هل يمنع النظام القمعي الذي صممه السيسي اندلاع الثورة من جديد؟

- ‎فيتقارير

هناك توقعات وتنبؤات كثيرة ترى أن مصر مرشحة من جديد لاندلاع موجة ثورية أخرى بعد موجة 25 يناير 2011م؛  لكن هذه الثورة المرتقبة ستكون أكثر شمولا وستضم كافة فئات المجتمع التي تضررت ولا تزال تتضرر من سياسات نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي لا سيما في الملف الاقتصادي حيث زادت معدلات الفقر إلى مستويات مرعبة بعيدا عن الأرقام الرسمية الملعوب فيها بفعل تدخلات الأجهزة الأمنية، وإصرار السيسي على فرض المزيد من الرسوم والضرائب الباهظة لدرجة أن نسبة الضرائب تصل إلى 80% من إيرادات الدولة وفقا لتصريحات وزير المالية. كما يصر السيسي على التوسع في سياسات الاستدانة حتى ارتفعت ديون مصر من 1.7 تريليون جنيه في يونيو 2013م، إلى نحو 7 تريليونات جنيه حاليا.

هذه التنبؤات تحذر من أن  الموجة الثورية المقبلة قد تكون أشد عنفا من الموجة الأولى كرد فعل على البطش الأمني الذي بلغ منتهاه في أعقاب انقلاب 3 يوليو 2013م؛ استنادا إلى القاعدة الشهيرة «لكل فعل رد فعل  مساوٍ له في المقدار ومضادٍ له في الاتجاه»، أو تكون في صورة ثورة جياع استنادا إلى تزايد معدلات الفقر وارتفاع معدلات الجريمة في ظل التدهور الحاد في مستويات المعيشة.  لكن هناك من يتوقعون تدخلا من بعض مؤسسات الدولة لمنع تفاقم الأمور وقطع الطريق على اندلاع ثورة جياع قد لا يتم احتواؤها.

نظام السيسي يدرك هذه السيناريوهات جيدا؛ ولذلك فقد سعى السيسي منذ انقلابه إلى تصميم نظام قمعي بالغ البطش والعنف من أجل الحيلولة دون اندلاع ثورة جديدة.  ولعل هذا يفسر أسباب التشويه المستمر من جانب السيسي لثورة يناير رغم أن ديباجة دستوره تؤكد أنها ثورة الشعب لكنه يراها سببا لتردي الأوضاع في البلاد ويجعل منها شماعة من شماعاته لتعليق فشله عليها. ومن المؤكد أن الأجهزة الأمنية حللت بدقة أسباب اندلاع ثورة 25 يناير والأسباب التي أدت إليها من زاوية أمنية بحتة، وراحت تضع الآليات والأدوات والتشريعات التي من شأنها أن تحول دون اندلاع موجة ثورية جديدة. ولذلك يبدو الطاغية السيسي واثقا عندما يصرح باستمرار أنه لن يسمح بتكرار ما جرى في 2011م. لأن النظام فعليا اتخذ ولا يزال يتخذ إجراءات يرى أنها ستحول دون اندلاع ثورة جديدة.

أولا، يعتقد النظام أن  مسحة الحريات التي بدأت مع بداية الألفية الثانية  من خلال  ظهور شبكة الجزيرة الإخبارية سنة 1999م، ثم فضائيات خاصة وصحف جديدة مثل المصري اليوم والشروق وغيرها كانت تتمتع بسقف حريات واسع عن الصحف والتلفزيون الحكومي، وكذلك السماوات المفتوحة وظهور مواقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك وتويتر ويوتيوب" وغيرها كانت سببا مباشرة من أسباب اندلاع ثورة يناير، لذلك اتخذ نظام السيسي تدابير وسن حزمة تشريعات استهدفت تأميم الفضاء الإعلامي، فأجبر رجال الأعمال على بيع فضائياتهم وصحفهم لأجهزة الدولة "المخابرات" وشن حملة دعاية سوداء بحق شبكة الجزيرة، كما سن تشريعات للحد من الحريات على مواقع التواصل الاجتماعي. واليوم تهيمن الأجهزة الأمنية على جميع الصحف والفضائيات داخل مصر دون استثناء. وقام بحجب جميع المواقع التي لم تقبل وصاية الأجهزة الأمنية وبلغت أكثر من "500" موقع إخباري.

