كشف بيع ربع أسهم شركة "النساجون الشرقيون" الأكبر في صناعة السجاد والموكيت في مصر، لشركة إنجليزية، عن تواصل هروب المستثمرين من السوق المصرية إلى أسواق أخرى ، طلبا للحماية بسبب تعقيدات قوانينها وتشابك المصالح وتنافراتها مع نظام الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي وإمبراطورية الجيش.
وأكد خبراء اقتصاد أن المستثمرين الأجانب يشعرون بالقلق خشية الإجراءات التي قد تضطر حكومة الانقلاب لاتخاذها لمواجهة الانهيار الاقتصادي وإفلاس البلاد المتوقع.
وقالوا إن "الأزمة التي تشهدها مصر حاليا هي امتداد لحزم التحفيز التي أطلقتها حكومة الانقلاب لمواجهة جائحة كورونا، التي أثرت بشكل كبير على حجم السيولة النقدية ومعدلات الاحتياطي الأجنبي، مؤكدين أن البيئة الاستثمارية الحالية في ظل المستجدات الطارئة باتت طاردة لكثير من رؤوس الأموال الأجنبية".
وتوقع الخبراء أن يشهد السوق المصري موجة نزوح جديدة في العام 2023 لرؤوس الأموال الأجنبية، تقدر بنحو 15 مليار دولار كان يستثمرها الأجانب في أذونات الخزانة ، مؤكدين أن مغادرة الاستثمارات الأجنبية تتزامن مع مشاعر فقدان الثقة في قدرة حكومة الانقلاب على السيطرة على السوق المحلي الذي ، يعاني من سيولة مفرطة في تموجاته السعرية، ما سيكون له صداه الكبير على معدلات التضخم وهي المؤشرات التي تثير قلق المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.
أبجديات
من جانبه أكد الخبير الاقتصادي ممدوح الولي نقيب الصحفيين الأسبق أن البيئة المصرية تفتقد لكثير من أبجديات البيئة المؤسسية كأحد متطلبات مؤشر جاذبية الاستثمار بدول العالم، لافتا إلى الانتقادات الدولية التي تتعرض لها معايير تلك البيئة المتمثلة في الاستقرار السياسي وغياب العنف، ومدى المشاركة والمحاسبة وسيادة القانون ومدى السيطرة على الفساد.
وقال الولي في تصريحات صحفية إن "العديد من الإجراءات التي اتخذتها سلطات الانقلاب خلال العامين الماضيين كانت لها تأثيرها الواضح في إثارة الشكوك والمخاوف لدى المستثمرين الأجانب، ومن ثم تحولت إلى محرك قوي لخروج رؤوس الأموال من البلاد، من بينها التعديلات التي أجريت على قانون الطوارئ، التي أعطت الضباط وضباط الصف اختصاصات مأموري الضبط القضائي، بجانب إجازتها للنيابة العسكرية التحقيق في الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام قانون الطوارئ".
وأشار إلى أن ظاهرة مغادرة الاستثمارات الأجنبية تتزامن مع مشاعر فقدان الثقة في قدرة حكومة الانقلاب على السيطرة على السوق المحلي الذي يعاني من سيولة مفرطة في تموجاته السعرية بجانب تضييق الخناق على الاجتماعات العامة والاحتفالات والتظاهرات وغيرها من أشكال التجمعات التي تنسحب بطبيعة الحال على الاجتماعات الخاصة، بخلاف تدخل الانقلاب في تحديد خريطة السلع المصدرة والمستوردة وحظر بعض المنتجات وتحديد أسعار أخرى، وهو ما يهدد استقرار وحرية تحركات رؤوس الأموال الأجنبية العاملة في السوق المصري ويضعها في مرمى الاستهداف تبعا لتطورات الأحداث، وأكد الولي أن كل هذه أمور تتنافى مع أسس الاقتصاد الحر وحرية الأسواق ، مشيرا إلى أن من المؤشرات التي أثارت قلق المستثمرين في الآونة الأخيرة ودفعتهم إلى بيع أصولهم في مصر، الخوف من تقلص قيمة تلك الأصول حال اتخاذ حكومة الانقلاب قرارا جديدا بتعويم آخر للجنيه وخفض قيمته أمام الدولار الأمريكي.
