الاتجاه إلى إلغاء الدعم مبدأ ثابت تسير عليه حكومة الانقلاب، خضوعا لإملاءات صندوق النقد الدولي في إطار ما يسميه الإصلاح الاقتصادي، وذلك دون اعتبار للفئات الفقيرة التي تزايدت أعدادها بصورة كبيرة في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي، حيث يعيش أكثر من 70 مليون مصري تحت خط الفقر وفق بيانات البنك الدولي .
في هذا السياق تعلن وزارة تموين الانقلاب في كل مرة ترتفع فيها أسعار صرف العملات الأجنبية أمام الجنيه عن زيادة في أسعار السلع التموينية، حتى أصبح الدعم لا يكفي لسد احتياجات مستحقيه، فيضطرون إلى شراء باقي احتياجاتهم بأسعار مرتفعة للغاية.
تقليص الدعم وزيادة أسعار الكهرباء والوقود أثار تساؤلات الكثيرين عن جدوى وأهمية الدعم التمويني ، خاصة وأن نظام صرف السلع أصبح يتغير كثيرا بعدما كان ثابتا وله معايير محددة، ما يؤدي في النهاية إلى إلغائه.
وطالب البعض بالعودة إلى نظام الصرف القديم، من خلال تحديد كميات معروفة لكل فرد على البطاقات التموينية، بدلا من ذهاب المواطن إلى بقالي التموين وشراء أي سلع بقيمة 50 جنيها للفرد، وهو ما يعني فعليا تخفيض الدعم وليس زيادته، لأن أسعار السلع تزيد بين الحين والآخر، مع ثبات هذا المبلغ.
السلع الأساسية
من جانبه قال الخبير الاقتصادي علي الإدريسي عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، إن "الهدف الحقيقي لتخصيص مبالغ لدعم السلع التموينية هو توفير الحد الأدنى من المعيشة لمحدودي الدخل والفقراء".
وأضاف «الإدريسي» في تصريحات صحفية أن هذا الحد الأدنى يتمثل في توفير السلع الأساسية مثل الزيت والسكر والأرز وليس السلع الترفيهية، مشيرا إلى أن زيادة المخصصات المالية للسلع التموينية أو انخفاضها ليس القضية ، وإنما القضية الأساسية هل دولة العسكر توفر السلع الأساسية لمحدودي الدخل والفقراء أم لا".
وأوضح أنه إذا قلت كميات هذه السلع نكون قد خفضنا الدعم لهذه الأسر والعكس صحيح، لأن المواطن الذي يتوجه إلى بقال التموين يشتري سلعا ولا يحصل على أموال، وما يهمه في المقام الأول والأخير هو العودة بسلع يضعها في منزله وليس قيمة أموال الدعم، مؤكدا أن المواطن مش فارق معاه فلوس الدعم زادت ولا قلت المهم عنده أنه كان بيأخد 2 كيلو من سلعة معينة فلما يروح الشهر اللي بعده يأخذ نفس الكمية وملوش دعوة الفلوس زادت ولا قلت.
وأشار «الإدريسي» إلى أن حكومة الانقلاب تعلن عن رفع مخصصات السلع التموينية في الموازنة كل عام، لكن على أرض الواقع كميات السلع التي يحصل عليها المواطن تنخفض، ولذلك محدود الدخل لن يستطيع شراء باقي احتياجاته من السلع من السوق الحر، لأن الفارق بين سعر السلعة في التموين والسوق كبير، معتبرا أن هذه الزيادة في المخصصات لا تفيد الموطن في شيء.
المستفيد الحقيقي
وأوضح أن فاعلية برامج الحماية الاجتماعية والدعم التموينى على وجه الخصوص لابد أن يتم توضيح أثره ونتيجته على السوق، لكن تعديل الميزانيات والمخصصات دون النظر إلى جدوى هذه المخصصات وعائدها على المواطن يعتبر إشكالية كبيرة، وبالتالي لابد أن يتم إعادة النظر في أوجه الإنفاق الذي يتم في دعم السلع التموينية، لأن هناك سلاسل وحلقات متعددة من المستفيدين بين وزارة تموين الانقلاب والبقالين حتى تصل السلعة إليهم تتنوع ما بين قطاع عام وقطاع خاص وكل حلقة منهم تريد تحقيق أقصى ربح ممكن، وفي النهاية المستفيد الحقيقي من الدعم وهو المواطن لا يستفيد به، لأن السلعة ترتفع أسعارها بسبب هؤلاء المستفيدين.
وانتقد «الإدريسي» مزاعم تموين الانقلاب بأنها توفر 25 سلعة على البطاقات التموينية، مشددا على ضرورة توفير السلع الأساسية فقط مثلما كان يحدث في الماضي وهي السكر والأرز والزيت والمكرونة، بحيث يتم التركيز عليها وتكون أسعارها في المتناول بدلا من تشتيت الدعم في 25 سلعة، لأن دولة العسكر ليست محل بقالة وإنما دور وزارة تموين الانقلاب هو توجيه الدعم للمستحقين وتحديد كميات معينة لكل فرد شهريا، بحيث يعلم الفرد كمية الدعم الموجه له بدلا من التشتت الموجود حاليا في المنظومة التموينية .
