لم يصبر الفاسدون على الرئيس الشهيد محمد مرسي، إلى أن تمكنوا من قتل أول رئيس مدني منتخب، ما دفع البعض إلى التساؤل عن مصير التجربة الماليزية في ظل الحرب التي يشنها البعض على أنور إبراهيم رئيس وزراء ماليزيا مؤخرا.
وتمر ماليزيا بمرحلة فساد فاق التقدم التنموي، وذلك بعد حدوث اختلاس للمال العام، وهو التصريح المتكرر وبصيغ متعددة، ولكنه تزامن مع إفراج محكمة ماليزيا عن نجيب عبدالرزاق رئيس الوزراء الماليزي السابق أكبر شخصية سياسية تورطت في الاختلاسات وإخفاء الهدايا المليونية من السعودية والإمارات، وكشف فساده الأسطورة الماليزية ماهتير محمد وأودعه السجن قبل نحو 4 سنوات.
وقال أنور إبراهيم وهو أحد عناصر التجربة الإسلامية الماليزية، والذي قدم قبل 4 سنوات العزاء في وفاة الرئيس الشهيد محمد مرسي إن "ماليزيا انهارت اقتصاديا بسبب الفساد، حتى إنه لم يعد ينظر إليها كنموذج نهضوي إسلامي، مؤكدا أن لجنة العمل الخاصة بتتبع الأموال المنهوبة في قضية الصندوق السيادي الماليزي لا تزال تعمل لاستعادة أكبر قدر ممكن من تلك الأموال البالغة نحو 35 مليار دولار".
بمستجدات الموقف الماليزي، تثار مخاوف من مصير يبدو أنه محتوم للإسلاميين بل وغيرهم، وكل من قرر أن يدخل عش الفاسدين، فعندما قرروا مواجهة الفساد الذي يتسبب بانهيار البلاد والتجارب التنموية الناجحة.
وذهب الحوار مع علي الظفيري، على قناة الجزيرة، عميقا إلى جوهر الأزمة، متخطيا الحديث عن الفساد إلى سوء الإدارة، وطرح حلولا تعتمد على الرؤية والحزم وتفعيل مؤسسات الدولة الرقابية، وألمح إلى تعفف عن المال العام، مشيرا إلى حالة ابنته كما كان الرئيس مرسي متعففا عن تقاضي راتب الرئاسة.
https://twitter.com/i/status/1633014290029453313
وبالإضافة إلى رئاسة الوزراء، يرأس أنور إبراهيم حاليا وزارة المالية حتى يتأكد من سير عمل الوزارة في محاربة الفساد واسترجاع الأموال، عوضا عن محاسبة المسؤولين على المشاريع العملاقة الهادرة للمال، والتي ليست على قائمة أولويات مشاريع التطوير.
وعن تشابه التجربة الماليزية مع الوضع الذي أوصله الانقلاب بمصر، إلى حد ما، كشف إبراهيم أن تمويلا بديلا للاختلاسات كان من الديون التي اقترضتها الحكومة الماليزية من البنك الدولي، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسبة الدين العام ليصل إلى ٨٠٪ من الناتج المحلي.
أنور إبراهيم والرئيس مرسي
وفي 17 يونيو 2019، قدم السياسي الماليزي البارز أنور إبراهيم التعازي لأسرة الرئيس د.محمد مرسي وشعب مصر.
واتفقا على أن أكبر مُعوق لحركة الاستقرار وحركة النُمو والتنمية والنهضة هو الفساد، وهو ما قاله الرئيس مرسي أن "أكبر معوق لحركة التنمية والنهضة هو الفساد، رشوه لأ محسوبية لأ فساد بظلم للناس لأ".
وأضاف الرئيس الشهيد في خطاباته أن "البعض يريد أن يفلت من العقاب يستخدم المال الذي اكتسبه من فساد لتحقيق هذا الغرض، وشدد على في آخر خطاباته "الله يشهد أني لم آل جهدا أو أدخر وسعا في مقاومة الفساد والإجرام، بالقانون مرة وبالإجراءات الثورية مرة، فأصبت وأخطأت، ولكني لم أخن فيكم أمانتي".
وكان قد تعهد بذلك وهو يقول "ولقد بذلت سني عمري في مواجهة إجرامهم، وسأبقى كذلك مادام في عمري بقية، سأصمد حتى أخر يوم في حياتي، حتى يعلم أبناؤنا أن آباءهم وأجدادهم كانوا رجالا لايقبلون الضيم ولاينزلون أبدا على رأي الفسدة، ولايعطون الدنية أبدا من وطنهم أو شرعيتهم أو دينهم".
