فتاوى شاذة ومثيرة للأسف.. كيف تحولت دار الافتاء إلى مسرح أراجوزات؟!

- ‎فيتقارير

بين فترة وأخرى تطل علينا دار الإفتاء السيسية (المصرية سابقا)، بفتوى مثيرة للدهشة والغرابة؛ أو فتوى تؤدي إلى انكشاف ضعف وضآلة الدار في العلوم الشرعية ومبادي وأسس الفتوى في الإسلام. آخر هذه الفتاوى منشورات للدار على صفحتها الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي في أعقاب إجازة عيد الأضحى المبارك؛ حيث نشرت تدوينة  بشأن حكم مقولة “اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع”.

جاء في تدوينة دار الإفتاء “المقولة المذكورة هي مَثَلٌ سائر على ألسنة المصريين، يعبّر عن القيم الحضارية العملية المترجمة للأوامر الشرعية، التي تُلزمُ المسلمَ بترتيب أولوياتِه وفق مقتضى الحكمة”. وأضافت “هي تفيدُ بظاهرها أنه لا صدقةَ إلا بعدَ الكفاية، بمعنى أنَّ بناء الإنسان مقدَّمٌ على البنيان، وأن المرءَ مُطالبٌ بالإنفاق في مصارف الخير المتعددة من إعمار المساجدِ ورعايةِ الفقراء والمساكين”.

منشور الدار أثار  حالة واسعة من الجدل؛ لا سيما على التفسير غير الدقيق لمعنى المقولة، التي يعود أصلها إلى مهنة “جامع الضرائب”، وليس الجامع أي المسجد. فأصل المقولة يعود إلى امتناع البعض عن سداد الضرائب لجامعي الجبايات، نظرًا لسوء حالتهم المعيشية، فجاءت مقولة ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع أي جامع الضرائب.

لكن الدار انساقت وراء  تفسير لا علاقة له بأصل المثل ربما تهربا  من إغضاب السلطة والراجح أنه تعبير عن مدى جهل القائمين على الفتوى في دار الإفتاء وضآلة قامتهم العلمية والفقهية فهم أصلا لا يعلمون أن القصود بالجامع هنا (هيئة الضرائب المصرية) وليس الجوامع ( بيوت الله)! لا سيما وأن نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي يعاني من أزمة مالية خانقة  وتمثل الضرائب نحو 80% من موارد خزانة الدولة وفقا لأرقام الموازنة المصرية الحالية (2023/2024).

 وتعليقًا على ما نشرته دار الإفتاء، غرد شوقي “لماذا تنحدرون في مستوى التوعية! إن تبسيط المستوى اللغوي للناس، لا يتعارض مع الحفاظ على القيم الدلالية للأمثال أو المأثورات، بما يحافظ على التراث الثقافي للشعب، والقصدِ التوعوي المرغوب”. وقال صاحب هذا الحساب “بالبحث في عم جوجل من باقة بعشرين جنيه، هو جامع الضرائب حضراتكم”.

 

بطلان صلاة العيد

وخلال صلاة عيد الأضحى التي بثها التلفزيون المصري بحضور زعيم الانقلاب السيسي وكبار رجال النظام وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب ومفتي الديار المصرية شوقي علام ووزيري الأوقاف مختار جمعة وغيرهم نسي الإمام قراءة الفاتحة في الركعة الثانية.  المشكلة ليست في السهو فهذا أمر يحدث لا وإشكال فيه وله أحكام مقررة في كتب الفقه  توضح متى يجب سجود السهو ومتى تبطل الصلاة،  لكن المشكلة في أن الإمام أخطأ وكل الذين من خلفه لم يجرؤ أحد أن يصحح له خطأه! ربما لم يجرؤ أحد على رفع صوته بحضور زعيم الانقلاب وإلا  ظن الحرس الجمهوري في ذلك مؤامرة وقاموا بتصفية مصدر الصوت، لكن الرسالة واضحة  كل الوضوح  فمصر تحت حكم العسكري لا مجال فيها لتصحيح الخطأ حتى لو كان واضحا وعظيما بضخامة الهرم الأكبر؛ وهذا مؤشر على مدى الانحطاط  والانهيار وقد يكون مؤشرا على مدى تفشي الرعب والخوف. وربما سكتوا اختبارا للسيسي والذي يتباهى باستمرار بعلو قامته في علوم الدين والدنيا وطالما كان يردد على نفسه (ففهمناها سليمان) في إشارة إلى دقة فهمه لأمور الدين والدنيا!

