ليس أحقر ممن يطبل للجنرال عبد الفتاح السيسي، قائد الانقلاب العسكري منذ عام 2013، داخل مصر وهو يرى البؤس والفقر والمعاناة التي يعيشها الناس بسببه، والأكثر منه حقارة من يطبلون له وهم يقيمون خارج مصر، في الخليج أو أمريكا أو أوربا، هؤلاء الذين هربوا من بؤس مصر وضيق العيش فيها والحياة الضنك، ثم هم يتغنون بإنجازاته التي جعلت العالم يحسد مصر عليها.
وتداول نشطاء على مواقع التواصل مقطع فيديو أثار سخرية واسعة يظهر عددا من الأفارقة وهم يهتفون لـ“عبد الفتاح السيسي” أمام مقر للانتخابات في السفارة المصرية بالعاصمة السنغالية دكار.
وهو ما اعتبره نشطاء فضيحة ومؤشرا واضحا على أن السيسي لم يجد مؤيدين يهتفون له في البلد الإفريقي فاستعان بالسنغاليين في مسرحية هزلية مفضوحة.
وتجرى العملية الانتخابية خارج مصر في عدد 137 سفارة وقنصلية في 121 دولة حول العالم، والتي صدر قرار مجلس إدارة الهيئة الوطنية للانتخابات رقم (27) لسنة 2023 بتحديد مقراتها وعناوينها.
وبحسب وسائل إعلام مخابراتية شارك عدد من أبناء الجالية المصرية في السنغال، في التصويت بالانتخابات الرئاسية في مقر السفارة المصرية في داكار عاصمة السنغال، لكن مشهد المؤيدين السنغاليين أثار حالة من الجدل وموجة من التساؤلات.
وأظهر مقطع الفيديو المتداول عددا من السنغاليين وهم يرتدون قمصان حملة عبد الفتاح السيسي ويحملون صورته، فيما بدا موظف في السفارة وهو يعد معهم مسرحية التأييد والهتافات للسيسي قبل التصوير.
وتسمع أصوات السنغاليين وهم يهتفون: “سيسي سيسي ” وسط تصفيق حاد وعلى إيقاع الطبول دون أن يرى من بينهم مؤيد مصري واحد باستثناء موظفي السفارة الذين كانوا يقفون أمامهم خلف حاجز حديدي.
وقوبل الفيديو بموجة من السخرية بين النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي متسائلين “أين ذهب مؤيدو السيسي في دكار حتى يتم تأجير مؤيدين سنغاليين؟”.
وعلق الإعلامي المصري هيثم أبو خليل في هذا السياق “تم تأجير السنغاليين للهتاف باسم السيسي، لأن الباشا في السفارة لم يجد مؤيدين مصريين و كله على حساب مصر”.
فيما عقب السياسي المصري حازم عبد العظيم بنبرة تندر “ممكن ده حزب مستقبل وطن فرع السنغال، وعن السخرية لكن حد عنده تفسير جاد لهذا الفيديو”.
وقال د. حمزة زوبع واصفا هذه المسرحية الهزيلة التي تستجدي الشعبية والتأييد :” فكرة عبقرية لإظهار شعبية”.
وأضاف: “الجنرال المأزوم في بلاده و يحتاج الدعم من خارجها اطلبوا الأصوات ولو في السنغال”.
وبنبرة ساخرة عقب تامر “تحدد موعد النظر في انضمام السنغال تحت رايه النسر المصري بعد الانتخابات الرئاسية”.
وأضاف: “نظرا لصعوبة قبول طلبهم من الحكومة المصرية وصعوبة اندماجهم في اتحاد كونفدرالي قرر الشعب السنغالي اليوم القيام بمظاهرة أمام السفارة المصرية في دكار للضغط على السيسي حفظه الله ورعاه”.
وقبل السابع من أكتوبر الماضي، كانت الساحة المصرية تشهد مسرحية سياسية يقودها السيسي، لتمكينه من الاستمرار في حكم مصر حتى 2030 عبر ما أسماه انتخابات رئاسية، شارك في فصولها بعض السياسيين الذين يعلمون دورهم جيدا، ويحفظون تصريحاتهم كما أُمليت عليهم تماما، والبعض كان يشارك ويعتقد أن بمقدوره تغيير سيناريو الفصل الأخير من تلك المسرحية، والإطاحة بالزعيم الذي أقسم بعد الإطاحة بأول حكم ديمقراطي بعد ثورة 25 يناير، أنه لا يطمع في حكم البلاد.
كان البرلماني السابق أحمد الطنطاوي أحد القلائل الذين أعلنوا كراهيتهم للسيسي من قلب القاهرة، علما أنه لا وجود لمثل هؤلاء إلا في السجون أو في المنفى الاختياري، فالنظام لا يقبل بمجرد لايك على بوست نشره معارض على وسائل التواصل الاجتماعي، كما السجون مليئة بمن منحوا الإعجاب لمقال أو منشور ينتقد الرئيس المعصوم، أو فريق عمله المصطفون الأخيار.