وفي يناير الماضي قال موقع مجلة "زي إندبندت عربية" إن "حالة الانهيار الذي تقترب منه مصر منذ سنوات يعزوه الكثيرون إلى الفساد المستشري، وسوء إدارة السيسي الذي يسيطر على السلطة منذ عقد تقريبا بعد انقلابه الشهير في عام 2013 على الرئيس الراحل محمد مرسي" بحسب تقرير الصحيفة.
جهود أنور ابراهيم
وعن جهوده التي كانت عنوان برنامجه الانتخابي ومحور حملته، أشار إلى أن محاولات استعادة المال المختلس من الصندوق الماليزي، أسفرت إلى الآن عن استعادة ٥٠٪ من إجمالي المبلغ، ٣٥مليار دولار، والعمل على بناء سمعة الدولة من جديد.
الباحث السياسي والأكاديمي مهنا الحبيل لفته الحوار وصاغ مجموعة تغريدات، تستعرض تعليقه على ما قاله أنور إبراهيم، وقال "ركز د. أنور إبراهيم على الملف الاقتصادي واحتفظ بوزارة المالية الماليزية لديه في المرحلة الأولى المبكرة لحكومته واعتنى بملف الفساد واسترداد ما يمكن".
وعلق "لاحظ هنا كيف يدرك المفكر الإسلامي الماليزي حساسية الوضع المعيشي وتحسينه وأن الانشغال بالشعارات لن يحقق فرصة للنجاح ولا الرضا الشعبي، وأعلن أن ابنته المعروفة بسجلها السياسي وشراكتها في كفاح والديها لاسترداد الديمقراطية مستشارة له دون أي مقابل، ولن تأخذ دولارا من الخزينة العامة، ولا يزال التحدي كبير أمامه ولكنه يوطن لنجاحه بهدوء ويراعي توازنه مع أطراف عدة محلية ودولية، لحماية استقلال ماليزيا واستعادة نهضتها".
واعتبر أن مواقف د. أنور إبراهيم متوازنه جدا، وأفصح عن برنامجه العام، فأول هذه المواقف الذي تحقق له رصيدا لدى أمة الملايو وسحب ورقة المعارضة فيها، أن الحقوق الدستورية لن تمس فهي السر في بقاء ماليزيا وحمايتها من ابتلاع الصين".
وعبر حسابه على تويتر أضاف مهنا الحبيل "وفي ذات الوقت حرص على عدم خسارة الكتلة الاقتصادية القوية من الصينيين الماليزيين ومصالح ماليزيا مع بكين، وأكد أن التجاوزات التي تشكو منها الأقليات مكن لها الفساد واستغلال امتياز الملايو من الفاسدين، وهذا ما يمثل توازنا وطنيا دقيقا يحتاجه رئيس الحكومة".
وعن حيثية الفساد عالميا، أوضح أنه "في قضية الفساد يتبين لك الإرث الضخم لخسائر الشعب وهي دورة متكررة في بلدان عديدة، لكنها فضحت في كوالالمبور بسبب عودة المسار الديمقراطي وحضور القيم الإسلامية لدى أنور ليس مستغربا، لكنه لا يسوقه كخطاب شعبوي إنما واقع إصلاحي ودعم اجتماعي تعليمي، وهو السر في عودة ماليزيا المرجوة".
ورصت تقارير عن ماليزيا أن تصورات الفساد تزداد سوءا على الرغم من القضايا البارزة، وقالت منظمة الشفافية الدولية ومقرها ألمانيا إن "ماليزيا تراجعت للعام الثالث على التوالي في مؤشر الفساد العالمي".
وجمدت سلطات مكافحة الكسب غير المشروع الماليزية الحسابات المصرفية لحزب معارض بقيادة رئيس الوزراء السابق محي الدين ياسين وسط تحقيق قالت الجماعة الموالية للملايو إنها "محاولة لتدمير مصداقيتها، وقال أنور إبراهيم إن تحقيق لجنة مكافحة الفساد الماليزي يشمل حوالي ٣٠٠ مليون رينجت ٧٠,٧ مليون دولار تم العثور عليها في حسابات حزب بيرساتو".
وأبان رئيس الوزراء أنور إبراهيم أن ماليزيا لديها الخصائص والفرصة للتطور كدولة ديمقراطية مهمة، بالإضافة إلى كونها قوة اقتصادية ناجحة، لكن ماليزيا فشلت في القيام بذلك بسبب سوء الإدارة والفساد وإساءة استخدام السلطة.