وأوضح الولي أن خريطة أسعار السلع والخدمات شهدت الأيام الماضية تحركات بنسب كبيرة، وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من 100%، وهو ما دفع الشريحة الكبرى من محدودي ومتوسطي الدخل، للإحجام عن عمليات البيع والشراء، واللجوء جبرا إلى خيار التقشف بجانب انخفاض معدل الأمن الغذائي للسلع الإستراتيجية وعلى رأسها الخبز .
توغل البيروقراطية
وأكد الخبير الاقتصادي مجدي حمدان موسى، أن هذا الوضع هو نتاج طبيعي لحالة التخبط التي تسود الأسواق المصرية، والقرارات العكسية، وعدم تفهم حكومة الانقلاب ونظام السيسي أن الوقت الحالي ليس وقت فرض ضرائب ورفع تكاليف الإنتاج.
وأكد موسى في تصريحات صحفية أن الدول التي تهتم بالتنمية وتحاول تدراك الوقت الراهن مع حالة التضخم والركود، هي الدول التي تبغي التنمية الفعلية، وهي من تخفف الضرائب وتكاليف الإنتاج على المنتج والمستثمر.
وانتقد توغل البيروقراطية الحكومية القائمة منذ خمسينيات القرن الماضي، والتي تواجه أي مستثمر، لافتا إلى السياسات المالية لحكومة الانقلاب والتي تتعامل مع المستثمرين كشياطين لا كأشخاص تفتح بابا للاستثمار، وتبادرهم بقرارات عكسية تدفعهم للهروب .
وشدد على أن أفكار الانقلاب التي تطرأ يوما بعد يوم تصيب المستثمر بعدم الأمان، ما يدفعه للابتعاد عن السوق المحلية، واللجوء لدولة أخرى تفتح له المجال واستثمار أمواله بشكل أفضل.
وأعرب موسى عن أسفه لما تشهده البلاد من تخبط وغياب للحلول، وفي نفس الوقت نظام الانقلاب غير مدرك أن البلد تنهار اقتصاديا، وأن هناك تسربا كبيرا لرؤس الأموال والمستثمرين، لعدم الإحساس بالأمان والخوف من تأميم شركاتهم، لافتا إلى أن البديل للمستثمر هو السعي كما فعلت ابنتا فريد خميس، لأن يكون لديهم مؤسسة بالخارج لتأمين الأموال في حالة الاستيلاء على شركتهم بمصر.
ولفت إلى أن ما يغذي تلك الفكرة هو وضع الاقتصاد وعدم قدرة حكومة الانقلاب على الوفاء بالتزاماتها والسعي لمزيد من القروض لسد الفجوة، مشددا على ضرورة سرعة تغيير من يديرون البلاد .
سوق منهار
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور حسام الشاذلي، رئيس جامعة "كامبريدج المؤسسية" "من المفترض ألا يكون هناك تعجب من ظهور مبادرات متعددة تتم الآن لبيع حصص مختلفة من الشركات والمؤسسات إلي شركاء أجانب، خاصة في ظل سوق مصر المنهار اقتصاديا".
وأرجع الشاذلي في تصريحات صحفية ذلك إلى تخبط نظام الانقلاب والقرارات العشوائية غير المدروسة للبنك المركزي وحكومة الانقلاب، مؤكدا أن كل سياسات النظام تنصب على إحكام السيطرة على رؤوس الأموال والأصول والحسابات البنكية.
