"لبسوها لحد غيري" كان ذلك مبدأ عسكر كامب ديفيد الذي وضع أساسه النكسجي جمال عبد الناصر، ولم يتغير إلى الآن، حتى إن هزيمة ثلاث جيوش عربية في العام 67 على يد عصابات الصهاينة في فلسطين المحتلة، ألقاها عبد الناصر على كاهل ذراعه اليمين المشير عامر، وقام بعد ذلك بتصفيته داخل السجن وقتله، وعلى ذات المنوال وجه النائب في برلمان المخابرات محمود بدر، الشهير بـبانجو، انتقادات حادة لوزير التموين في حكومة الانقلاب علي المصيلحي، بدلا من توجيهها إلى السفاح السيسي.
"ما ينفعش تتأنعر على الناس" عبارة متفق عليها قبل جلسة البرلمان تلفظ بها "بانجو" في وجه مصيلحي ، ولو كان الأمر غير ذلك لاختفى بانجو وتبخر من الوجود، مثلما اختفى المئات في مصر منذ انقلاب السفاح السيسي على أول رئيس مدني منتخب، الشهيد محمد مرسي.
"مصيلحي أكل الجبنة"!
وعلى شاكلة المثل الساخر" فلان برئ أنا اللي أكلت الجبنة" استمر بانجو في توبيخ مصيلحي المتفق عليه قبل انعقاد الجلسة، قائلا "لما نحب نختصر رؤية وزارة التموين بخصوص الدعم نرجع لتصريح الوزير لما قال الناس عايزة زيت بيور أنت جاي تأخذ دعم وتتأنعر" واستطرد بدر تصريح الوزير الذي قاله "علشان المواطن بيطلب حقه في سلعة نظيفة".
وردا على اعتراض متفق عليه من رئيس برلمان المخابرات، المستشار حنفي الجبالي، الذي وقع على وثيقة بيع تيران وصنافير للسعودية حينما كان رئيسا للمحكمة الدستورية، قال بانجو "زي ما تطلب مننا ضبط انفعالتنا نرجو أن الحكومة تضبط تصريحاتها، كل وزير ما ينفعش يتأنعر على الشعب المصري، كل وزير بيأخذ مرتبه من ضرائب الشعب المصري ما ينفعش يتأنعر على الشعب".
واستكمالا للتغييب المتعمد لمسئولية السفاح السيسي عن الخراب الاقتصادي وجحيم الأسعار المتعمد في مصر، مضى بانجو في كلمته المتفق عليها، مشيرا إلى رد فعل المصيلحي على كلمات النواب بابتسامة، وقال "بجملة الضحك اللي بيضحكه، نكته لمواطن شالوا مراته من بطاقة التموين من سنة 2018، بحجة إنها ميتة، لحد انهاردة 2023 بيحاول يثبت إن مراته لسة عايشة".
واختتم بانجو المسرحية التي أرادت بها المخابرات إزاحة المسئولية عن السفاح السيسي ووضع الشعب في مواجهة طواحين الهواء، وقال في استعراض أجوف لا يسمن ولا يغني من جوع "عايزين موظفين يشتغلوا بجد يشوفوا الأسعار بجد ، ما يقعدوش يتأنعروا على المواطن المصري، كفاية أنعرة لحد كده".
تقول الناشطة لمياء عبود " جايين تعملوا مواجهة بعد خراب مالطة ، كنتم فين وإحنا بقالنا كتير بنعاني من انفلات الأسعار وغياب الرقابة وجشع التجار ، دا غير القوانين اللي بتفضل شهور عندكم في المجلس رايحة جاية لحد ما بتطلع في الوقت الغلط وبنلبس في الحيط".
ويقول الناشط أحمد الوصيف "المفروض يا بانجو تعمل استدعاء للوزير ويتعمل تصويت لإقالة الوزير ويأخذ الحكومة كلها في إيده وهو ماشي وبالمرة البرطمان ده يتحل لأنه كلكم بتوع شو إعلامي وخلاص نفسي أعرف المجلس ده عمل إيه للمواطن تقدر تفهمنا استفدنا إيه من شوية الجعجعة بتوعك دول ؟.
