في ضوء الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تضرب مصر والتي تهدد بخراب ودمار مجتمعي غير مسبوق وفي محاولة للانصياع أمام صندوق النقد الدولي ، الذي أوصى بتقليص الإنفاق الحكومي ، أصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الإثنين، حزمة من القرارات الهادفة لترشيد الإنفاق العام في الجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة، والهيئات العامة الاقتصادية، على رأسها تأجيل تنفيذ أية مشروعات جديدة لم يجر البدء في تنفيذها، ويكون لها مكوّن دولاري واضح، على ضوء الأزمة الاقتصادية الراهنة، وتراجع احتياطي البلاد من النقد الأجنبي إلى نحو 34 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2022، مقارنة مع 40.93 مليار دولار في ديسمبر 2021.
واستثنت قرارات ترشيد الإنفاق جميع المشاريع التي يشرف عليها الجيش وأجهزته، أو يتولى تنفيذها لصالح الدولة، على غرار مشروعات الطرق والجسور الجديدة، وتحلية وتنقية ومعالجة المياه، ومبادرة "حياة كريمة" لتطوير الريف، من جميع الأحكام الواردة فيها، وكذلك وزارة الداخلية، وكل الجهات التابعة لها.
وتسري القرارات على جميع موازنات الجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة، من جهاز إداري، وإدارة محلية، وهيئات عامة خدمية، وهيئات عامة اقتصادية، اعتبارا من الإثنين الماضي، وحتى نهاية السنة المالية في 30 يونيو المقبل، شرط ألا تؤثر قواعد الترشيد على أداء الجهات المخاطبة بأحكامه، بالخدمات التي تؤديها، والدور المنوط بها.
وقضت بعدم جواز الترخيص بالصرف على الأغراض المحظور الصرف عليها، على سبيل الاستثناء، إلا في الأحوال التي يقدرها رئيس الوزراء، وبعد موافقته عليها، بناء على عرض السلطة المختصة في الجهة المعنية، وموافاة وزارة المالية بذلك حتى يتسنى لها إعمال شؤونها.
واشترطت قرارات ترشيد الإنفاق لتعامل الجهات الحكومية بالنقد الأجنبي الحصول على موافقة وزارة المالية، ممثلة في قطاع التمويل، وذلك للترخيص بالصرف بالمكون الأجنبي على أي من أوجه الصرف، وبعد التنسيق مع البنك المركزي، والجهات المعنية وذات الاختصاص في هذا الشأن، وتأجيل الصرف على أية احتياجات لأجهزة الدولة لا تحمل طابع الضرورة القصوى.
كما شددت على ترشيد جميع أعمال السفر خارج البلاد إلا للضرورة القصوى، وبعد موافقة رئيس الوزراء، أو في حالة تحمل الجهة الداعية جميع تكاليف السفر، شرط موافقة السلطة المختصة. ويعرض وزير المالية تقريرا دوريا كل شهرين على رئاسة الوزراء بمدى التزام الجهات المخاطبة بتنفيذ أحكام هذه القرارات، ونتائج تنفيذها.
ونصت أيضا على موافاة وزارة المالية بالمخصصات المالية لجميع حالات إنهاء الخدمة للعاملين أثناء السنة المالية 2022-2023، موزعة على البنود المختصة بالباب الأول للأجور وتعويضات العاملين، أو من أبواب الموازنة الأخرى، حتى يتسنى اتخاذ اللازم بشأنها من تاريخ انتهاء الخدمة، وحتى نهاية السنة المالية الحالية.
استثناء الجيش والداخلية
في حين استثنت القرارات من تطبيق جميع أحكامها وزارة الدفاع والجهات التابعة لها، ووزارة الداخلية والجهات التابعة لها، بجانب بعض الهيئات الخدمية الأخرى.
وكان مدير جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للجيش اللواء وليد أبو المجد، قد أعلن عن تنفيذ الجهاز 227 مشروعا لمصلحة الدولة بقيمة 100 مليار جنيه (الدولار = 27.65 جنيها) خلال عام 2022، وذلك في مجالات أهمها الصحة والإسكان والنقل والري والكهرباء.
ويحصل الجهاز على هذه المشروعات بـ"الأمر المباشر" من دون اتباع إجراءات المناقصة للحصول على أفضل العروض، بناء على توجيهات مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أصدر تشريعا للتعاقدات الحكومية في عام 2018، سمح فيه لكل أجهزة الجيش والإنتاج الحربي بإبرام عقود المقاولات والخدمات والاستيراد بطريقة المناقصة المحدودة، أو المناقصة على مرحلتين، أو الممارسة المحدودة أو الاتفاق المباشر، من دون اتباع المناقصات أو المزايدات العامة.
ومنذ تولي السيسي الحكم عام 2014، لا تمارس أي سلطة الرقابة الإدارية أو المالية على تصرفات الجيش وأجهزته، الذي واجه في السنوات الأخيرة اتهامات متكررة بالفساد، ونهب أموال الدولة، وحينما حاول الجهاز المركزي للمحاسبات تفعيل هذا الدور قبل أعوام عدة، رفضت هيئة الشؤون المالية التابعة لوزير الدفاع السماح لموظفي الجهاز بـ"الاطلاع على أي مستندات تخص مشروعات أجهزة الجيش".
ويبرهن القرار الوزاري على مدى انحيازات السيسي وتقسيمه الدولة لدولتين، دولة للجيش تتمتع بكافة الامتيازات والمزايا المالية والإدارية والاقتصادية ، وضمان عدم تطبيق سياسات الدولة عليه، ودولة محملة بالأعباء والديون وانتزاع إيراداتها عبر صناديق خاصة وعبر استيلاء الجيش على أكثر من 60% من اقتصادها بالأمر المباشر.
وقد اشتكى رئيس الوزراء أكثر من مرة بأنه غير مسئول سوى عن 43% من اقتصاد مصر، بينما الباقي مقسم بين الصناديق الخاصة البالغة أكثر من 5 آلاف صندوقا خاصا واقتصاد المؤسسة العسكرية، وهو ما يؤكد أن نظام الدولة المصرية بات خاضعا لحكم العسكر منذ الانقلاب العسكري على الرغم من تأكيدات السيسي مرات عديدة "والله ما حكم عسكر".