إفلاس البنوك ليس نكتة أو مجرد كلمة طرحها البعض للتسلية أو لإثارة مخاوف المودعين على أموالهم، بل هي حقيقة أكدها البنك المركزي المصري بنفسه، حيث أعلن عن منح سيولة طارئة للبنوك العاملة في مصر، بزعم دعمها لمواجهة أي أزمات متعلقة بالسيولة على المدى القصير .
كما أكد هذه الحقيقة تعثر حكومة الانقلاب في الحصول على قروض جديدة، إلى جانب تأجيل طرح الدين المحلي المصري في بورصة "يوروكلير".
كانت مواقع التواصل الاجتماعي قد تداولت خلال الساعات الماضية، منشورات كثيرة انتشرت على صفحات السوشيال ميديا تحتوي على معلومات تؤكد أن البنوك المصرية على وشك الإفلاس، وهذه المنشورات تسببت في فزع العديد من المواطنين الذين يملكون حسابات في البنوك.
وتساءلت المنشورات، ممكن إجابة واضحة، هل فعلا البنوك على وشك الإفلاس بسبب عدم وجود سيولة ، وأن فلوس المودعين هتروح عليهم مثل ما حصل في لبنان؟
بينما نصح منشور أخر المودعين بسحب فلوسهم بسرعة من البنوك قبل فوات الآون، محذرا من أن الفلوس تسرق من البنوك في مصر .
ثروات الشعب
حول حقيقة هذه الأزمة كشف علاء السيد خبير اقتصادي عن تفاقم أزمة السيولة لدى حكومة الانقلاب، مؤكدا أنها تعثرت في الحصول على قروض جديدة من الدائنين الأجانب، إلى جانب تأجيل طرح الدين المحلي المصري في بورصة "يوروكلير".
وأكد السيد في تصريحات صحفية، أن أزمة السيولة والفشل في الحصول على قروض، سيدفع حكومة الانقلاب على الأرجح إلى مزيد من الضغط على الشعب المصري من خلال فرض ضرائب ورسوم جديدة متوقعة، وزيادات في أسعار الطاقة والخدمات، والمزيد من تآكل ما تبقى من الدعم الذي يقدم للطبقات الأكثر احتياجا .
وتوقع أن تجد حكومة الانقلاب نفسها مضطرة لتعويم جديد للجنيه المصري؛ خلال النصف الأول من العام 2022 ما يؤدي إلى سرقة ثروات الشعب كما حدث في التعويم الأول في نوفمبر 2016، ومزيد من التضخم، وارتفاع متوقع لأسعار كافة مجموعات السلع.
ربع دولار مخروم
وقال محمد نصر الحويطي محلل اقتصادي إن "أزمة السيولة حقيقة لا يمكن إنكارها ، مشيرا إلى أن حكومة الانقلاب يجب أن تعترف بحقيقة خروج أموال أجنبية كثيرة من مصر، خاصة مع رفع أسعار الفائدة خارجيا، وهو ما تسبب في هذه الأزمة التي لم يكن يتوقعها قائد الانقلاب الدموي عبدالفتاح السيسي".
وأشار الحويطي عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إلى أن أزمة السيولة ترجع إلى الفشل الواضح الذي تعاني منه أسواق المال في مصر، وعجز حكومة الانقلاب عن جذب ربع دولار مخروم للسوق المصرية.
سيولة طارئة
وأكد الدكتور رمزي الجرم، خبير اقتصادي، أن إعلان البنك المركزي المصري عن شروط منح سيولة طارئة للبنوك العاملة في مصر، جاء من أجل دعمها لمواجهة أي أزمات متعلقة بالسيولة على المدى القصير، اتساقا مع أحكام قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020.
وكشف الجرم في تصريحات صحفية أن الشروط التي وضعها المركزي من أجل منح السيولة، تتضمن أن يكون منح السيولة الطارئة قاصرا على البنوك ذات الملاءة المالية، ومقابل ضمانات كافية، على أن يكون سعر العائد المطبق أعلى من أسعار الإقراض بحد أدنى 5% وفقا لما يقرره مجلس إدارة البنك المركزي ، وأن يكون هذا التمويل قصير الأجل، ويحظر تمويل هذا القدر من السيولة الممنوحة، لتوزيعات الأرباح أو إعادة شراء الأسهم أو لصرف مكافآت لأعضاء مجلس الإدارة أو العاملين أو حتى لتمويل الأطراف المرتبطة بالبنك الذي يحصل على هذه السيولة.
وقال إن "منح سيولة طارئة وفقا لهذا الإعلان الأخير، يختلف عما يقوم به البنك المركزي من خلال أدوات السوق المفتوحة حال دخوله كمشتري للأسهم من أجل ضخ المزيد من السيولة في الأسواق، للسيطرة على أي شكل من أشكال الركود، كما يختلف عن الأدوات الأخرى التي يقوم بها من خلال التسهيلات الممنوحة منه للبنوك لليلة واحدة من أجل الحفاظ على نُظم الدفع المختلفة.
ولفت الجرم إلى أنه إذا كانت ودائع الجهاز المصرفي قد تجاوزت حاجز الـ6 تريليون جنيه، وبما يقترب من قيمة الناتج المحلي الإجمالي لمصر، في ظل توظيف نحو 55% فقط من قيمة الودائع الموجودة طرف الجهاز المصرفي، فلماذا يضخ البنك المركزي المزيد من السيولة في الأسواق؟
وتوقع أن يكون القرار ليس من أجل مواجهة أزمة سيولة حالية؛ وإنما إجراء وقائي تحفظي تجاه أي تطورات قد تحدث مستقبلا من أجل حماية الجهاز المصرفي، خصوصا في ظل استمرار أمد أزمة جائحة فيروس كورونا وتداعياتها السلبية على الاقتصاد.
وأشار الجرم إلى أن البنك المركزي لجأ إلى تحديد سعر عائد مدين مرتفع نسبيا، من أجل أن يكون أقدام البنوك على ذلك، من مُنطلق حالة الضرورة القصوى فقط، كما يهدف ارتفاع معدل العائد على السيولة الطارئة، إلى تحفيز البنوك على الالتزام بقواعد إدارة استثماراتها في الودائع طويلة وقصيرة الأجل، وعدم وجود أي شكل من أشكال تركز الائتمان في قطاعات مُحددة، مما قد بعرضها لمخاطر نقص السيولة حال قيام العملاء بعمليات سحب فجائية.