وربما لا يعرف البعض أن تخريب الاقتصاد المصري بدأ مبكرا على يد المجلس العسكري، وتزامن مع ثورة 25 يناير 2011، حين طلب العسكر قرضا من صندوق النقد الدولي في عام 2012، لعلاج الخلل الاقتصادي الذي خلفه هروب الثروات التي اكتنزها نظام المخلوع مبارك، وما تلاه من قرارات عسكرية عشوائية أدت إلى حالة اقتصادية متعثرة.
خط الفقر
منذ ذلك الحين وعلى يد العسكر، باتت مصر أسيرة معادلة الاقتراض الدائم، لتمويل سداد ديونها السابقة مع فوائدها، وأصبحت بحسب الوصف "دولة متسولة"، يعتمد اقتصادها أكثر من أي وقت مضى على الدعم الأجنبي، وخاصة القروض.
يؤمن صندوق النقد بأن النمو الاقتصادي للدول يتحقق مع حرية السوق المطلقة وإيقاف تدخل الدول فيه، وتتضمّن وصفته لذلك، خفض قيمة العملة الوطنية بتعويم جزئي أو كلي، زيادة الضرائب والرسوم، ترشيد إنفاق الحكومة، إلغاء الدعم الحكومي عن السلع والخدمات، التقشف وبيع شركات القطاع العام للقطاع الخاص، تخفيض العمالة في القطاع العام، رفع أسعار الخدمات العامة وإلغاء الدعم عن الغذاء والمحروقات.
هذه الوصفة قد تنجح وقد لا تنجح، فقد نجحت دول عديدة في تسديد ديونها كاملة إلى الصندوق منذ عام 2000، معظم هذه الدول عانت الأمرّين كي تصل لمرحلة تسديد الديون، وربما لم تصل للنمو الاقتصادي الذي كانت تحلم به، في المقابل فشلت دول أخرى في سداد ديونها بسبب النصائح التي أعطاها صندوق النقد، وبحسب إحصاءات عام 2016، أكثر من 70 دولة من أصل 189 مدينة لصندوق النقد الدولي بنحو 80 مليار دولار، تتصدرها البرتغال بأكثر من 21.7 مليار دولار.
يمكن قياس هذه الوصفة المدمرة للطبقة المتوسطة والفقيرة على المجتمع المصري، حيث تسعى عصابة الانقلاب للحصول سريعا على القرض الأخير بعد أن أصبح أكثر من 30 مليون مصري تحت خط الفقر، وفقا لتقارير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، نتيجة التفاقم القياسي في معدلات التضخم في السنوات الأخيرة، وهي الأزمة التي عمقتها حرب روسيا على أوكرانيا بشكل زاد الأمر تعقيدا.
بحسب منظمة مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط (POMED)، أصبحت شهية عصابة الانقلاب المالية في ظل حكم السفاح السيسي هائلة، حيث يذهب جزء صغير نسبيا من القروض إلى احتياجات السكان، الذين يعيشون في منطقة محدودة وشحيحة المياه، وغير قادرين على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، لكن صفقات العسكر ومشاريعهم الوهمية، وليست الضروريات الأساسية، هي التي تمتص الجزء الأكبر من الإيرادات المتاحة.
أول هذه المشاريع ما يُطلق عليه "قناة السويس الجديدة" التي وصلت تكلفتها إلى 8 مليارت دولار، لكنها لم تحقق الزيادة الهائلة التي زعمها السفاح السيسي في العائدات المالية، تكرّرَ سيناريو المشاريع عديمة الفائدة في ما يخص مشروع "العاصمة الإدارية الجديدة" في الصحراء، على بُعد 25 كليومترا شرق العاصمة القاهرة.
منها صفقات الأسلحة التي لا تُعرف قيمتها الحقيقية، ولكنها جعلت مصر " الفقيرة أوي" من بين أكبر المشترين للأسلحة في العالم، وإنشاء مفاعل نووي بقيمة 25 مليار دولار لإنتاج الطاقة في بلد به فائض في الكهرباء، غير شبكة الكباري والعديد من أكبر المشاريع المقرونة بصفة التفضيل في أفريقيا أو حتى في العالم، بدءا من أطول مبنى وأكبر كنيسة في القارة إلى أكبر مزرعة سمكية في العالم.