السيسي بئر الخيانة.. يمهد لغزو لبيبا بدلا من استثمار حرب أوكرانيا لحل أزمة سد النهضة

- ‎فيتقارير

في خلل إستراتيجي وغفلة عن مقتضيات الأمن القومي المصري، مهد إعلام العسكر لتحرك مصري عسكري ما، استبشر الوطنيون بأنه قد يكون ضد سد النهضة الذي يحرم مصر من حصتها المائية ويتسبب في جفاف أراضي المصريين وعطشهم  بعد أن أصرت إثيوبيا على ملء أول وثان للسد وبدء توليد الكهرباء بلا تنسيق  مع مصر أو توقيع اتفاق ملزم، حيث قال الذراع الإعلامي المقرب من السيسي عمرو أديب في حلقات برنامجه الحكاية: "اللي عاوز يعمل حاجة يعملها لأن دا أفضل وقت، حيث إن العالم مشغول بالأزمة الأوكرانية الروسية" وهو ما قرأه كثيرون بأنه قد يكون تمهيدا لضربة عسكرية ضد سد النهضة، لردع إثيوبيا عن سياساتها وتهميشها مصر بالمخالفة للقوانين الدولية، ولكن الحول السياسي والعسكري الذي يتمتع به نظام السيسي ، كشف عنه الإعلامي الانقلابي عمرو أديب ، مفسرا ما قاله بأن ليبيا بالنسبة لمصر مثل أوكرانيا  بالنسبة لروسيا، ملمحا لغزو مصري لليبيا.

تصريحات أديب أثارت غضب الليبيين، وقامت الخارجية الليبية باستدعاء القائم بالأعمال المصري بليبيا، وأبلغته احتجاجها، فيما طالبت دوائر سياسية ليبية بقطع العلاقات مع مصر، احتراما للسيادة الليبية.

 

ردود فعل غاضبة 

وأثارت تصريحات "أديب" ردود فعل غاضبة بين الليبيين، وهو الأمر الذي حاول أحمد حافظ المتحدث باسم الخارجية الانقلابية تلطيفه بالقول في تصريحات إعلامية إن "رأي الدولة المصرية يُعبر عنه  بالبيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة، مدعيا أن الإعلام المصري يتمتع بحرية كبيرة ولا يمكن السيطرة عليه".

وتناست خارجية الانقلاب أن كل وسائل الإعلام المصرية والفضائيات ممكلوكة وتابعة بشكل مباشر لأجهزة المخابرات المصرية، ولا تنطق بأي قضية إلا عبر رسالة "السامسونج" التي تقرها دائرة السيسي الضيقة التي يشرف عليها المقدم أحمد شعبان مسئول الإعلام برئاسة الانقلاب.

وكانت تصرفات النظام الانقلابي في مصر مكشوفة ومعبرة عن حجم التباعد والعدوانية مع الحكومة الليبية المعترف بها دوليا التي يقودها عبد الحميد الدبيبة، إذ رفض السيسي مقابلته وفتح أبواب مصر لفتحي باشاغا، بل دمرت الدبلوماسية المصرية جهودا تركية للتقريب بين الدبيبة وباشاغا، كما رفض السيسي مقابلة الرئيس الجزائري بالكويت، بعدما قابل تبون الدبيبة بقطر، خلال الأيام الماضية، وهدد السيسي بتدخل عسكري مباشر في ليبيا.

وتنطلق مصر تحت سلطة الاحتلال العسكري في موقفها المعادي لحكومة الدبيبة، خشية تمدد الديمقراطية والنظم السياسية الشرعية في دول جوارها ، سواء في ليبيا أو السودان ، حيث لا تريد مصر أن تستقر الأوضاع في ليبيا لحكومة ديمقراطية تقبل بوجود الإسلاميين أو التشارك معهم.

كما تشعر سلطة الانقلاب بالقلق أيضا بشأن تركيا، التي لعبت دورا رئيسيا في هزيمة قوات "حفتر" عام 2020. وبالرغم من التحسينات الكبيرة في العلاقات المصرية التركية، لا تزال السلطات الرسمية في القاهرة تشعر بالقلق بشأن أجندة أنقرة في شمال إفريقيا.

ووفق مراقبين دوليين، يمثل الوجود العسكري التركي المستمر في ليبيا تهديدا لمصالح الأمن القومي لمصر، حيث تدعم تركيا الديمقراطية في ليبيا وقد توفر قدرات هجومية لما يسمى بعملية بركان الغضب، وبدون الدعم التركي، ليست هناك طريقة يمكن لعملية البركان أن تتقدم بنجاح في الشرق.

ولا يزال، على دراية بإمكانية شن هجوم عسكري بدعم تركي للسيطرة على الأقل على الهلال النفطي في حوض سرت، وهذا ما دفعه لإعلان غرب سرت – الجفرة خطا أحمر سوف يؤدي انتهاكه إلى تدخل عسكري مصري.

وبقدر إدراكها أن ليبيا حيوية لمصالحها على المدى الطويل، تواجه القاهرة مخاوف جدية بشأن عملية السلام التي تدعمها الأمم المتحدة في ليبيا، والتي تؤدي إلى وضع يقوض الوجود المصري في البلاد.

