مفارقة تاريخية.. تزامن قمة العار في “النقب” وقمة البطولة في “الخضيرة”

- ‎فيتقارير

انطلق مؤخرا تحالف إقليمي إستراتيجي، يقوده الكيان الصهيوني من العقبة، حيث تبدأ اجتماعات وصفتها تل أبيب بالتاريخية في منطقة النقب، اليوم الإثنين، ضم وزير خارجية الكيان الصهيوني وأمريكا والإمارات والبحرين والمغرب ومصر.

وأعلن وزير الخارجية الصهيوني يائير لابيد عن القمة، فيما قال إعلام عبري رسمي إن "الاجتماع يهدف إلى تشكيل تحالف إقليمي لمواجهة المخاطر".

وقال حساب "إسرائيل بالعربية" التابع لوزارة الخارجية في تويتر، إن "لابيد، سيستضيف نظراءه الأمريكي أنتوني بلينكن، والإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد، والبحريني عبداللطيف الزياني، والمغربي ناصر بوريطة، والمصري سامح شكري".

والدول العربية المشاركة في القمة، هي التي تبرم علاقات تطبيعية مع إسرائيل، غير أن الأردن لم يذكر في ترحيب "لابيد" وكان قد شارك الأردن في اجتماع قمة مصرية إماراتية أردنية بالعقبة قبل أيام، يبدو أنه لم يسفر عن تفاهمات لم تقنع الأردن بالمشاركة في التحالف الأسرائيلي الجديد لحساسية أوضاع الأردن التي تشرف على المقدسات الإسلامية بفلسطين.

"قمة العار بالنقب" التي تعقد اليوم وتعتبرها دولة الاحتلال تاريخية، سبقتها قمم مشابهة شاركت فيها، كالقمة في كازابلانكا عام 1994، وفي عمان 1995، وشرم الشيخ في 2005  لكن هذه المرة لا تذهب إسرائيل للعرب بل هم يأتون إليها، في وقت تتصاعد الاعتداءات على الفلسطينيين وتتفاقم عزلة السلطة الفلسطينية خاصة قي العالم العربي نفسه.

تأتي قمة التطبيع بعد ساعات من مصرع شرطيين صهيونيين على الأقل وإصابة آخرين بجروح في هجوم تبناه تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في مدينة الخضيرة بشمال الأراضي المحتلة، وفق ما أعلنت سلطات الاحتلال.

وصرح نائب قائد شرطة المنطقة دودو بواني للصحفيين بأن القتيلين عنصرا شرطة، موضحا أن المنفذين قُتلا برصاص قوات خاصة.

وقال تنظيم الدولة الإسلامية في بيان نشرته وكالة “أعماق” الدعائية التابعة له “قُتل عنصران من الشرطة اليهودية على الأقل وأصيب آخرون بجروح، بهجوم انغماسي مزدوج لمقاتلي الدولة الإسلامية”.

فيما استشهد اثنان من الفدائيين الذين نفذا العملية البطولية الجديدة التي أدانها حضور قمة التطبيع الجديدة في النقب فور وقوعها.

 

قبر "ابن جوريون"

وسيتم هذا اللقاء التطبيعي في فندق ملاصق لضريح دافيد بن غوريون، وهذا ليس صدفة، فإسرائيل بذلك تتطلع لتحقيق غاية رمزية وإغلاق الدائرة. فبعدما كانت متحالفة مع إيران حتى ثورة الخميني عام 1979 ضد العرب، ها هي الأوضاع تنقلب بالكامل اليوم. ليس فقط، فهذا الملتقى التطبيعي يأتي لتعزيز اتفاقات أبراهام وتوسيعها، وربما تشجيع المزيد من المطبعين للتورط في وحل التطبيع المتزامن مع تهويد الأرض الفلسطينية وقمع أصحابها. في مساعيها لاحتلال الوعي، اختارت حكومة الاحتلال موقع اللقاء التطبيعي، وهناك تسريبات إسرائيبية نقلها موقع “واينت” العبري اليوم، بأن هناك مداولات جارية لترتيب زيارة لوزراء الخارجية العرب لزيارة ضريح دافيد بن غوريون مؤسس الدولة الإسرائيلية على أنقاض الشعب الفلسطيني عام 1948.

ويأتي الاجتماع، بعد أيام من لقاء ثلاثي استضاف فيه  السيسي، كلا من الحاكم الفعلي للإمارات الشيخ "محمد بن زايد آل نهيان" ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت في أول لقاء ثلاثي لهم منذ تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل.