وشدد على أن الجهود المبذولة لضمان الحكم الرشيد والقضاء على الفساد لن تتنازل عنها الحكومة، وأن كل مشروع تمت الموافقة عليه في الماضي يحتاج إلى تدقيق.
تعهدات الحملة الانتخابية
وتعهد رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، في حملته بتطهير الخدمة المدنية من القلة الفاسدة من الأشخاص الذين يصرون على طلب الرشاوى وقبولها، وقال إنه "يجب وقف الفساد عن مساره، مضيفا أنه لن يتردد في اتخاذ إجراءات ضد هذا العدد الضئيل من الموظفين العموميين، لأن عملهم يشوه صورة حكومة الوحدة".
كما تعهد في دعايته بقوله "لن أعين وزراء في حكومتي كمكافئات مقابل الدعم الذي تلقيته في الانتخابات، من دعمنا يجب أن يكون من أجل برنامجنا السياسي ولإدارة حكومة فعالة ضد الفساد، لن اشتري مركبة جديدة ولن يتم تجديد أثاث مكتبي للحفاظ على أموال دافعي الضرائب".
وتعهد في نوفمبر الماضي، بتوحيد البلاد ومحاربة الفساد، وقال أنور إبراهيم "ماليزيا لجميع الماليزيين" محاربة الفساد وكرر أنه لن يتقاضى راتبا في الوقت الذي يكافح فيه الماليزيون ارتفاع تكاليف المعيشة.
ووصل الزعيم الماليزي والسياسي المخضرم أنور إبراهيم رئيسا لوزراء ماليزيا بعد مسيرة سياسية حافة بالعطاء وبالصراعات والصعوبات والمكايدات، فقد تم تعرض لحملة تشويه ممنهجة وتم تلفيق تهم الفساد المالي والإداري له في 2004 ولما لم تؤثر فيه هذه التهمة لفقوا له تهمة الفساد الأخلاقي واتهموه بالشذوذ وأدخل السجن، ولم يتراجع بل واصل مسيرته السياسية، وهاهو اليوم يحكم ماليزيا وهو في سن الخامسة والسبعين عاما.
استعادة الأموال من الفاسدين
تزامنت تصريحات أنور إبراهيم الأخيرة مع كشف رئيس مفوضية مكافحة الفساد في ماليزيا عزام باقي إن البلاد استطاعت استعادة 70 % من الأصول والأموال المسروقة من الصندوق السيادي (1MDB) خلال السنوات الماضية.
وأضاف عزام أن آخر مستجدات استعادة تلك الأموال والأصول كان من خلال التسوية مع شركات في أبو ظبي لاستعادة أموال بقيمة 1.8 مليار دولار 8 مليار رنجيت بعد الاتفاق بين الحكومة وشركتي أبوظبي الدولية للبترول وآبار للاستثمار البترولي.
وبحسب كلامه فإن ماليزيا استرجعت حتى اليوم 28.93 مليار رنجيت من الأصول والأموال المسروقة من الصندوق السيادي.
وأكد عزام أن مفوضية مكافحة الفساد تضطلع بدور قيادي بين المؤسسات الحكومية لاستعادة جميع الأصول والأموال العائدة لصندوق (1MDB) وقال “لعبنا دورا محوريا في جهود استعادة الأموال وإجراء التحقيق وجلب المتورطين في فضيحة الصندوق ليمثلوا أمام العدالة”.
وتعمل مفوضية مكافحة الفساد عن قرب مع وزارة المالية لاستعادة جميع الأموال المسروقة، حيث أكد عزام أن وحدة مكافحة غسيل الأموال في المفوضية كان لها دور هام جدا طوال السنوات الماضية في استعادة الأصول والأموال.
وامتدح رئيس الوزراء أنور إبراهيم عمل جميع الوكالات الحكومية والمدعي العام ومفوضية مكافحة الفساد ونجاحهم في الوصول إلى التسوية مع أبوظبي لاستعادة 1.8 مليار دولار من أموال الصندوق السيادي.
وقال رئيس الوزراء “لقد تجاوزت الأموال التي قمنا باستعادتها التوقعات الأولية التي تقدمت بها قبل أسبوعين خلال طرح الميزانية أمام البرلمان، وكنت واثقا بأن الأمور ستكون أفضل من توقعاتي.”
وكشف رئيس الوزراء أمام البرلمان عن توقعات بوصول التسوية إلى مبلغ 1.5 إلى 1.7 مليار دولار أمريكي، وانتهى الأمر باستعادة 1.8 مليار دولار 8 مليار رنجيت إلى ماليزيا.