ثانيا، مارس النظام أبشع حملات القمع والوحشية بحق التنظيمات والحركات والأحزاب الشعبية المدنية التي شاركت في ثورة يناير أو تلك التي لم تقبل بالوصاية العسكرية؛ وعلى رأسها الإخوان المسلمون كبرى الحركات الشعبية المدنية في مصر والتي فازت بثقة الشعب في جميع الاستحقاقات النزيهة بعد ثورة يناير، فحل البرلمان المنتخب بعد 6 شهور فقط بقرار من القضاء المسيس، وانقلب على الرئيس المنتخب بعد سنة واحدة فقط. وجمد العمل بالدستور الذي وافق عليه الشعب بعد 6 شهور فقط. واعتقل الرئيس وقادة الحكومة المنتخبة وزج بعشرات الآلاف في السجون بتهم سياسية ملفقة وارتكب عشرات المذابح وسفك دماء الآلاف. كما ترصد لمجموعات الآلتراس (أهلاوي. ووايت نايتس) واعتقل المئات من عناصرها وأجبرها على حل روابطها، كما استهدف الحركات الشبابية مثل 6 إبريل وغيرها واعتقل قادتها وعدها حركات إرهابية. كما مارس نظام 30 يونيو القمع بكل صورة وأشكاله الوحشية وسن قانون منع التظاهر وفرض حالة الطوارئ وسن قوانين الإرهاب وأخصى جميع الأحزاب السياسية دون استثناء.

ثالثا، استخدم النظام سياسة الصدمة والقمع المفرط لتخويف الشعب من أي ثورة قادمة، ولعل الوحشية المفرطة التي تعامل بها النظام مع اعتصام رابعة والنهضة وغيرها  خير مثال على ذلك، كما أن النظام لا يزال يمارس عمليات القتل  خارج إطار القانون باغتيال مئات الشباب  بذريعة تبادل إطلاق النار رغم أن الغالبية الساحقة من هؤلاء تم توثيق اعتقالهم قبل مقتلهم على يد عصابات النظام. وفي سبيل ذلك  مرر النظام قوانين منع التظاهر  والإرهاب  وتنظيم الإعلام والجرائم الإلكترونية وجعل من الحبس الاحتياطي في حد ذاته عقوبة توسع في استخدامها ضد عشرات الآلاف من النشطاء ويمارس قمعا وحشيا يستهدف زرع الخوف التي تلاشي بعد ثورة 25 يناير. كما تم قمع جميع أشكال الاحتجاج ضد سياساته وقراراته العشوائية في الملفين السياسي والاقتصادي؛ فقد قمع المتظاهرين ضد التفريط في جزيرتي "تيران وصنافير"  في 2016م، وقمع المتظاهرين ضد رفع سعر تذكرة المترو، ومن تظاهروا بسبب الخبز في مارس 2017م، وأخيرا من تظاهروا في سبتمبر 2019  وانتفاضة الجلاليب2020م؛  حيث اعتقل أكثر من 10 آلاف شاب  وفتاة. في رسالة لا تخفى دلالتها أنه لن يسمح مطلقا بأي شكل من أشكل التظاهر  أو الاحتجاج.

رابعا، شدد الطاغية السيسي من قبضته على مفاصل مؤسسات القوة داخل الدولة وعلى رأسها الجيش حيث أطاح بكل من يمثل تهديدا لحكمه وضمان بقائه واستمراره، كما أطاح بكل القيادات الرفيعة بجهاز المخابرات العامة وعين على رأسه مدير مكتبه اللواء عباس كامل ونجله محمود السيسي، بخلاف قبضته المبسوطة أصلا على جهاز المخابرات الحربية والأمن الوطني. وباقي جهاز الشرطة. كما عمَّق السيسي من شبكه مصالحه مع مصالح الجيش، وربط نظامه بالمؤسسة العسكرية حتى يكون الإطاحة به إطاحة بالمؤسسة العسكرية وتحديا لنفوذها الواسع سياسيا واقتصاديا، وبذلك يضمن بقاءه على رأس السلطة.

