كشفت الموازنة العامة الجديدة 2023/2024 عن سيطرة عصابة العسكر على الجزء الأكبر من هذه الموازنة وتوجيهها لما تسميه بالجهات السيادية التي تدعم الانقلاب وتحافظ على استمراره، وذلك على حساب احتياجات المواطنين من مأكل ومشرب وصحة تعليم وعلاج …إلخ.
الموازنة الجديدة تأتي ضمن الخطة غير المعلنة لنظام الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي والتي تعمل على تجويع الشعب المصري وتجهيله حتى لا يعرف حقوقه وحتى لا يفكر في الثورة على هذا الانقلاب الدموي الإجرامي .
كانت الموازنة الجديدة قد أثارت انتقادات المواقع الصحفية الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، احتجاجا على تراجع الاستحقاقات الدستورية الخاصة بالإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي في موازنة 2023/2024.
مزاعم الانقلاب
في المقابل زعم المركز الإعلامي بمجلس وزراء زعم أن ما أثير بشأن تراجع مخصصات الإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم في الموازنة الجديدة غير صحيح، مشيرا إلى أن الأرقام الواردة التي تضمنتها الموازنة تشير إلى عكس ما يتم ترديده في منصات التواصل الاجتماعي، وأن دولة العسكر ماضية قدما في زيادة تلك المخصصات عاما بعد آخر وفق تعبيره.
وقال المركز في بيان له: إن "مخصصات القطاع الصحي للعام المالي الجديدة زادت بنسبة 30.4%، لتصل إلى نحو 397 مليار جنيه، مقارنة بـ304.5 مليار جنيه خلال العام المالي 2022/2023، أما مخصصات قطاع التعليم الجامعي وقبل الجامعي، فوصلت إلى 591.9 مليار جنيه مقارنة بـ476.1 مليار جنيه خلال السنة المالية 2022/2023 وذلك بزيادة قدرها نحو 24.3%، كما ارتفعت مخصصات البحث العلمي بنسبة 17.5%، لتصل إلى نحو 99.6 مليار جنيه، مقارنة بـ84.8 مليار جنيه خلال العام المالي الماضي" بحسب البيان .
أرقام مضللة
مزاعم حكومة الانقلاب قد تكون صحيحة على الورق فقط، لكن لغة الأرقام تؤكد أنها مضللة وذلك وفق معيارين، الأول خاص بقيمة المخصصات الفعلية، ما كانت عليه وما وصلت إليه، فعلى سبيل المثال حجم المخصصات الخاصة بقطاع الصحة عام 2012/2013 كان نحو 32.7 مليار جنيه 5.3 مليار دولار بسعر الدولار 8 جنيهات في المتوسط، أما في موازنة 2022/2023 فبلغت 128.1 مليار جنيه (3.2 مليار دولار بسعر الدولار 40 جنيها في المتوسط) في تراجع قيمته تزيد على 40% عما كان عليه قبل عشر سنوات.
وفيما يتعلق بالتعليم، كانت المخصصات عام 2018/2019 نحو 122.9 مليار جنيه (6.8 مليار دولار حينه بسعر الدولار 18 جنيها في المتوسط) فيما وصلت خلال موازنة العام الماضي 192.7 مليار جنيه (4.8 مليار دولار بسعر الدولار 40 جنيها في المتوسط) ما يعني تراجع قيمته بأكثر من 30% عما كان عليه قبل خمس سنوات.
ويكشف المعيار الثاني تزوير حكومة الانقلاب للبيانات الواردة بشأن عدم تراجع المخصصات للقطاعين خلال الموازنة الحالية، حيث لجأ مجلس وزراء الانقلاب إلى توسيع مجال تغطية قطاع الصحة والتعليم في الخدمات المقدمة ليشمل أمورا أخرى لم تكن موجودة من قبل، لكن تم الزج بها لمضاعفة الأرقام المخصصة، حيث تم تبني تعريفات فضفاضة سمحت باعتبار الإنفاق على الصرف الصحي ضمن الإنفاق على القطاع الصحي، وفق ما أكده مصدر مسئول بحكومة الانقلاب .
