منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021م الذي نفذه الجنرال عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، ضد المكون المدني في الحكومة الانتقالية والإطاحة برئيسها الدكتور عبدالله حمدوك قبل إعادته من جديد بضغوط أمريكية وأوروبية وفق اتفاق 21 نوفمبر 2021م بين العسكر والمدنيين. مثلت الاستقالة التي تقدم بها حمدوك مؤخرا خطوة تسببت في ارتباك واسع بالمشهد السوداني؛ وسط مخاوف مصرية وإقليمية من انفجار الأوضاع وخروجها عن السيطرة في ظل توتر الأوضاع في الجارة إثيوبيا.
الأزمة في السودان مشتعلة منذ انقلاب البرهان، الذي حظي خلاله بدعم واسع من القاهرة؛ ولم تنطفئ نيران الانقلاب بعودة حمدوك؛ ذلك أن القوى المدنية التي كانت تؤيده رفضت دعمه هذه المرة ورأت في قبوله العودة للمشهد السياسي فل ظل هيمنة الجيش هو بحد ذاته تعزيزا لنفوذ المؤسسة العسكرية وإقرارا لها بالسيطرة على المشهد برمته في الوقت الراهن وتعزيز قدرتها على تصميم نظام سياسي يبقي على نفوذها السياسية والأقتصادية في البلاد.
وخوفا من خروج المشهد عن السيطرة، أرسلت القاهرة مسئولا بجهاز المخابرات العامة إلى العاصمة السودانية الخرطوم قبل الإعلان عن استقالة حمدوك، حيث التقى بالبرهان ومحمد حمدان دقلو، نائب البرهان، كما التقى حمدوك. حيث حمل عدة رسائل طرح خلالها اسمى شخصيتين لتولي رئاسة الحكومة خلفا لحمدوك، هما السفبر عمر دهب، والأكاديمي هنود قدوف، وذلك بهدف تهدئة المرحلة المقبلة وعدم تحول السودان إلى كرة لهب تضرب المنطقة كلها، والحيلولة ــ وفق تصورات القاهرة ــ دون تفجر الأوضاع هناك وانزلاقها نحو مزيد من التوتر".
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "العربي الجديد" اللندنية، فإن لجنة مصرية رفيعة المستوى بحثت خلال الفترة القليلة الماضية الوضع في السودان، وأعدت سيناريوهات متعددة لجميع الاحتمالات في ظل تواصل التظاهرات في الشارع السوداني وتوتر المشهد هناك". وتحظى التصورات المصرية بدعم سعودي بهذا الشأن.
وتتفق القاهرة والرياض على أنه حال تم التوافق على بديل حمدوك فإن الرياض سوف تدعم حكومته بالمساهمة في توفير حزمة مساعدات اقتصادية، بالإضافة لتسهيلات مصرية للسودانيين، لتهدئة الوضع الملتهب في الشارع السوداني، وتهيئة الأجواء لمرحلة مفاوضات سياسية جديدة لا تتم تحت وطأة التظاهرات الشعبية".
وبينما تذهب تسريبات إلى أن القاهرة حاولت إثناء حمدوك عن الاستقالة والعمل على تعزيز موقفه أمام المعارضة بعدة قرارات من مجلس السيادة، إلا أن تقديرات أخرى تؤكد أن القاهرة لم تنزعج مطلقا من استقالة حمدوك، بل على العكس فإن القاهرة تبارك هذه الخطوة، بشرط ألا تخرج الأمور عن السيطرة مع ضرورة البحث عن بديل مدني مناسب يحظى بمباركة المجتمع الدولي والجيش السوداني ويحظى بقبول "نسبي" من القوى السودانية. وفسرت ذلك لأن حمدوك لم يكن يحظى بأي دعم مصري على الإطلاق حيث تفضل القاهرة نسج علاقاتها مع المؤسسة العسكرية السودانية وتعزيز موقفها حتى تكون المهمين بشكل كلي ومطلق على صناعة القرار في الخرطوم.
ومن العوامل التي تدفع القاهرة نحو مباركة استقالة حمدوك هي علاقاته الدولية التي تطورت بشكل ملحوظ خلال فترة رئاسته للحكومة السودانية بأطراف دولية مهمة، على رأسها واشنطن وتل أبيب، وهي علاقات لا يمكن السيطرة عليها، من وجهة نظر السيسي وأجهزته المخابراتية. وتجلى دعم واشنطن لحمدوك، من خلال تأكيد وزارة الخارجية الأميركية، في بيان صدر في يونيو 2021، دعم واشنطن لحمدوك وحكومته. كما أجرى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن اتصالا بحمدوك، ونقاشا "التقدم الذي تم إحرازه في إحلال السلام وتطبيق الإصلاح السياسي والأمن الاقتصادي"، بالإضافة إلى "الاستقرار الإقليمي وتطبيق اتفاقات السلام التي أبرمها السودان والتزامه بتطبيع العلاقات مع إسرائيل".
كما كان لمواقف حمدوك من أزمة سد النهضة تأثير كبير على موقف القاهرة منه؛ فقد كانت تصريحات حمدوك متهادنة مع إثيوبيا وتعلن أن لسد النهضة فوائد كبيرة للسودان وهو خطاب يتناقض كليا مع الخطاب المصري الذي يرى في السد خطرا يهدد الأمن القومي لدولتي المصب. علاوة على ذلك فإن من النقاط الحساسة التي جعلت حمدوك شخصا غير مرغوب فيه لدى القاهرة، أنه جاء إلى الحكم معبّراً عن حالة ثورية كانت تطالب بحكم مدني ديمقراطي للبلاد، وهو ما يخالف توجهات النظام العسكري في مصر، الذي يدعم ــ على طول الخط ـ كل حكم استبدادي يدعم المشروع الصهيوني في المنطقة.
وتنظر القاهرة إلى استقالة حمدوك من زاويتين، الأولى أنها ستخفف الضغط على البرهان والمكون العسكري في الحكومة السودانية، من ناحية الانفراد بالسلطة داخل البلاد، وبالتالي فإن القاهرة سوف تتعامل مع جبهة واحدة في الحكم. أما الزاوية الأخرى، فهي أن الاستقالة سوف تزيد الضغط على البرهان، من ناحية الفراغ الدستوري الذي ستخلفه من جهة، وضغط الشارع السوداني والمواقف الدولية من جهة أخرى. وبالتالي فإن هذا الوضع المرتبك سيجعل القاهرة في حالة قلق على الرغم من ارتياحها لاستقالة حمدوك، حتى الوصول إلى حل للأزمة يحقق تطلعات النظام المصري للوضع في السودان".
ورغم الارتياح المصري لاستقالة حمدوك إلا أنها تركت فراغا سياسيا وقانونيا تخشى القاهرة من أن يتسبب في حالة من التوتر وسط مخاوف من أن تصل حد الاشتعال والانفجار. وتخشى القاهرة وحلفاؤها في الرياض وأبو ظبي من حدوث سيناريوهات مفاجئة لا سيما داخل المؤسسة العسكرية؛ ولذلك تأتي التحركات المصرية بهدف قطع الطريق على أي محاولات انقلابية جديدة من داخل المؤسسة العسكرية السودانية، يكون ولاؤها لأجندات تختلف مع المصالح المصرية ومصالح حلفائها.