خامسا، أمام فقدان النظام للشرعية وتآكل شعبيته خصوصا بعد الإجراءات الاقتصادية المؤلمة في نوفمبر 2016م، سعى لاكتساب شرعية الخارج دون اكتراث للرفض الشعبي العارم لنظامه، فيقوم السيسي بأدوار وظيفية إقليمية من شأنها أن تجعل له أهمية كبرى للقوى الدولية والإقليمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني والسعودية والإمارات. وهو ما يتمثل في ضمان المصالح الأمريكية حيث تم التوقيع على اتفاقية "CIS MOA" التي تجعل الجيش المصري وحدة تابعة للجيش الأمريكي وقت الحروب وهي الاتفاقية التي رفض مبارك والمجلس العسكري التوقيع عليها لعقود طويلة لما بها من تهديد للأمن القومي للبلاد. وحماية مصالح الكيان الصهيوني على حساب مصالح مصر وشعبها كما جرى في صفقة الغاز مع الكيان الصهيوني والاتفاقيات المجحفة بثروات مصر من الغاز شرق المتوسط مع كل من اليونان وقبرص والتنازل لإسرائيل عن حقل ليفاثيان الذي يقع ضمن المياه الاقتصادية المصرية. كذلك صفقات السلاح التي تقدر بالمليارات  من روسيا وفرنسا والمانيا والولايات المتحدة الأمريكية. والصفقات الاقتصادية المشبوهة مع شركات الطاقة العالمية مثل بريتش بترليم البريطانية وسيمنز الألمانية، وإيني الإيطالية.

سادسا، يحرص النظام على نقل جميع مؤسسات الدولة إلى العاصمة الإدارية الجديدة التي أهدر السيسي عليها مئات المليارات من أجل أن تكون حصنا له ولنظامه وأجهزته وحكومته؛ وهو ما يمثل انعكاسا لخوف النظام من اندلاع ثورة شعبية مفاجئة، وتؤكد تقارير إعلامية دولية أن العاصمة الإدارية الجديدة ما هي إلا حصن للسيسي خوفا من غضب الشعب المقهور والمغدور به.

ويرى الباحث «تيموثي كالداس» في ورقة بحثية نشرها معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط في ديسمبر 2019 أنَّ تصلب نظام السيسي الظاهر يخفي في جوهره هشاشة ستكون سببا في سقوط النظام في مصر بصورة فوضوية للغاية. وتحت عنوان «استبداد السيسي الهش.. لماذا سيكون انهيار النظام في مصر فوضويا للغاية؟» يحذر "كالداس"  من رهان الدول الغربية على الاستقرار الظاهر لنظام السيسي الذي كرسه بوسائل وحشية.  ويقر أن قبضة السيسي على السلطة في هذا الوقت قوية للغاية، لكن الطريقة التي عزز بها هذه السلطة تجعلها أيضا هشة للغاية وحساسة للصدمات غير المتوقعة. وبعد استعراض تركيز السلطات في يد السيسي بعد العصف باستقلال القضاء وتشكيل مجلس تشريعي صوري وتأميم الفضاء الإعلامي وخنق منظمات المجتمع المدني، واحتكار الجيش للنشاط الاقتصادي وسحق أي أمل في التداول السلمي للسلطة بعد إقرار التعديلات الدستورية التي جرت في إبريل 2019م، فإن السيسي ساهم بنشاط بالغ في تفكيك مؤسسات الدولة وتقويض استقلاليتها  ما أسهم في زيادة هشاشة الدولة بشكل عام.

ويؤكد "كالداس" أن النظام رغم تمكنه من إخماد الاحتجاجات خلال السنوات، فإن الأمر مسألة وقت حتى تندلع شرارة أخرى و جولة أكبر من الاحتجاجات التي لن يتمكن النظام من إخمادها بسهولة. لكن الأكثر خطورة على مستقبل مصر ــ  وفقا لكالداس ــ  هو عدم وجود آلية للانتقال السلمي للسلطة، إضافة إلى عدم وجود مساحة لإعداد قيادات بديلة موثوقة؛ وبذلك فإن الخوف من انتقال السلطة رغم حتميته أجبر السيسي على اتخاذ إجراءات من شأنها أن تجعل أي عملية انتقال للسلطة في مصر فوضوية للغاية، وينتهى "كالداس" إلى أن نصل السيسي الحاد الصلب ربما يكون قد أطاح بخصومه وركز السلطة في يديه، لكنه عندما يواجه تحديا أكثر صعوبة فقد لا يتراجع ولكنه ربما ينهار تماما؛ فالمخاطر المرتبطة بهشاشة النظام المصري كبيرة للغاية ولا يمكن التنبؤ بها على حد سواء.