وكر الأفاعي.. دلالات حكم “الدستورية” بعدم الطعن على عقود بيع أصول الدولة

- ‎فيتقارير

تعتبر المحكمة الدستورية العليا أحد أوكار الأفاعي وإحدى أقوى مؤسسات الدولة العميقة في مصر بعد المؤسسة العسكرية وجهاز الأمن الوطني والمخابرات. فقد نشأت المحكمة نشأة استثنائية بقرار من السلطة في عهد الدكتاتور جمال عبدالناصر سنة 1969م؛  حتى تكون يدا لها داخل السلطة القضائية لخدمة أجندة السلطة والتغطية على قرارات الحكومة مهما كانت شاذة ومنحرفة بغطاء قضائي شفاف يسمح للسلطة العسكرية بتمرير ما تشاء حتى لو تصادمت مع الرأي العام والرغبة الشعبية.

وآخر قرارات وكر الأفاعي المسمى بالمحكمة الدستورية العليا، حكمها  السبت 14 يناير 2023م، برفض الطعن المقدم من المحامي خالد علي بشأن عدم دستورية قانون تنظيم الطعن على عقود الدولة رقم 32 لسنة 2014، الصادر من المؤقت السابق عدلي منصور؛ لتؤكد المحكمة بذلك دستورية القانون، وإقرارها بعدم قبول الدعاوى التي ترفع أمام المحاكم المصرية، بخصوص بطلان قرارات وعقود بيع وخصخصة الشركات والأصول المملوكة للدولة. حكم المحكمة هو صك قضائي لتقنين وشرعنة بيع أصول الدولة في ظل توجهات نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي  لبيع الأصول والشركات الرابحة لجمع 40 مليار دولار على مدار أربع سنوات كما صرح هو  بذلك في حفل إفطار الأسرة المصرية في إبريل 2022م.

وأحيل الطعن إلى «وكر الأفاعي» المسمى بالمحكمة الدستورية بتصريح من محكمة القضاء الإداري، خلال نظرها دعوى بطلان قرارات خصخصة شركة النوبارية لإنتاج البذور (نوباسيد)، المرفوعة من مجموعة من العاملين في الشركة، وطالبوا فيها بعودتها وكافة أصولها إلى الدولة، ممثلة في وزارة الزراعة؛ وإلغاء عقد بيعها للمستثمر السعودي الراحل عبد الإله صالح كعكي. لكن المحكمة ادعت أن "حالة الضرورة توافرت لإصدار قانون تنظيم الطعن على عقود الدولة، حين كان الاقتصاد القومي يمر بمرحلة دقيقة، احتاج فيها إلى العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية، وحجب كل ما يزعزع الثقة في سلامة البناء الاقتصادي، وضمان احترام الدولة لتعاقداتها؛ ما حقق حالة الضرورة المبررة لإصدار القرار بقانون المطعون فيه، الذي لم ينطو على أثر رجعي ينال من حجية الأحكام الباتة التي صدرت في شأن تلك التعاقدات". وزعمت المحكمة في حيثياتها  أن "القانون لم يصادر حق التقاضي، أو يقيده، بل جاء تنظيماً لهذا الحق من خلال تحديد الفئات أصحاب الحق في الطعن على عقود الدولة؛ حاصراً إياهم في من لهم حقوق شخصية أو عينية على الأموال محل التعاقد، وأطراف تلك العقود، من دون غيرهم". وهو ما يعني أن المحكمة لا ترى في عمال الشركة ولا حتى الشعب نفسه أصحاب حق في الطعن على عقود البيع المشبوهة لأصول وثروات البلد.

وحسب الحيثيات تدعي المحكمة أن "القانون أجاز للكافة الطعن بالبطلان، في حال صدور حكم بات بإدانة أحد أطراف العقد في جريمة من جرائم العدوان على المال العام، إذا ما أبرم العقد استناداً إليها؛ تحقيقاً لالتزام الدولة بمكافحة الفساد، على النحو الذي أوجبته المادة 218 من الدستور". وأضافت أن "هذا التنظيم قد كفل الحقوق لأصحابها، دافعاً عن مجال التقاضي من ليس لهم مصلحة شخصية في الطعن على العقود التي تبرمها الدولة مع الغير؛ صارفاً عن الخصومة القضائية من توهم ضرراً أراد دفعه، أو من توسل بها لفرض سياسات اقتصادية لا تتفق مع توجهات الدستور الحالي". وبحسب الحيثيات، فإن "المشرع المصري سعى من خلال هذا التنظيم إلى تشجيع الاستثمارين العام والخاص، وتوفير المناخ الجاذب لهما، على نحو يدعم الاقتصاد القومي؛ وذلك نفاذاً للالتزام المقرر في المادتين 27 و28 من الدستور".