أعلن أحمد الطنطاوي ترشحه لانتخابات الرئاسة، وسمح له النظام بذلك، إذ كان النظام في حاجة إلى شخص يتقن الدور دون توجيه، شخص يعتقد أنه منافس حقيقي، حتى لا ينال من سمعة العملية الانتخابية ويجعل الغرب، الذي هو محلّ اهتمام السيسي، يصف الانتخابات بغير النزيهة، عاد الطنطاوي وكوّن فريق عمل، وبدأت الدعوات تنتشر لجمع توكيلات تمكنه من تقديم ترشيحه للهيئة العليا للانتخابات، إلا أن الطريق لم يكن معبّدا.
سارت العملية كما أراد لها النظام الحاكم، ورغم بعض التصريحات القاسية التي كان يوجهها الطنطاوي للسيسي، والاتهامات العلنية بالفشل والتسبب في ضياع مقدرات البلاد، إلا أن الجهات المعنية كانت صابرة، فهي لا تريد أن تتدخل حتى لا تفسد الأداء الطبيعي الذي يُوحي بأن هناك ديمقراطية وتعددية حزبية في مصر، ولكن وفي لحظة ما، ومع تنامي الدعم الشعبي للمرشح، شعر النظام بالخطر، وأيقن ضرورة التدخل والحد من إصدار التوكيلات التي تسمح للطنطاوي بدخول سباق الرئاسة.
والسؤال لماذا تتدخل أجهزة السيسي لتمنع تحرير التوكيلات، وهي تمسك بكلّ خيوط اللعبة، وفي مقدورها إطاحة الشخص في دقائق؟ الإجابة هنا لا تحتاج إلى تفكير، هناك نقطة لا يقبل السيسي ورجاله المخلصون الوصول إليها، لأنه لا يأمن مكر من حوله، ففي دقائق، ربما يرى صاحب القوة في أيّ جهاز سيادي أن القاعدة الجماهيرية للطنطاوي تسمح بالانقلاب على السيسي، كما حدث في 2013، عندما استغل الرجل نفسه التظاهرات المدبرة ضد نظام الرئيس الشهيد مرسي، وأطاح بالرئيس المنتخب.
وأكبر دليل على ذلك خطاب السيسي مع قضاة الهيئة العليا للانتخابات عندما هددهم بتخريب مصر بملياري جنيه وباكتة بانجو وشريط ترامدول، وإنزال البلطجية في تظاهرات تستمر لشهور، وهذا ما قاله في خطابه الشهير، ليؤكد بقوله هذا أنه فعل ذلك من قبل، وجميعنا لم تفاجئه هذه التصريحات التي خرجت بزلة لسان كشفت طريقة عمل السلطة في الوصول إلى الحكم.
ذلك التهديد لم يكن عفويا، أو مجرد حديث في جلسة صفاء، هي كلمات خرجت من رجل مخابرات يقصد بها بثّ الخوف في نفوس القائمين على العملية الانتخابية، حتى لا يفكر شخص، ولو مجرد تفكير، في أن يخرج عن الخط المرسوم له بعناية، حينها يصبح الكلّ في خطر، ولن ينجو من شر الحاكم العسكري أحد.
وانتشرت قبل أسابيع عبارة عفوية قالتها مواطنة مصرية دون أن تدري أنها ستنتشر وتصبح حديث المنصات، “هاتوا الكراتين بقى” قد تكون هذه العبارة عادية لم تحسب لها حسابا، لكن السياق هو الذي جعلها تحصد اهتماما بارزا، فقد قالتها أثناء احتفالها بإحدى فعاليات مبادرة حياة كريمة، لتشير إلى السبب وراء حضورها لهذه الفعالية.
وأظهر المقطع الذي تداوله نشطاء عبر المنصات الرقمية المواطنة وهي تردد مع الحضور إحدى الأغنيات الوطنية، وأثناء الاحتفال طلبت من منظمي الحفل أن يحضروا لها كرتونة المساعدات التي يتم إعطاؤها للحضور، قائلة “هاتوا الكراتين بقى عايزة أمشي”.
ولم يثر المقطع السخرية لدى المدونين بقدر ما أثار استياءهم، إذ كتبت هاجر على حسابها في منصة إكس “فيه مرحلة معينة لما بنوصل عندها مفروض نتوقف عن الضحك وصناعة الكوميكس والميمز وكلنا نحط رأسنا في الأرض، لما المواطن يبقى مستعد يعمل أي حاجة مهما كانت علشان يرجع بيته بكرتونة فيها إزازة زيت وكيس مكرونة وكيس سكر، يبقى لازم كلنا نوقف الضحك ونتوارى من شدة العار والخجل”.