لغة الأرقام تؤكد أن الديكتاتور عبدالفتاح السيسي خلال عشر سنوات فقط، اقترض وحده ثلاثة أضعاف كل ما اقترضه حكام مصر السابقون على مدار المائة سنة الماضية؛ فقد بلغت جميع ديون مصر الخارجية نحو 43 مليار دولار حتى 30 يونيو 2013م، حين دبر السيسي وعصابة الجنرالات انقلاب 3 يوليو المشئوم نسفوا به المسار الديمقراطي وارتكبوا عشرات المذابح الجماعية واعتقلوا عشرات الآلاف من العلماء والدعاة إلى الله لا يزال نحو 60 ألفا مهم في السجون حتى اليوم في تهم سياسية بالغة التلفيق والافتراء.
ارتفعت الديون في 2014 26.1 مليار دولار، ثم 108.7 مليارات في 2019م، لتصل إلى 155.7 مليار دولار في سبتمبر 2022، تعادل 4.6 تريليونات جنيه بالسعر الرسمي، لكن حجم الديون الخارجية ارتفع إلى 162.9 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2022م؛ حسب وزارة التخطيط بحكومة الانقلاب(5.1 تريليونات جنيه)، مقابل نحو 154.9 مليارا في سبتمبر 22م؛ ما يعني أن السيسي اقترض نحو 8 مليارات دولار خلال ثلاثة شهور فقط في الربع الأخير من السنة الماضية. هذا التوسع في الديون يأتي في ظل توجهات حكومية معلنة باستهداف خفض معدلات الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهي التوجهات التي ظهرت في مشروع الموازنة الجديدة؛ في محاولة لخفض معدلات الدين من 96% إجمال الناتج المحلي الإجمالي إلى 93% بنهاية 2024م.
هذه القفزات الهائلة في معدلات الديون الخارجية تؤكد وجود انفلات حكومي واستسهال في الاستدانة، بخلاف قروض حصلت عليها هيئات وشركات حكومية، بضمان وزارة المالية، اقترضتها الحكومة في غياب الرقابة من المجالس التشريعية.
بلغة الأرقام فقد اقترضت حكومة السيسي نحو 17 مليار دولار عام 2022، بما يوازي 523.6 مليار جنيه، في مخالفة للدستور بمادته رقم 127 التي تنص على أنه "لا يجوز للسلطة التنفيذية الاقتراض أو الحصول على تمويل أو الارتباط بمشروع غير مدرج في الموازنة العامة المعتمدة، يترتب عليه إنفاق مبالغ من الخزانة العامة للدولة لمدة مقبلة، إلا بعد موافقة مجلس النواب"، لكن هذا النص جرى تعطيله وتجاوزا عمدا؛ لأن كل الديون تتم في غياب الرقابة البرلمانية وبمخالفة للدستور. وخلال العام الحالي (2023) لجأت حكومة الانقلاب إلى المزيد من الاستدانة واقترضت ما قيمته تريليون و523.6 مليار جنيه، لاستكمال موازنة عام 2022-2023، وسداد فوائد بقيمة 690.2 مليار جنيه، والكارثة أنها توجه الاقتراض بضمان الأصول المصرية المنتجة والمدرة للعملات الصعبة، بما يمثل خسارة كبيرة للثروات السيادية وحقوق الأجيال القادمة.
كل هذه الكوارث تتم في غياب كامل للشعب الذي جرى تقييده وتغييبه عمدا بفعل سياسيات القمع والإرهاب والقهر، تتم كل هذه الكوارث دون دراسات جدوى ودون معرفة لأهميتها والعوائد المتوقعة منها، والتدفقات المالية التي يمكن أن تساهم في سدادها، كما تحصل عليها الحكومة بشروط مجحفة تدفع إلى تعويم الجنيه وتقليص الدعم ودور الدولة في السيطرة على الأسواق، وتخفيض الإنفاق على التعليم والصحة.
الأزمة كبيرة والنظام بكل مسئوليه وحكومته ومستشاريه معدوم الكفاءة ويفتقر إلى الأمانة والاحترافية وتزداد المشكلة تفاقما وسط توقعات لصندوق النقد الدولي بوجود عجز في موارد العملة الصعبة يقدر بنحو 18 مليار دولار سنويا حتى عام 2026. ويضغط الصندوق من أجل دفع نظام السيسي نحو المزيد من الخصخصة وبيع أصول الدولة؛ وفق مخطط لبيع أصول وشركات عامة (ملك الشعب) بقيمة 40 مليار دولار على الأقل خلال 4 سنوات، مقابل تعهد من الحكومة بعدم اللجوء إلى المزيد من القروض، ليضمن سداد مستحقاته المتراكمة منذ بدء تعويم الجنيه عام 2016، فاقت 27 مليار دولار، والتزام الحكومة بسداد ودائع دول الخليج بالبنك المركزي بقيمة 28 مليار دولار عام 2026م.
من جهة أخرى فإن هذه القروض التي حصل عليها السيسي في ديسمبر 2022 هي التي مكنت النظام من الإفراج عن البضائع المتراكمة بالموانئ التي بلغت قيمتها نحو 14 مليار دولار في يناير الماضي 2023م، حيث أفرجت عن 80% من البضائع خلال شهر، ولم تظهر في التعاملات البنكية إيرادات بالدولار، إلا 950 مليون دولار، وهو ما أحدث دهشة لدى المراقبين، الذي شغلتهم التسهيلات البنكية دون متابعة التدفق المفاجئ للعملات الأجنبية. فمن أين حصلت الحكومة على هذه القروض؟
جاءت هذه القروض عبر إصدار الحكومة صكوكا سيادية بقيمة 1.5 مليار دولار، كما حصلت على الدفعة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي وتننظر الدفعة الثانية خلال أيام، بالإضافة إلى قرض للتنمية المستدامة من الصندوق بقيمة 1.3 مليار دولار، وتمويل من البنك الإسلامي للتنمية لشراء القمح والمنتجات البترولية بقيمة ملياري دولار، وإتمام صفقات بيع الأصول العامة تقدر حصيلتها بنحو 2.3 مليار دولار قبل يوليو 2023، مقابل التزامها بسداد 9 مليارات دولار مستحقة السداد خلال عام 2023، لسداد فوائد وأقساط ديون، والحاجة الماسة لنحو 41 مليار دولار لتغطية العجز في الحساب الجاري.
على حكومة الانقلاب أن تتوقف فورا عن المشروعات العبثية الدعائية غير الإنتاجية التي تقوم على الاقتصاد الريعي مثل المدن الجديدة وغيرها، وضرورة ترشيد الاقتراض ليكون في حالة الضرورة فقط؛ فميزانية الدولة باتت لا تحتمل المزيد من فوائد خدمات الدين، التي تبتلع نحو 60% من مصادر الموازنة العامة حاليا، دون أن تقدر على دفع الدين نفسه. فالدولة أصبحت مجبرة على الاعتماد على مواردها الذاتية في دعم الأنشطة الإنتاجية، وعند الضرورة يمكن الاقتراض لمشروعات إنتاجية فقط تحتاج إلى مستلزمات إنتاج تدر عائدا بالدولار من عوائد التصدير بما يضمن سداد هذه القروض من جهة وردم الفجوة بين الصادرات والواردات من جهة أخرى.
أحد أهم المشكلات أن هذه القروض موجهة لمشروعات دعاية للنظام غير إنتاجية وغير ربحية ولا تدر عائدا على المديين القصير والمتوسط بما يجعلها عبئا على السياسة المالية. وعبئا على الأمن القومي للبلاد لأنه تجعل البلاد رهينة شروط الدائنين ووصايتهم بما يحد من السيادة الوطنية والقرار الوطني.
الخلاصة أن الاستمرار في سياسات التوسع في الاقتراض وتوجيه الأموال إلى مشروعات دعائية غير إنتاجية في ظل تزايد معدلات الفقر وتآكل قيمة العملة المحلية هي وصفة لتدمير البلاد وتخريب ما تبقى منها والمتهمون هم الحكومة بكل مؤسساتها ورموزها وشخصياتها على رأسهم جنرال الانقلاب وشلته. فقد أدت هذه السياسات إلى تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي لصالح مشروعات دعائية عبثية كأكبر مسجد وكاتدرائية وأوسع طريق وأطول كوبري بينما يزيد الاعتماد على الخارج بتبعاته الاقتصادية والسياسية بما يمثل أكبر تهديد للأمن القومي للبلاد.