والدول الثلاث حلفاء وشركاء للولايات المتحدة وتعد جزءا من محور عربي إسرائيلي جديد، يهدف إلى موازنة النفوذ الإيراني، في وقت يشهد غموضا حول التزام واشنطن تجاه الأمن في المنطقة.

ومنذ سبتمبر 2020، توصلت إسرائيل إلى اتفاقات تاريخية لتطبيع العلاقات مع كل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، لتنضم هذه الدول الـ4 إلى مصر والأردن اللتين أبرمتا اتفاقات مماثلة سابقا، وسط استنكار شديد من قبل الأطراف الفلسطينية وخصوم إسرائيل بدول المنطقة.

التحالف الجديد وفق مراقبين، سيستبعد قضايا فلسطين وأمنها ومستقبل المزازييك المحتوم لأراضيها، ويركز على تفعيل اتفاقات إبراهام وتعميمها بالمنطقة العربية، عبر وساطة الدول المطبعة التي تقودها مصر والإمارات، سواء على مستوى ليبيا وتونس وباقي الدول العربية الأفريقية أو عبر الدور الإماراتي البحريني في إخراج التطبيع مع السعودية إلى دائرة الضوء، ونقلها من السرية إلى العلنية.

وكذلك دعم الموقف الصهيوني لوجستيا وأمنيا وماليا في مواجهة إيران، التي تسعى إسرائيل لجرجرة الدول العربية إلى عداوات متصاعدة معها، لا تخدم الأجندة العربية، في ظل التحلي الأمريكي عن المنطقة العربية والانسحاب العسكري المتدرج لأمريكا منها، فكما استبعدت قمة شرم الشيخ الأخيرة قضية فلسطين وحقوق شعبها وحصار غزة وتوسع الاستيطان وانتهاكات إسرائيل في القدس فإن تحالف النقب، أيضا سيستبعد هموم الفلسطينيين.

ولعل أكبر المستفيدين من ذلك التحالف هو الكيان الصهيوني، الذي نجح عبر الإمارات في حلحلة الموقف السوري بعيدا عن إيران بعض الشيء من خلال تطبيع علاقات  مع الأسد، وكذلك فإن إدخال دول عربية في منظومة العداءات الصهيونية لإيران يدعم الموقف الصهيوني، في ظل تقديرات إستراتيجية عن قرب إطلاق مواجهة موسعة أو محدودة من قبل تل أبيب ضد طهران، وهو ما قد يجر أزمات عسكرية وأمنية لتلك الدول دون جدوى.

بينما تستهدف مصر التي تدور في فلك بن زايد لتحصيل أموال ومساعدات اقتصادية ومالية إماراتية، في ظل أزمة السيسي الكبيرة بالداخل، وهو ما قد يكون أحد عوامل إضعاف الموقف المصري في مواجهة الإمارات في المنطقة وانصياعها لتوجهات محمد بن زايد بالمنطقة، وهو ما يقزم دور مصر وموقفها ودورها المتراجع بالمنطقة.

ويبقى المستفيد الأكبر هو الكيان الصهيوني، الذي بات غير مطالب من قبل الأطراف العربية حتى بإعلان احترام حقوق الفلسطينيين.

 

كامب ديفيد جديدة

ويأتي إعلان التحالف الجديد، في الذكرى 43 لاتفاقية كامب ديفيد، الموقعة  في 26 مارس 1979 والتي جرت نتائج كارثية على مصر وفلسطين والأمة العربية، كفرض قيود أمنية وعسكرية على سيناء لصالح الأمن القومي الإسرائيلي.

و فك وإعادة تركيب النظام المصري عقائديا وإستراتيجيا وسياسيا واقتصاديا وطبقيا على مقاس المصالح الأمريكية والنظام الرأسمالي العالمي.

وليكتمل إحكام القبضة والهيمنة الأمريكية على كل المنطقة، من احتلال العراق وتقسيم السودان وبذر قواعدها العسكرية…إلخ، بجانب حدوث انشقاق وطني حاد في المجتمع أدى إلى ضرب وتهديد الوحدة الوطنية بين الشعب والسلطة التي تصالحت مع عدو الأمة ومحتل أراضيها وقاتل شعوبها.

وأيضا توجيه ضربة قاسمة لروح الانتماء الوطني لدى الشعب المصري، بعد أن تم ضرب كل ثوابته الوطنية والعقائدية والتاريخية، وهو ما يتم تعميمه على جميع الدول العربية الآن عبر اتفاقية إبراهام وغيرها، لصالح إسرائيل ومصالحها.