مع تصاعد الأزمة الاقتصادية التي تسببت فيها إدارة عسكر الانقلاب الفاشلة لاقتصاد مصر وتوريط المصريين في ديون طويلة الأجل، قد تأخذ قرونا لسدادها من الأجيال القادمة، بات السيسي ونظامه العسكري أكثر اضطرابا وتأزما ، مع انصراف المانحين الدوليين عن إقراضه إلا بشروط مشددة وبمقابل، على عكس السنوات الماضية، والتي فاقم وراكم السيسي الديون الخارجية من مليار دولار في 201 حتى وصلت لنحو 138 مليار دولار في يوليو الماضي، بزيادة أكثر من 300% ، وعلى الرغم من تقديم دول خليجية قروضا مليارية للسيسي مؤخرا، لكن بطريقة مستحدثة، إذ اشترطت السعودية لتقديم ودائعها واستثمارانها في مصر، تعديلات قانونية بإعفاء تلك الأموال والاستصمارات من المصادرة وغيرها من إجراءات السيسي غير المأمونة، كما ركزت الإمارات مقابل منحها السيسي قروضا شراء الأصول الاقتصادية والشركات الرابحة في مصر والتي تعد من أسس رأسمالية الدولة المصرية كشركات الأسمدة والبنوك الرابحة.
وعلى الرغم من حصول مصر على نحو 20 ملياردولار من السعودية وقطر والإمارات والكويت، وبدء المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على 12 مليار دولار جديدة، إلا أن السيسي ما زال نهما لتحصيل الدولارات.
بيع الجنسية
وهو ما يفسره قرار حكومته الأخير بفتح مجال بيع الجنسية المصرية لمن يدفع 250 ألف دولار كوديعة بلا فوائد بأحد البنوك المصرية، للأجانب وهو ما يفتح الباب واسعا لزيادة أعداد المصريين وتجنيس الكثير ممن قد يخفون جنسياتهم وأهدافهم الحقيقية وراء التجنس بالمصرية، وهو نفس الخطر الذي كشفته دوائر اقتصادية دولية وإقليمية، حول تملك الإمارات لأصول مصرية، واصفين الإمارات بأنها مجرد غطاء فقط للإسرائيليين بالمنطقة ، أي أن أصول مصر الاقتصادية قد تؤول للإسرائيليين وهو نفس المآل الذي يحوط بتجنس إسرائيليين يحملون جنسيات أخرى بالمصرية، وهو ما يمثل قمة الخطر على الأمن القومي المصري، الذي يجلبه السيسي مقابل الدولارات.
وقد منحت مصر جنسيتها إلى 17 وافدا، بينهم فلسطيني، مقابل ودائع بنكية.
وبحسب ما أعلنت حكومة الانقلاب مؤخرا فقد قرر رئيس وزراء الانقلاب منح الجنسية المصرية لـ17 وافدا، هم 15 سوريا وفلسطينيا وبريطانيا؛ استنادا إلى قانون يتيح منح الجنسية للأجانب مقابل إيداع 750 ألف دولار في البنك المركزي المصري كوديعة مستردة بعد مرور 5 سنوات، ومن دون فوائد.
واستند القرار إلى قانون دخول وإقامة الأجانب بالأراضي المصرية وتعديلاته، وقانون الجنسية المصرية وتعديلاته، وقانون الاستثمار لتنظيم حالات منح فحص طلبات التجنس.
ووفقا للقانون، يحق منح الجنسية المصرية للأجانب، في عدة حالات على النحو التالي
أولا: شراء عقار مملوك للدولة، أو لغيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة بمبلغ لا يقل عن 500 ألف دولار أمريكي، يحوّل من الخارج.
ثانيا: إنشاء أو المشاركة في مشروع استثماري بمبلغ لا يقل عن 400 ألف دولار أمريكي، يحول من الخارج، وبنسبة مشاركة لا تقل عن 40% من رأس مال المشروع.
ثالثا: إيداع مبلغ 750 ألف دولار أمريكي، بموجب تحويل بنكي من الخارج، كوديعة يتم استردادها بعد مرور 5 سنوات بالجنيه المصري بسعر الصرف المعلن من البنك المركزي في تاريخ الاسترداد، وبما لا يجاوز السعر في تاريخ الإيداع، وبدون فوائد.
رابعا: إيداع مبلغ مليون دولار أمريكي كوديعة يتم استردادها بعد مرور 3 سنوات، بنفس الشروط.
خامسا: إيداع مبلغ 250 ألف دولار أمريكي، بموجب تحويل بنكي من الخارج، كإيرادات مباشرة بالعملة الأجنبية تؤول إلى الخزانة العامة للدولة، ولا يرد.
وفي يوليو 2019، أقر البرلمان مشروع القانون المقدم إليه من الحكومة، حول منح الجنسية للأجانب، وهو القانون الذي أثار جدلا في البلاد.
ويتخوف مراقبون من أن قانون منح الجنسية المصرية هو بمثابة بيع لها، وقد يكون عبارة عن صفقة مع دول الخليج التي تعاني من مشكلات البدون، فتحصل الحكومة المصرية على أموال مقابل تجنيسهم.