وأضاف، المواطن عندما يعرف أن له كيلو سكر وكيلو رز وزجاجة زيت كل شهر أحسن من إننا نقوله ليك 50 جنيها دعم خد بيها اللي أنت عاوزه.
وطالب «الإدريسي» وزارة تموين الانقلاب في ظل الارتفاع الشديد في الأسعار حاليا أن توجه الدعم إلى سلع محددة وتحدد الكمية الخاصة بكل فرد لا يقل عنها أو يزيد من السلع الأساسية فقط، بحيث تستطيع تحديد سعر السلعة بشكل دقيق وتراقب توفير هذه السلع بسهولة، بدلا من تشتيت جهودها في 25 سلعة لا يستفيد منها المواطن.
وشدد على ضرورة المراجعة المستمرة للمستفيدين من الدعم التموينى لأن هناك عددا كبيرا يصرف الدعم ولا يستحقه وهناك أعداد كبيرة تستحق الدعم ولا تصرفه، مع ضرورة مراجعة الحلقات المستفيدة من الدعم التمويني واقتصارها على التعامل المباشر بين تموين الانقلاب والبقالين.
أسعار البترول
وقالت الدكتورة عالية المهدي، عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة سابقا: إن "حكومة الانقلاب لم تعد تدعم الوقود لأن الأسعار الموجودة حاليا أعلى من السعر العالمي، وبالتالي هي لا تدعم المستهلك سواء كان صناعة أو زراعة أو أفرادا أو قطاعا عائليا".
وأضافت «عالية المهدي» في تصريحات صحفية أن ما يعلن عن زيادة مخصصات دعم المواد البترولية في الموازنة العامة أمر يخص حكومة الانقلاب، ونحن لسنا مضطرين إلى تصديق تصريحات المسئولين الحكوميين في كل شيء، لأن الواقع يقول إن أسعار البترول في تراجع ولم نر طوال الفترات الماضية التي انخفض فيها السعر العالمي أي انعكاس لذلك على مصر أو تخفيض الأسعار فيها.
وأكدت أنه خلال العشر سنوات الماضية لم نشهد أي انخفاض لأسعار الطاقة في مصر، رغم أن الأسعار العالمية كانت ترتفع أحيانا وتنخفض بشدة أحيانا أخرى، مثلما حدث خلال جائحة كورونا ووصل برميل النفط إلى 20 دولارا، ورغم ذلك لم نر انخفاضا في الأسعار محليا.
وأوضحت «عالية المهدي» ، أن عدم تخفيض أسعار الطاقة في مصر سببه الرئيسي هو احتياج حكومة الانقلاب للأموال، وهي تجد فى الطاقة بندا تستطيع من خلاله جمع أكبر قدر من المال لسد احتياجاتها المالية، ولذلك حتى نشعر بوجود دعم حقيقي للمواد البترولية في مصر يجب على حكومة الانقلاب أن تخفض الأسعار.
المنتجات المصرية
وكشفت أن حكومة الانقلاب تضع سعر البرميل في الموازنة عند 90 دولار وهو في الواقع انخفض إلى ما دون 80 دولار، ورغم ذلك ما زالت الأسعار في مصر ترتفع ولا تنخفض، ولذلك فهي تحمل المواطن ما لا طاقة له به، ولذلك لا يجب أن تخرج علينا حكومة الانقلاب وتزعم أنها تدعم المواد البترولية .
وحذرت « عالية المهدي» من أن تأثير ارتفاع أسعار المواد البترولية لا يقتصر على المواطن فقط، وإنما على الاقتصاد بشكل عام، لأنه يقلل من تنافسية المنتجات المصرية وقدرتها على التصدير للأسواق الخارجية، لأن المصانع تشتري الطاقة بأسعار مرتفعة مقارنة بكل الدول المجاورة لمصر، ولذلك أسعار السلع الزراعية والصناعية المنتجة في مصر ستكون أعلى من مثيلاتها في الدول الأخرى، وبالتالي لن تستطيع المنافسة في السوق العالمي.
وطالبت حكومة الانقلاب بضرورة إعادة التفكير في مسألة تسعير الطاقة وبيعها للمصانع بأسعار أقل من السعر العالمي وليس بالسعر العالمي، لأن السعر العالمي يدخل في نطاقه تكاليف الشحن والنولون والتأمينات وغيره، في حين أننا ننتج محليا كميات كبيرة ونتحمل فقط تكاليف التكرير، مطالبة بضرورة بيع الطاقة بأسعار أقل من السعر العالمي، مع مراجعة هيكل تكاليف وتسعير الطاقة في مصر لكل القطاعات حتى نرفع العبء على الصناعة والزراعة والأفراد وكل القطاعات المنتجة.