اللافت في حكم المحكمة أنه يتزامن مع إصدار حكومة الانقلاب ما يُعرف بـ"وثيقة سياسة ملكية الدولة"، التي صدق عليها زعيم الانقلاب عبد الفتاح السيسي مؤخراً؛ بغرض تسهيل إجراءات طرح مجموعة واسعة من الشركات والأصول المملوكات للدولة للبيع أمام مستثمري الخليج، ضمن خطة حكومية للانسحاب من قطاعات اقتصادية محددة، من أجل جذب استثمارات بقيمة 40 مليار دولار على مدى 4 سنوات للحد من عجز الموازنة، وسداد أعباء الديون الخارجية المستحقة على البلاد.

بهذا الحكم المشبوه، تحاول المحكمة قطع الطريق علي الشعب نفسه  للطعن ورفع الدعاوى أمام المحاكم الإدارية لبطلان خصخصة أو بيع حصص من شركات القطاع العام وقطاع الأعمال، وغيرها من الشركات المملوكة للدولة كلياً أو جزئياً؛ معتبرة أن طعون المواطنين في العقود التي تبرمها الدولة مع الغير من "دعاوى الحسبة"، بغض النظر عما قد يشوبها من عوار أو فساد.

وفي 8 فبراير2022، أصدر السيسي قراراً بتعيين المستشار بولس فهمي إسكندر، رئيسًا للمحكمة الدستورية العليا، بدرجة وزير؛ خلفاً للمستشار سعيد مرعي، الذي أحيل للتقاعد لعدم لياقته الصحية بناءً على طلبه. والمحكمة الدستورية هي المحكمة العليا في مصر، ومهمتها مراقبة تطابق القوانين مع مواد الدستور؛ وإلغاء التشريعات التي تخالف نصوص ومواد الدستور المصري. وهي هيئة قضائية (مستقلة!) عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتؤلف من رئيس ونائب أو أكثر للرئيس، وعدد كاف من المستشارين؛ وأحكامها نهائية لا يمكن الطعن فيها بأي طريقة من طرق الطعن.

ومنذ إنشائها سنة 1979م الذي تأخر عن قرار إنشائها سنة 1969م، لعبت المحكمة الدستورية أدوارا مهمة في إضفاء شيء من الشرعية الدستورية والقانونية على التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها مصر في عهدي السادات ومبارك، ورغم أن إنشاء المحكمة تأخر عن قرارات السادات الاستراتيجية الأكثر أهمية – الانفتاح والتوجه ناحية الغرب والسلام مع إسرائيل – إلا أنها لعبت في السنوات التي تلت إنشاءها دورًا ملحوظًا في تقنين آثار تلك التغيرات بتفسير الدستور تفسيرًا فضفاضا وعجيبا ليتوافق مع نظام سياسي واقتصادي واجتماعي يتناقض تماما مع نصوص الدستور وفلسفته.

وعلى المستوى الاقتصادي، فإن الدوافع الاقتصادية لعبت دورًا كبيرًا في إنشاء المحكمة الدستورية. حيث تم «قضينة السياسة المصرية» الذي صكه أستاذ القانون بالولايات المتحدة الدكتور تامر مصطفى لشرح المسألة، رابطًا إنشاء المحكمة جزئيًا باحتياجات نظامي السادات ومبارك إلى الاستثمارات الأجنبية. إذ يرى الباحث أن التحول الذى أجراه السادات ومن بعده مبارك فى السياسات العامة من الاشتراكية إلى الرأسمالية كان يقتضي إعطاء ضمانات للمستثمرين الأجانب للحفاظ على حقوقهم فى الملكية من خلال المحكمة الدستورية العليا. «وجهة النظر تلك تدعمها دلالات مثل الحكم بدستورية سياسات الخصخصة الذي فسرته المحكمة بقولها إن الدستور – الذي كان ينص آنذاك على الاشتراكية وصيانة القطاع العام – وثيقة تقدمية يتغير تفسيرها بحسب الزمان والمكان.»!

فوظيفة المحكمة دائما هي تطويع الدستور والقانون لخدمة أجندة السلطة حتى لو تصادم توجهات النظام ع الدستور ذاته؛ لذلك يتم اختيار قضاة المحكمة من جانب السلطة التنفيذية وبناء على تحريات أمنية مكثفة لضمان ولاء وإذعان قضاتها للسلطة التنفيذية على الدوام.