المؤسسات التابعة
وقال المصدر: إن "التعريف الجديد للإنفاق على القطاعين تضمن أيضا إنفاق الهيئات الاقتصادية والشركات الخاصة عليهما، وليس فقط الموازنة الرسمية التي تقرها دولة العسكر فمثلا في مجال الصحة توسع المفهوم ليشمل إنفاق المؤسسات التابعة لوزارة صحة الانقلاب، بالإضافة لجهات أخرى تقدم خدمة صحية من قبيل مستشفيات الشرطة والدفاع والأزهر والتأمين الصحي الشامل، كما أضيف إلى حجم الإنفاق كذلك نصيب قطاعات الصحة والتعليم من أعباء فوائد الديون، باعتبارها استفادت من تلك الديون".
وأشار إلى أنه لهذا السبب جاءت الازدواجية، فوفق بيانات حكومة الانقلاب فإن مخصصات قطاع الصحة وصلت إلى نحو 397 مليار جنيه، والتعليم إلى نحو 591.9 مليار جنيه، ما يمثل 3.35% و4.99% من الناتج المحلي على الترتيب، موضحا أنه وفق التعريف التقليدي الرسمي الذي أقره الدستور بعيدا عن الإضافات الفضفاضة الأخيرة، فإن مخصصات الصحة بلغت 147 مليار و864 مليون جنيه ، مقابل 229 مليار و891 مليون جنيه للإنفاق على التعليم، ما يمثل 1.25% و1.94% من الناتج المحلي، وهي أقل من النسبة التي أقرها الدستور البالغة 3% للصحة و6% للتعليم.
البنك الدولي
وكشف البنك الدولي تضليل حكومة الانقلاب في تقرير صادر عنه يوثق تراجع الإنفاق على التعليم، محذرا من مغبة ذلك على الأداء العام لهذا القطاع بصفة عامة، حيث نقص أعداد المعلمين والفصول، ما يضع المنظومة برمتها تحت ضغط كبير سيقود في النهاية إلى نتائج سلبية .
وطالب البنك الدولي بمراجعة الإنفاق العام في مصر لقطاعات التنمية البشرية بصفة عامة، وعلى الأخص قطاعي التعليم والصحة، مؤكدا تردي مستوى التعليم وأن مخصصات قطاع التعليم في مصر لا تفي بمتطلبات العملية، ما ينعكس على مؤشرات الأداء العام .
الجهات السيادية
في مقابل تراجع مخصصات التعليم والصحة تضمنت الموازنة زيادة اعتمادات بند الأجور المخصص للجهات السيادية (وزارة الدفاع وجهازي المخابرات العامة والحربية) بجانب مجلسي السيسي للنواب والشيوخ، بنسبة 18.2% لتمويل الزيادة المقررة في أجور العاملين، حيث بلغت 145 مليارا و83 مليون جنيه مقابل 122 مليارا و700 مليون جنيه في موازنة 2022-2023 بزيادة قدرها 22 مليارا و383 مليون جنيه.
كما زادت الاعتمادات المخصصة لقطاع النظام العام وشؤون السلامة العامة (الشرطة والسجون ووزارتي الداخلية والعدل بحكومة الانقلاب والهيئات القضائية ودار الإفتاء) إلى 105 مليارات و564 مليون جنيه بدلًا من 95 مليارا و502 مليون جنيه في موازنة العام الماضي، بزيادة 10 مليارات و62 مليون جنيه، وبارتفاع نسبته 10.5%"، علما بأن موازنة العام الماضي شهدت عجزا كليا بلغ نحو 484.4 مليار جنيه، بنسبة 6.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
فوائد الديون
وكشف الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أن مخصصات أقساط وفوائد الدين الحكومي سيطرت على النسبة الكبرى من الموازنة، حيث بلغت تريليونين و436 مليار جنيه من إجمالي إنفاق بلغ 4 تريليونات و349 مليار جنيه، مؤكدا استحواذها على نسبة 56% من إجمالي الإنفاق موزعة بين 30.3% للأقساط و25.8% للفوائد .
وقال الولي في تصريحات صحفية: إن "المواطنين لا يحصلون من الموازنة إلا على 44% منها فقط، مقسمة على أبواب الموازنة الست (13.5% للاستثمارات الحكومية و12.2% للدعم و10.8% لأجور العاملين في حكومة الانقلاب و3.3% لنفقات الجيش والبرلمان ومجلس الشيوخ والاشتراك في المنظمات الدولية و3.2% لشراء السلع والخدمات للجهات الحكومية و1% للمساهمات الحكومية في الهيئات والشركات القابضة المتعثرة" .