الاحتياطي النقدي المتراجع
ومع بدء التجنيس لأجانب بصورة موسعة في مصر، يرجع البعض القرارات المتلاحقة بمحاولة تغطية أزمات النقد الأجنبي واحتياطياته المتراجعة في مصر، حيث تعتزم حكومة الانقلاب اقتراض 34.6 مليار دولار أمريكي في الربع الرابع من السنة المالية 2021/2022 ، حسبما أفادت تقارير إعلامية.
وقالت صحيفة "ديلي نيوز إيجيبت" المصرية الناطقة بالإنجليزية إن "وزارة المالية في مصر تنوي طرح 52 من أذونات الخزانة بقيمة 30.32 مليار دولار أمريكي و35 من أذونات السندات بقيمة 4.28 مليار دولار أمريكي في الفترة من أول أبريل وحتى نهاية يونيو 2022".
وذكرت الصحيفة أن البنك المركزي، الذي سيقوم بالمهمة نيابة عن حكومة الانقلاب، سيقوم بإصدار أذونات وسندات خزانة في شهر أبريل بقيمة 10.59 مليار دولار أمريكي، وما قيمته 13.32 مليار دولار أمريكي في شهر مايو ، وما قيمته 10.70 مليار دولار أمريكي في شهر يونيو.
وأضافت أنه المقرر أن تصدر الوزارة أذونات بقيمة 9.55 مليار دولار أمريكي مدتها 91 يوماً، و8.71 مليار دولار أمريكي مدتها 182 يوما، و 6.71 مليار دولار أمريكي مدتها 273 يوما.
كما تنوي حكومة الانقلاب كذلك إصدار أذونات مدتها 364 يوما بقيمة 5.35 مليار دولار أمريكي .
يشار إلى أن ديون مصر الخارجية تتجاوز 150 مليار دولار، تسعى إلى الاقتراض مجددا من صندوق النقد الدولي مبلغ 73 مليار دولار في 2022.
وتعتبر مصر من الدول التي تمتلك الحصة الأكبر من الديون التي يجب تجديدها هذا العام، موضحين أن الديون قصيرة الأجل تبلغ نسبة 26 % من إجمالي أرصدة الديون في مصر.
وتتمثل خطورة الموقف في أن تلك الديون المحتملة في 2022، التي ستضاف على نحو 150 مليار أخرى، إنما هي لترقيع الديون السابقة، وليست لأجل إقامة مشروعات إنتاجية أو استثمارية، وهو ما أكدته الوكالة الدولية.
ووفق تقرير صادر عن وكالة "ستاندرد آند بورز جلوبال" فإن مصر ستتصدر 54 دولة في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في تمديد القروض التي تحصل عليها عن طريق سندات تصدرها لدفع قيمة سندات قديمة".
وأشارت الوكالة إلى أن "هذا المعدل في مصر يبلغ نحو 33.5% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، بفارق كبير عن دول المنطقة، وهو ما يعني أن مصر ستكون أكثر حساسية للتأثر برفع الفائدة عالميا.
تنازل المصريين عن الجنسية
في مقابل حصول البعض على الجنسية المصرية لأسباب متعددة زاد عدد المتنازلين عن جنسيتهم المصرية الأصلية لأسباب سياسية؛ إذ شهدت الفترة الماضية تنازل العديد من المصريين عن جنسياتهم، من أجل نيل حريتهم والخروج من معتقلات السيسي وسجونه ، وهو ما سعى إليه مؤخرا الناشط السياسي علاء عبد الفتاح ، الذي يواجه انتهاكات جمة بمحبسه وسط حرمان من أبسط حقوقه الإنسانية.
وكانت أسرة عبدالفتاح أعلنت مؤخرا، حصوله على جواز السفر البريطاني، عن طريق والدته ليلى سويف، والتي ولدت في لندن، في خطوة لجأت إليها الأسرة لتيسير قضيته ومحاولة التعجيل بوقف الانتهاكات التي يتعرض لها داخل محبسه أو الإفراج عنه.
وأضافت الأسرة أنها سعت إلى حصول "عبدالفتاح" على جواز سفر بريطاني كوسيلة للخروج من "محنته المستحيلة".
بدوره، صرح "دانيال فرنر"، أحد محاميي الأسرة، لـ"أسوشيتد برس" قائلا "هذا مواطن بريطاني محتجز بشكل غير قانوني في ظروف مروعة بالأساس لممارسته حقوقه الأساسية في التعبير والتجمع السلمي".
وكان عدد من النشطاء أُجبر على التخلي عن الجنسية المصرية في السنوات الأخيرة كشرط لإطلاق سراحهم، وهي مناورة قانونية تسمح للسلطات بترحيل الأجانب التي تتهمهم بارتكاب جرائم.
ومن أبرز المعتقلين السياسيين الذين خرجوا من محبسهم عبر هذه المناورة محمد سلطان نجل الدكتور الداعية الإسلامي المعتقل الدكتور صلاح سلطان الذي أفرج عنه بعد تنازله عن الجنسية المصرية واكتفائه بالأمريكية، و"رامي شعث" الذي تنازل أيضا عن جنسيته المصرية لصالح الفرنسية، وغيرهما من الذين يسعون للتخلي عن جنسيتهم، والتي يبدو أنها باتت سببا في تعاسة ملايين المصريين في ظل حكم العسكر.