداد السكان 14 مليونا أو عشرين مليون نسمة، يقوم بالإنتاج منهم حوالي 50%، أي حوالي عشرة ملايين فرد، أصبح تعداد السكان حوالي 100 مليون نسمة، مع عدم وجود أيدي عاملة صالحة للعمل والإنتاج وكافية لإنتاج ما يكفي الاستهلاك وبالتالي ارتفعت تكلفة المجتمع والخدمات المطلوبة لمعيشته، واتسعت الفجوة بين المتاح والمطلوب لتنفيذ خطط تنمية حقيقية.
ثروات مصر
وأشار الهلباوي إلى أن سبب البطالة يرجع إلى أن جميع الخريجين بلا استثناء لم يتدربوا على أي مهارات شخصية مهنية أو علمية ترتبط وتتناسب مع احتياجات سوق العمل ولا حتى تتناسب مع ما يحملونه من صكوك تعيين ولم يجنِ الشباب من حملة الشهادات العليا غير الحسرة على وقت الدراسة والعمل من أجل الحصول على تلك الشهادات، مؤكدا أن الحكومات المتتالية، أهملت التخطيط والتدريب العلمي والعملي السليم وفقا للاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
وكشف أن سوء التخطيط المركزي، وعدم التفرغ لتنمية الاقتصاد المصري والبحث عن الزعامة الوهمية أدى إلى استنفاذ ثروات مصر وإفقار المجتمع المصري لدرجة أن تحول الاقتصاد المصري إلى اقتصاد طارد للمهارات، والأخلاق والقيم، نتيجة الفقر المتزايد للمجتمع فهاجرت الأيدي العاملة المدربة إلى الدول العربية التي استفادت من مشاكل مصر وتحولت إلى دول غنية، وإلى دول أوروبية وأمريكا الشمالية، وحرمت مصر من مهارات وخبرات أبنائها، مما تسبب في عدم وجود كوادر مدربة لتدريب متدربين جدد في المهن المختلفة لتنمية الاقتصاد المصري الذي تحول إلى اقتصاد ضعيف مقارنة باقتصادات دول مثل الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا.