استبعدت ورقة بحثية بعنوان "إفريقيا ، ماذا بعد فوز ماكرون بالانتخابات؟ أن تتغير سياسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أو أساليبه تجاه المنطقة مع بداية فترته الثانية.
واستدركت أن احترامه لحقوق الإنسان في أفريقيا مقرون بالمصالح فقالت "إذا كان تعامله مع الديكتاتوريات والمجموعات المعادية للديموقراطية قد يفيد فرنسا على المدى القصير، فإنه سيستحوذ على تطلعات شعوب المنطقة وآمالها إذا أقنع الجهات الإقليمية باحترام حقوق الإنسان، وقد يكون عليه من جهة أخرى الاستعانة بشركاء أوروبيين لتحقيق أهدافه".
وجزمت الورقة، ، نشرها موقع الشارع السياسي، أن فرنسا بظل ماكرون لم يعد بإمكانها أن تكون بمفردها لاعبا كبيرا في القارة الإفريقية أوحتى المنطقة المغاربية، دون الانطلاق من أرضية أوروبية مشتركة".
وأضافت ماكرون يعتمد على الشراكة التقليدية مع ألمانيا وإعطاء مضمون أكثر فعالية لمعاهدة "آخن" للصداقة بين البلدين، سواء على طريق المضي في إصلاح المؤسسات الأوروبية وبناء استراتيجية أوروبية مستقلة، أو في بناء شراكات أكثر متانة مع دول إفريقيا شمال وجنوب الصحراء، وتفعيل الدور الأوروبي في إنهاء نزاع الصحراء الغربية.
وأكدت أن فرنسا مع ماكرون وغيره عادت إلى الأسلوب التقليدي تجاه الشرق الأوسط ، الذي يُفضِّل الاستقرار على مواكبة الديناميكيات السياسية والاجتماعية ، ودراسة تطلعات المجتمعات التي يعبر عنها الفاعلون السياسيون المعارضون.

حقوق الإنسان
وأشارت الورقة إلى أن ماكرون نكث بوعده ، حيث أعلن في البداية اعتزامه التركيز على ملف حقوق الإنسان في سياسة بلاده تجاه المنطقة ، ضاربا به عرض الحائط، فكثف تعاونه مع الديكتاتوريات والمستبدين.
وأوضحت مثالا بالسيسي الذي وصفه ماكرون بالديكتاتور في خلال فترته الرئاسية الأولى، قبل أن يمنحه وسام جوقة الشرف، وهو أرفع وسام فرنسي.
وأضافت "لفرنسا حضور مهم في مصر لأسباب تاريخية، بالرغم من كون أوضاع حقوق الإنسان هناك في حالة مأساوية، نفس الأمر يُمكن تطبيقه بشأن ما تردد حول دعم فرنسا لعدد من الإجراءات القمعية في بعض الدول الإفريقية كما في تونس ومالي وغيرهما".
واستدركت الورقة مجددا بتقدم ماكرون في عدة ملفات في الشرق الأوسط ، حيث كان أول رئيس فرنسي يعترف بأن ماضي بلاده الاستعماري جريمة ضد الإنسانية، ويجري تحقيقا في تاريخ بلاده في الجزائر، بما في ذلك الحرب الجزائرية، رغم وصف النقاد التقرير الصادر عنه بأنه “لتبرئة فرنسا”.
وأبانت أن تطلعات ماكرون تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في البداية كانت تقدمية، وهادفة إلى توثيق روابط ملموسة، لاسيما مع الدول التي كانت جزءا من إمبراطورية فرنسا العالمية، لكنه تراجع إلى السياسة المألوفة مع مضي فترته الرئاسية.

التمدد الروسي
وقالت الورقة إن "النفوذ الروسي يهدد مكانة فرنسا في إفريقيا لاسيما المُتصاعد في مناطق كثيرة من مناطق النفوذ الفرنسي التقليدية أو غير التقليدية؛ مثل مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وموزمبيق والكاميرون وغينيا، إضافة إلى الوضع المُعقد في ليبيا".
وفي مالي تحديدا فإن سحب فرنسا نحو 2500 جندي من قواتها من البلاد تزامن مع دخول ملحوظ لشركة فاغنر الروسية لدعم جهود المجلس العسكري المالي في مواجهة الإرهاب والعنف المسلح.
وأشارت إلى أنه رغم تأكيدات باماكو وموسكو على أن الروس في مالي يتولون مهمات تدريبية فقط، وليسوا مرتزقة؛ فإن ثمّة تقارير متصاعدة عن انتشار مقاتلي فاغنر في أرجاء البلاد، والاشتباه في إقدامهم على الانخراط في عمليات مشتركة مع الجيش المالي، ويُبرز هذا التطور سعي روسيا للحفاظ على مصالحها الدبلوماسية والعسكرية المُتصاعدة في إفريقيا، ومواصلة سياسة ملء فراغ الحضور الفرنسي في عدة دول لاسيما في مالي".
وأضافت أن فرنسا وشركائها الأوروبيين يتخوفون من أن توفير روسيا طائرات هليكوبتر هجومية وأنظمة رادار متقدمة لدول إفريقية مثل مالي تحديدا، يهدد السيطرة الأوروبية على هذه الدول، مع ملاحظة فشل الأمم المتحدة نفسها في الحصول على طائرات هليكوبتر هجومية.

 

الشمال الإفريقي
واهتمت الورقة بالسياسة العربية التقليدية لفرنسا وقالت إنها "تغيرت ملامحها شيئا فشيئا في السنوات الأخيرة، وأن فرنسا وعت درس الاحتجاجات الشعبية العربية ، وأصبحت أقدر على رؤية التطورات السياسية في المنطقة والاعتراف بها أولا بأول بدلا من التعامي السابق والارتكان على التحالفات الهشة، وكانت الحالة الليبية أهم دليل على ذلك.
 ورأت أن فرنسا بدأت تنظر بقدر من الموضوعية إلى التخوفات العربية من الطموح الإقليمي الإيراني ، وليس فقط الطموح النووي الذي كان موضوعا لدى الترويكا الأوروبية طوال سنوات التفاوض على الاتفاق النووي قبل إقراره في عام 2015.
وقالت إن "فرنسا تتطلع لتحجيم الدور التركي بالتحالف مع قوى إقليمية أخرى وخاصة مصر والإمارات العربية المتحدة، بعدما تبين دور المتغير التركي في زعزعة الاستقرار في المنطقة، ومن ثم تجسد مبدأ جديد للسياسة الفرنسية في الشرق الأوسط وهو احتواء القوى المزعزعة للأمن الإقليمي من خلال الانخراط معها في محادثات طويلة الأجل من جهة، والتحالف مع قوى الاستقرار على أساس عسكري وتجاري من جهة أخرى".
وعن مبيعات السلاح الفرنسي للدول العربية قالت إنه "يخدم هذه الغاية، أشبه بتبادل المنافع الذي توج بتحالف سياسي وتجاري".
وأن فرنسا تجد في العالم العربي لصناعاتها العسكرية أسواقا متعطشة لتنويع تسليحها ولتجديد ترساناتها والتأهب للمخاطر الإقليمية المتوقعة".
وأوضحت أنه من هذه الصفقات ذائعة الصيت عقود التسليح للجيش المصري بين عامي 2016-2019 ومنها صفقة حاملة الطائرات “ميسترال” والمقاتلات “رافال” وأيضا الفرقاطة البحرية “فريم” فضلا عن عقود التصنيع المشترك للقطع البحرية والتدريبات المشتركة بين الجانبين.

ولفتت الورقة إلى أن دعم فرنسا في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي للعقيد الراحل معمر القذافي، ثم إلى رأس حربة قوات حلف الناتو التي دعمت انتفاضة 17 فبراير التي أطاحت بنظامه، ثم أيدت باريس الجنرال المتقاعد خليفة حفتر الذي شن هجوما على العاصمة".
وفي تونس، قالت الورقة إن "نفوذ فرنسا التقليدي اهتز بشكل ملحوظ، وفي ظل الديمقراطية الناشئة باتت تتعرض لانتقادات شديدة وتراجعت مكانتها كشريك تجاري واقتصادي مفضل لتونس".
وأنها "وبعد إقالة قيس سعيد للحكومة المنتخبة وتجميد البرلمان وحله في مرحلة لاحقة، وجمع السلطات التنفيذية والتشريعية بيديه وحل المجلس الأعلى للقضاء ثم اللجنة المستقلة للانتخابات وتعليق معظم بنود الدستور، ارتفعت الانتقادات في أوساط عديدة من الطبقة السياسية والمجتمع المدني وإسلاميي حزب النهضة الكتلة الأكبر في البرلمان، لدور فرنسا ودول عربية حليفة لها بإجهاض الديمقراطية الناشئة".

https://politicalstreet.org/5158/?fbclid=IwAR04Ltc4nVKiaO32BVV2KPOqUtWGm97NYnfRt4PgULHb95qc46GBVUberGY

 

Facebook Comments