الجريمة التي ارتكبها ضابط جيش في تجمع "مدينتي" السكني الذي يملكه رجل الأعمال المقرب من السلطة هشام طلعت مصطفى في إجازة عيد الأضحى المبارك، حين دهس بسيارته الفخمة أسرة كاملة (جيرانه) فأسفر عن مقتل الزوجة وإصابة الزوج والأبناء الثلاثة وأحد الأطباء الذين كانوا ضيوفا على الضحايا، هذه الجريمة استفزت قطاعات مصرية واسعة.
وساهم التعتيم الإعلامي على الجريمة في زيادة منسوب الغضب الشعبي؛ ذلك لأن منظومة الظلم في مصر تنظر حاليا إلى خلفية الجاني المتهم قبل النظر في طبيعة الجريمة ذاتها؛ فإذا الجريمة وحشية وفاعلها يستحق الإعدام فإن كان مرتكبها ضابطا فإن الأمور تختلف وقد يحصل في النهاية على البراءة أو حكم مخفف. بينما هناك فئات مصرية تعتلق وتسجن لعشرات السنين دون تهمة فعلوها فقط لمجرد انتمائهم السياسي أو الفكري أو الديني؛ فالذين ينتمون للإخوان مثلا معرضون للقتل والاعتقال ظلما لعشرات السنين لمجرد أنهم إخوان. أما ضباط الجيش والشرطة فمهما ارتكبوا من جرائم وانتهكوا من حرمات فإن إفلاتهم من العقوبة هو السيناريو المحتمل في أكثر الأحيان.
ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات الغاضبة، وانتقد مغردون خلال الأيام الثلاثة التي تلت الجريمة الغياب الكامل لأي بيانات من الشرطة أو النيابة عن تفاصيل الحادث ودوافعه، أو من منتجع "مدينتي"، وتعتيم وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الأجهزة السيادية، وتعمد عدم ذكرها وظيفة المتهم، والتلميح لعدم معاقبة الضابط، أو محاباته من قبل جهاز الشرطة والقضاء، نظرا لطبيعة عمله، إلى أن أصدر المتحدث العسكري للقوات المسلحة بيانا بإحالة الضابط للطبيب لمحاكمة عسكرية بعد الحادث بأيام.
كما زاد من غضب المواطنين أن موقع "القاهرة 24" الذي نشر الخبر لم يشر مطلقا إلى وظيفة المجرم ولم يشيروا إلى أنه ضابط برتبة نقيب، كما انتقدوا التعميم الإعلامي المفروض على الجريمة رغم بشاتها بناء على خلفية الجاني لأنه ينتمي إلى أحد الأجهزة السيادية؛ وما يؤكد ذلك أن الموقع حذف الخبر بعد نشره بسبب مثل هذه التعليقات الجريئة.
من جانب آخر تؤكد الجريمة غياب العدالة واختلال توازنات المجتمع؛ وهناك شكوك كبيرة متجذرة في عقول المصريين أن هذا المجرم لن ينال العقاب المستحق (الإعدام شنقا)، ببساطة لأنه ينتمي إلى إحدى مؤسسات القوة في البلاد (الجيش)، تماما كما حدث مع الضابط الطيار الذى اعتدى على ممرضات مستشفى قويسنا بمحافظة المنوفية في ديسمبر 2022م؛ ما أسفر عن إصابة الممرضات وإجهاض إحداهن جنينها بسبب الضرب المبرح الذي تعرضت له من الضابط وأسرته، وخطف الهواتف أثناء تصوير الجريمة لمنع توثيقها ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي بزعم رفض الطاقم العناية بقريبة الضابط البلطجي وأسرته. حيث تمت تبرئة الضابط المجرم (نقيب طيار) بحكم من المحكمة العسكرية في يناير2023م، في حين كان يجب أن تحال القضية إلى القضاء العادي وليس القضاء العسكري لكون الواقعة جرت بعيدا عن اختصاص القضاء العسكري والضحايا مدنيين، لكن القضاء العسكري برأ الضابط كما هو معتاد.
بعض النشطاء قارنوا بين ما يجري حاليا مع الضابط المجرم وما جرى مع أحد الجزارين علق جزارته على أحد أعمدة مرفق قطار المونوريل فتم ضبطه وضبط سيدة تعمل معه واثنين آخرين وجميعهم من القاهرة كما تمت مصادرة جميع المعدات (السكاكين ـ الترابيزة ـ الأواني والأطباق ـ اللحمة نفسها) وتم تغريمه 120 ألف جنيه كتعويض عن تلفيات رغم أنه لم يفعل شيئا سوى تعليق جزارته على أحد الأعمدة!
من جانب رابع، أظهرت ملابسات الحادث أن الضابط المتهم طبيب برتبة نقيب في الجيش، ويقطن في فيلا فاخرة يتراوح ثمنها السوقي ما بين 25 مليون جنيه و30 مليوناً (الدولار = 31 جنيهاً تقريباً)، على الرغم من أن راتبه في المؤسسة العسكرية لا يتعدى 20 ألف جنيه شهرياً في أفضل الأحوال (بحكم رتبته).
الرسالة الأهم في هذه الجريمة أن المنتسبين للمؤسسة العسكرية (الضباط على وجه التحديد) يتعاملون مع باقي فئات الشعب بمنطق الاستعلاء؛ فهم السادة والشعب قطيع من العبيد؛ وإذا كان الجنرالات ينظرون إلى مصر كلها كإقطاعية عسكرية لا يحكمها إلا جنرال، وفي سبيل فرض وصايتها على الوطن والشعب فهي على استعداد لعمل أي شيء وارتكاب أي جريمة؛ قتلوا آلاف المصريين وتم تموثيق ذلك بعشرات ومئات الكاميرات والفضائيات ورغم ذلك لم يحاكم ضابط واحدعلى كل هذه الجرائم الوحشية. وهذا الضابط البلطجي ما فعل ذلك إلا لثقته المطلقة بأنه من سادة هذا الشعب الذي لا يصلح معه إلا الحديد والكرباج، كما أنه لم يجرؤ على ارتكاب مثل هذه الجريمة البشعة إلا لثقته المطلقة في انه مسنود ولن يقدر عليه أحد.
فهذا الضابط وغيره من الضباط عاينوا بأنفسهم كيف سطا الجيش على الحكم بأدوات العنف والإرهاب والبلطجة؛ فترسخ في وجدانهم أن البلطجة هي السبيل لتحقيق أي شيء؛ فعل ضابط ذلك مع ممرضات مستشفى قويسنا في ديسمبر 2022 وبرأته المحكمة العسكرية، وفعل ذلك هذا الضابط المجرم وتسعى أجهزة الدولة وآلتها الإعلامية إلى إفلاته من العقوبة المستحقة بالزعم أن الحادث مجرد حادث سير ولم يكن متعمدا.