 

الأضحية بالتقسيط!

وفاجأت دار الإفتاء المصريين والعالم بفتوى شبيهة تكشف عن ضآلة في العلم وفساد في التصور وغياب عن الواقع؛ حيث أجازت الدار قبل عيد الأضحى 1444 هــ جواز شراء الأضحية بالتقسيط أو الثمن المؤجل؛ الأمر الذي أثار موجة من الجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي. ففي منشور لدار الإفتاء المصرية على فيسبوك، أجازت الدار شراء الأضحية بالتقسيط أو الثمن المؤجّل، ردًّا على سؤال: هل يجوز الاقتراض من أجل الأُضْحِيَّة وإذا فعل ذلك هل تجزئه؟ وأجابت دار الإفتاء بأن الأُضْحِيَّة سُنَّة في حقِّ المستطيع فقط، ولكن مَن اشترى أضحيته بالتقسيط أو الثمن المؤجَّل لأجلٍ معلوم وضحَّى بها؛ أجزأه ذلك. وعلق أبو الحسن الشافعي على فتوى الدار: “التعبير بـ(أجزأه) ليس فيه احتراف في الفتوى، لأن (أجزأه) يقال فيمن استفتى عن جواز فعل لاستيفاء واجب أو فريضة، وهنا المستفتي ليس عليه واجب أو فريضة، من جهتين الأولى أنها سنّة مؤكدة وتركها ليس إثمًا، والثاني أنه لا يملك شيئًا، وغير المالك تسقط عنه الفريضة، ويعفَى من السنة من باب أولى”.  بينما رأى آخرون أن فتوى الدار هي تسويق للنزعة الاستهلاكية  وإيقاع المواطنين في فخ (التمويل الاستهلاكي) الذي لا تستفيد منه سوى البنوك وشركات كبرى متخصصة؛ وهو سلوك له عواقب اقتصادية وخيمة حيث يسهم في زيادة الطلب وقلة المعروض وبالتالي ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات التضخم.

 

الاقتراض بالربا  لأداء الحج!

وآخر تقاليع وبدع دولة العسكر ودينها الجديد هو الإعلان عن «قروض الحج»، وهي قروض ربوية طرحتها "4" بنوك مصرية منها بنكا فيصل ومصر، وتشترط البنوك إتاحة القرض لمن يتجاوز سن الـ21 عامًا بتمويلات تصل قيمتها إلى 400 ألف جنيه (نحو 12947 دولارًا أمريكيًّا)، بينما تصل فترة السداد إلى 10 سنوات بفوائد سنوية تبدأ من 16%. ويُمنح التمويل لفئات مختلفة، من بينهم الموظفون عن طريق تعهد جهة العمل بتحويل الراتب وهو ما يُعرف بـ”القسط الشهري”، أو لأصحاب المهن الحرة والأنشطة التجارية، أو لمستحقي المعاشات، وأصحاب الأوعية الادخارية سواء كان للمصريين أم الأجانب، وفقا لموقع بنك مصر.

بشاعة الفكر تأتي من جانبين: الأول، أنها دعوة لأداء فريضة من فرائض الله  بأموال ربوية رغم أن نصوص الشرع تحرم ذلك بنص الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، …… ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر ، يمدّ يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغُذّي بالحرام ، فأنّى يُستجاب له؟!).  والثانية أن هذه الفريضة أساسا فرضها الله على المقتدرين وأعفى منها غير القادرين كما ورد في سورة آل عمران: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}. فالمسلم غير مطالب أصلا بأداء الحج إذا كان فقيرا وغير قادر على نفقته.

ورغم ذلك فإن  دار الإفتاء (السيسية)، كانت قد باركت هذه الفكرة الشيطانية حين طرحت أول مرة في منتصف 2022م، وذلك لإبداء أعلى صورة الانصياع والإذعان للسلطة على حساب الإسلام وأحكامه، وربما محاولة من المفتي لاسترضاء السلطة لأبعد مدى ممكن علها تختاره شيخا للأزهر خلفا للشيخ أحمد الطيب يوما ما ــ  فادعت الإفتاء أن تمويل خدمات الحج والعمرة عن طريق البنك بالتقسيط “أمر جائز شرعًا”، واشترطت أن تكون القيمة المطلوبة محددة سلفًا ويتم الاتفاق فيها بوضوح بين الطرفين على آجال السداد، وفق فتوى صدرت عنها عام 2022م!