وإثر سياسات التدخل التي يتبعها السيسي، تجد القاهرة مصالحها غير ممثلة بشكل كاف في نتائج الانتخابات، خاصة إذا كان هناك خطر ملموس من تشكيل حكومة مؤقتة جديدة ذات توجه إسلامي في الغرب، ومن غير المحتمل للغاية رؤية مصر تدعم حكومة يمكن أن يكون لها صلة بجماعة الإخوان المسلمين وتركيا، هذه مخاطرة لا يريد السيسي خوضها، ولا حتى من أجل إبرام اتفاق عام مع أنقرة، لأنه يعتبر التنظيم تهديدا للأمن القومي، وعلى الرغم من أن البلدين يعملان على إيجاد طريقة لإعادة إطلاق العلاقات الدبلوماسية والسياسية، إلا أن مصر تظل خائفة وقلقة بما فيه الكفاية بشأن اهتمام أنقرة بالتعاون العسكري وتصدير الأسلحة لليبيا.

وتعد أولوية القاهرة في ليبيا هي وجود جار مستقر لا يمثل أي تهديدات أمنية أو فكرية لحكومة السيسي، وبالرغم من أنه يبدو أن تركيا وروسيا قد رسخا أنفسهما في الصراع، حيث يعمل الجيش التركي ومجموعة "فاجنر" الروسية كقوى خارجية مهيمنة قادرة على تشكيل البنية الأمنية للدولة الواقعة في شمال إفريقيا، لا يمكن تجاهل طموحات السيسي.

ووفقا للدكتور "جوزيبي دينتيس" رئيس مكتب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مركز الدراسات الدولية "إذا كان الهدف الأساسي لمصر في ليبيا هو إضفاء الطابع الأمني ​​على حدودها الغربية والمساهمة في استقرار ليبيا على الطريقة المصرية، أي دعم حكومة عسكرية، فمن الواضح تماما كيف تمثل هذه الأزمة ساحة اختبار مهمة لطموحات السيسي الإقليمية وسمعته المحلية".

وفي هذا المنعطف، هناك احتمال حقيقي بأن العملية السياسية في ليبيا سوف تنهار، وأن البلاد ستنزلق مرة أخرى إلى صراع عسكري عنيف.

وفي 10 فبراير أعلن البرلمان الليبي في شرق ليبيا، المتحالف مع "حفتر"، وزير الداخلية في الإدارة السابقة "فتحي باشاغا" رئيسا جديدا للوزراء، ليحل محل رئيس الوزراء الحالي "عبدالحميد الدبيبة" الذي اختارته الأمم المتحدة العام الماضي.

 

مصر الوحيدة

وكانت مصر الدولة الأولى والوحيدة حتى الآن التي هنأت "باشاغا" بمنصبه، فيما انتظرت دول أخرى لترى ما يمكن أن تتفاوض عليه القوى الداخلية، وقد يؤدي رفض الدبيبة التنازل عن منصبه لرئيس الوزراء المعين من قبل برلمان الشرق، وهو نفس البرلمان الذي لعب دورا رئيسيا في دعم هجوم "حفتر" على طرابلس، وتأجيل انتخابات 24 ديسمبر إلى مواجهة سياسية أخرى، والتي قد تؤدي في حد ذاتها إلى استئناف العنف، وقد يهدد هذا العنف مصالح مصر التي لا تعد ولا تحصى في ليبيا.

وبحسب دراسة جورجيو كافييرو وإيميلي ميليكن – بدورية "إنترناشونال بوليسي دايجست"، يقودنا هذا التحول في الأحداث إلى دور الشراكة الناشئة بين القاهرة ومجموعة "فاجنر" في ليبيا، وهي قوة مرتزقة روسية غامضة مرتبطة بالحكومة الروسية، تشارك بآلاف المقاتلين الروس على الأرض في ليبيا، وتدرك مصر أهمية الدور الذي يمكن لهذه القوة لعبه من حيث الحد من القوة التركية ومكافحتها في ليبيا، بالرغم من أن مصر لن ترغب في رؤية وجود عسكري مستدام لروسيا داخل جارتها الأقرب في الغرب.

ويدرك المصريون أن مصر هي الشريك الأصغر داخل المثلث المصري الروسي الإماراتي، وهناك أيضا إدراك بأن القاهرة وموسكو وأبوظبي لا تشترك بالضرورة في جميع المصالح نفسها في ليبيا، وأن جداول أعمالها لا تتوافق دائما.

لكن بما أن الاحتمالات تتصاعد بشأن انزلاق ليبيا في صراع عنيف مرة أخرى، فمن الآمن افتراض أن حكومة السيسي لن يكون أمامها خيارا سوى اللجوء إلى روسيا والإمارات للحصول على الدعم فيما يتعلق بتأمين شرق ليبيا ومنع القوات المدعومة من تركيا وغيرها من الميليشيات الإسلامية أو الجهادية من أن تشكل تهديدا أكثر خطورة على الأمن القومي المصري والأجندة الأيديولوجية للقاهرة في العالم العربي الإسلامي الأوسع.

وعلى الرغم من خطورة الحالة التي يمثلها سد النهضة الأثيوبي على أمن مصر القومي، يجري تجاهله، فيما يجري التصعيد والتسخين على الساحة الليبية من باب المناكفات مع تركيا، على الرغم من المصالح الاقتصادية المتحققة مع حكومة الدبيبة التي وقعت اتفاقات اقتصادية مع مصر تقدر بنحو 20 مليار دولار، كمشاريع واستثمارات تنفذها مصر بليبيا، إلا أن الغباء السياسي للسيسي يدفع نحو خلق عداوات مع مصر، ومن ثم إخراجها من المعادلة الليبية التي ترعاها الأمم المتحدة، ومن ثم تتصاعد الخسائر المصرية في ليبيا وفي النيل وفي كافة الملفات.