طرق الصحفي الإنقلابي إبراهيم عيسى فوق طبلة الانقلاب طرقة طويلة المدى، عندما توشح بدثار الديكتاتورية والإجرام وقال "لو أن الانتخابات والديمقراطية هتجيب لينا أعداء الديمقراطية تبقى وحشة، وتسليم بلادنا إليهم جريمة أقف ضدها وأضحي في سبيل منعها"، معبرا عن فكر إقصائي مستبد، ما يدل على أن عيسى تربى على حجر المؤسسة العسكرية وتبنى وهو العلماني المستنير أفكار ديكتاتور دموي يدعى السفاح السيسي.
استفاد المصريون من انقلاب 30 يونيو 2013 رغم دمويته استفادة لم تكن تخطر على بال أحد، عندما فتح العيون على حقائق ادعاء ما يسمى بـ"النخب السياسية والفكرية" تمسكهم بالديمقراطية، تلك المواقف التي كانت بعيدة عن متناول عامة الناس البسطاء، ولكن حدوث مثل هذا الانقلاب العسكري مكّن الجميع من كشف مواقف الديكتاتوريين الصغار أمثال إبراهيم عيسى وغيره.
مواقف مفضوحة
فرصة تاريخية تلك التي أحدثها الانقلاب بمصر، عندما كشف عراء المتدثرين بشعارات الحرية والكرامة والديمقراطية والإرادة الشعبية، وهم لا كرامة لهم ولا مبدأ غير حب المال والسلطة والنفوذ، حتى وإن أدى ذلك لبيع أنفسهم للشيطان والتحالف مع أعداء الأمة من الصهاينة العرب وغير العرب .
وبدأ اهتمام السفاح السيسي ببناء "ذراع إعلامية للعسكر" حين كان وزيرا للدفاع، حيث أُطلقت حينها حملة إعلامية مركزة ضد الرئيس الشهيد محمد مرسي، مهدت الطريق أمام الانقلاب عليه بعد سنة من استلام مهامه رئيسا لمصر، وبعد أشهر من اختياره السفاح السيسي وزيرا للدفاع.
وساير الإعلام حركة الانقلاب بالترويج وحشد الدعم للمظاهرات المخابراتية المدبرة والتي أُطلق عليها "ثورة 30 يونيو"، ولم يكتفِ الإعلام بمواكبة خطوات السفاح السيسي بالدعم، وإنما عمل على التحريض على قتل المعتصمين في ميدان رابعة العدوية المطالبين بعودة الرئيس الشهيد مرسي، وساند قوات الأمن وهي تقتحم الميدان بالدبابات وتطلق الرصاص على المتظاهرين.
وانكشف المستور عن أمثال إبراهيم عيسى، وأفرز هذا الانقلاب الغادر التيارات الوطنية الحقيقية والتيارات الانتهازية، التي تبحث لها عن مكان في ثورة لم تدعمها ولم تشارك فيها، ولم تكتفِ بذلك، وإنما وقفت فوق جماجم المصريين وأشلائهم تنتظر الفائز بالانقلاب لكي تؤيده وتبارك له النصر.
وقد دشن العسكر عهدهم بتنفيذ أوامر الغرب وكيان العدو الصهيوني وديكتاتوريات الخليج العربي، في التصدي لإرادة الجماهير بالتدخل في تونس لإبعاد زين العابدين بن علي عن السلطة ثم في مصر أولا لإزالة المخلوع مبارك في العام نفسه لحماية الدولة العميقة التي ترعى مصالح الغرب ومصالح الاحتلال القديم.
وبعد عام من الحكم المدني تدخل الجيش لإسقاط الرئيس المدني المنتخب الشهيد محمد مرسي، وهكذا عاد في مصر والعالم العربي عموما مجددا إلى ما كان يعاني منه في مرحلة الانقلابات العسكرية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي.
الصراع مع الغرب
وباتت أوضاع الدول العربية وفي قلبها مصر تعتصر شعوبها ألما لغياب الحريات والحكم الدستوري وانتهاك حقوق الإنسان، هذه الملامح العامة لما يجري في العالم العربي تؤكد إصرار قوى الثورة المضادة في الخارج وأيديهم في الداخل على إبقاء الاستبداد ومنع التحول الديمقراطي في مصر والمنطقة العربية وترويج التطبيع مع الصهاينة، واستهداف الحركات الإسلامية المبدئية التي تسعى لإقامة مشروع سياسي عصري من منطلق إسلامي.
وبهذا يتضح حجم التآمر على الأمة باقتلاع ما بقي من إنجازات محدودة، حققتها ثورات الربيع العربي بدماء شهدائها وتضحيات شباب الأمة؛ فبعد عشرة أعوام على الربيع العربي، أصبح الوضع أسوأ مما كان عليه قبل ذلك، هذه المرة أصبحت الجماهير العربية في مواجهة متواصلة مع تحالف شرير اسمه تحالف قوى الثورة المضادة، وهي مواجهة محتومة وشاقة، ولكن نتائجها الإيجابية لصالح الشعوب ستتحقق ولو بعد حين.
ورغم الانتكاسات التي أحدثتها الانقلابات في مصر وتونس والسودان وحاليا ليبيا، يرى مراقبون أن مصير الثورات العربية لا يتحدد في سنة أو سنتين، بل إن المسار الثوري لتحقيق أهدافه يحتاج لسنوات طويلة من الصراع بين النظام القديم مدعوما من الغرب الذي كان يحتل المنطقة العربية، وبين الإرادة الشعبية والحراك الجماهيري، لأنه من المسلمات أن الطبقة الأقلية الخادمة للمصالح الغربية التي تحكمت في مقدرات هذه البلدان وخيراتها لا يمكن أن تستسلم بسهولة.
وعلى الشعوب العربية أن تفهم هذه الحقائق وتستوعبها، ولابد أن تتحلى بالصبر واليقظة والتحفز، وخاصة بالسلوك الرصين و العقلاني حتى لا تفقد البوصلة، وسط جسامة التحديات وقدرة الخصوم على المناورة والالتفاف، باستعمال أبشع وسائل الخبث والمكر، فثورات الربيع العربي مفتوحة على كل السيناريوهات، بما في ذلك انفجار البركان الشعبي مرة أخرى.
قد تحول الرئيس الشهيد "محمد مرسي" الذي جاء من رحم الإسلاميين، المنتخب شعبيا والمغدور به عسكريا إلى بطل قومي تهتف باسمه الجموع من الرباط إلى جاكرتا، مرورا بتونس قلب الثورات العربية، وأعطى له هذا الانقلاب الجبان شعبية عالمية لم تكن تخطر لأمثال إبراهيم عيسى على البال، ولا على بال من خطط ومول ونفذ الانقلاب وصدق من قال قديما "رُبَّ ضارةٍ نافعةٌ ورُبَّ محنةٍ فيها منحةٌ" .