واعتبر أن هذا يأتي ضمن خطوة استباقية لمصادرة تلك الأصول والأموال تحت أي مسمى، كما حدث مسبقا في حالات معروفة، مثل جهينة والتوحيد والنور.
وتوقع الشاذلي، أن يقوم برلمان السيسي البهلواني باستحداث قانون يسمح لدولة العسكر بمصادرة الأموال والمؤسسات التي تزيد حجم أصولها عن قيمة محددة، تحت بند الأمن الوطني وإنقاذ البلاد.
وقال "لندرك أن غالبية التعليقات على حالة بيع نحو 25 بالمئة من (النساجون الشرقيون) والمملوكة لنجلتي فريد خميس لشركة إنجليزية مملوكة لهما، هي نتاج عن نفس الأجواء التي تغيب عنها الشفافية والمعلومات الصحيحة".
وتابع الشاذلي، وذلك كون تأسيس الشركات الإنجليزية وفتح حسابات بنكية لها لا يشترط وجود مواطن إنجليزي بعقد التأسيس، ولا حتى لمكاتب وأعمال حقيقية قائمة؛ ولكن يتم عن طريق توكيل شركات متخصصة بتلك الخدمات".
وأوضح أنها تتولى أيضا الحفاظ على الحالة القانونية السليمة للشركة، وتقوم بتقديم ملفات الضرائب سواء في ظل وجود نشاط مستمر أو غيابه، وينطبق نفس الأمر على تأسيس الشركات الأمريكية، حيث تكون قوانين بعض الولايات أيسر من غيرها، لكنها متاحة وميسرة وبتكلفة معقولة.
وتوقع الشاذلي أن نرى عدة أنواع من الاتفاقيات الدولية في مصر، منها نموذج (النساجون الشرقيون)، وهو الأيسر والأقل خطرا، ولكن سوف نرى نموذجا آخر وهو لشركات أجنبية معروفة وقائمة تستولي على حصص بمؤسسات عريقة ناجحة.
وأكد أن حديث نوادي رجال الأعمال والمستثمرين في أوروبا يتركز مؤخرا حول هذا الموضوع، وبدأت مؤسسات عملاقة متخصصة في اتفاقيات الاستحواذ بدراسة الفرص المتاحة بالسوق المصري منذ شهور، مع تأكد انهيار المنظومة الاقتصادية.
واعتبر الشاذلي، أن نموذج (النساجون الشرقيون)، سيحتاج كثيرا من الجهد لإنجاحه؛ ولذلك لا يلقى نظام الانقلاب بديلا له، وذلك كون الأصول موجودة بمصر، وتحويلات الدولار محكومة تماما بالبنك المركزي.
وقال إنه "قد نستيقظ صباحا على مصادرة أصول وأموال، ولن تساعد الشركة الإنجليزية المؤسسة حديثا في الوقوف أمام نظام لا يحترم القوانين الدولية ويوظف قضاء مسيسا، وليس لديه منظومة عدالة موضحا أن النموذج الثاني، القائم علي بيع الحصص لمؤسسات دولية معروفة لديها نفوذ دولي وسفارات قوية وجيوش من الإعلاميين ومكاتب المحاماة الدولية، سيكون الطريق الأكثر أمانا لأصحاب رؤوس الأموال المصرية، ممن لديهم هذا النوع من العلاقات ، هربا من نظام ديكتاتوري مجحف لا يحترم أعرافا ولا قوانين".
وأعرب الشاذلي عن أسفه، لأن النموذجين يمثلان صورة أخرى من صور الاحتلال الاقتصادي لمصر، وهو أحد عواقب السياسة الاقتصادية الفاشلة لنظام الانقلاب ، مؤكدا أنه لا مفر لمصر من مصير قاتم محتوم إلا بسقوط المنظومة السياسية والاقتصادية كلها، وحدوث تغييرات جذرية يقبلها الشركاء والمؤسسات الدولية، وتضمن إسقاط جزء كبير من الديون وإعادة هيكلة المتبقي .