ضمن مسلسل الخراب الاقتصادي المتسارع بمصر بزمن المنقلب السفيه السيسي، نشرت الجريدة الرسمية المصرية ، الصادر عددها الأسبوع الجاري، قرارا حكوميا بإغلاق وتصفية مصنع 45 الحربي، والذي كان مخصصا لإنتاج السلاح المصري، ثم اتجه لإنتاج الأجهزة والمعادن للأسواق المصرية.
وكان العدد الأخير من الجريدة الرسمية، الصادر في شهر يناير الجاري 2024، قد نشر قرارا بتصفية شركة المعادي للصناعات الهندسية المعروفة باسم “مصنع 54 الحربي” التابع لوزارة الإنتاج الحربي.
جاء ذلك بعد نحو 4 أعوام من اتخاذ الجمعية العمومية للشركة قرارها بتصفية المصنع نهائيا، في مارس 2020.
أنشأه محمد نجيب وخرّبه السيسي
وتعود قصة الإنتاج الحربي المصري في المصنع، إلى العام 1954، حيث افتتح أول رئيس لجمهورية مصر العربية محمد نجيب، مصنع 54 الحربي، في منطقة المعادي، جنوبي القاهرة، وتخصص في صناعة المسدسات والبنادق والرشاشات والأسلحة الخفيفة، والنسخة المصرية من البندقية الآلية من طراز AK-47 أو ما تعرف بـ “الكلاشنكوف المعدل”.
وظل المصنع على خريطة الإنتاج والتطوير رغم خسائره، حتى إنه قبل عامين من تصفيته، وقعت إدارة المصنع مذكرة تفاهم مع شركة “ميد تيك” الكورية لإنشاء خط تصنيع أجهزة طبية.
لكن ذلك لم ينجِ المصنع من التصفية والإغلاق، بعد خسارة رأس ماله، نتيجة أخطاء إدارية، كشف عنها تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات عام 2015، وظل العمل بالمصنع مستمرا حتى توقف تماما في العام 2019، قبل إعلان تصفيته رسميا في يناير الجاري.
ومصنع 54 الحربي ضمن 16 شركة تابعة للهيئة القومية للإنتاج الحربي، ويخضع لقانون رقم 97 لسنة 1983 الخاص بهيئات القطاع العام وشركاته، ويتبع وزارة الإنتاج الحربي.
منتجات مصنع 54 الحربي
وتخصص المصنع منذ إنشائه في الخمسينات في إنتاج الأسلحة الصغيرة والمتوسطة مثل “الطبنجات، الرشاشات، البنادق”.
وأشهر الأمثلة على ذلك هي البندقية الآلية عيار 7.62×39 وهي نوعان نصف آلية وآلية، والسلاح الآلي عيار 40 مليمتر طراز المعادي، والتي يستخدمها جنود الجيش المصري في المعارك.
الصناعات المدنية
لكن المصنع اتجه بعد مرحلة الستينات إلى الصناعات المدنية، وفتح خطوط لإنتاج السكاكين المنزلية، والأثاث المكتبي، وتوريد أجهزة الرياضة واللياقة البدنية والعلاج الطبيعي، وتصميم وتنفيذ الشبكات الكهربائية للجهد المنخفض والخراطة.
كما يمتلك المصنع قطاعا متخصص في صناعة الإسطمبات لورش الحدادة والمكابس وصناعة العدد اليدوية مثل “الشاكوش، الذنبة، السنبك، المبارد، المقصات اليدوية، المشارط” فضلا عن بعض العدد الخارجية لورش الخراطة “الإندكس”، وبعض المعاملات السطحية والحرارية لبعض المعادن، مثل الطلاء بالنحاس والكروم والكادميوم والزنك والرصاص.
ويبلغ عدد العاملين في المصنع في ثمانينات القرن الماضي نحو أكثر من 8 آلاف عامل بمتوسط مرتبات 35 جنيها شهريا، قبل أن يتقلص العدد إلى أقل من 4 آلاف، قبل ثورة يناير 2011، وزاد متوسط الرواتب إلى نحو 1000 جنيه بحسب تقديرات العمال.
التصفية والإفلاس
في العام 1993، قرر مجلس الوزراء تحمل الحكومة أعباء الإنتاج الحربي لمصانع الهيئة القومية للإنتاج الحربي، إذ كانت لا تعمل بكامل طاقتها الإنتاجية، وكان “54 الحربي” ضمن تلك المصانع التي أصبحت تحصل على إعانات وتمويلات حكومية من وزارة المالية، مقابل عملها في صناعة البنادق وغيرها، وفقا لتقرير صادر عن الجهاز المركزي للمحاسبات.
و”أعباء الإنتاج الحربي” تعني كل المصروفات التي تنفقها الشركات أو المصانع على خطوط إنتاج الأسلحة أو تصميمها.
مالية السيسي
وفي العام 2014، رفضت وزارة المالية تحمل جزء من تلك الأعباء، وتقليص التمويلات المقدمة لمصانع الإنتاج الحربي، وهو الجزء الخاص بـ “الإهلاك الحربي” أو هوالك الإنتاج، ونتيجة خصم قيمة الهوالك من الواردات الحكومية للشركات على مدار الفترة ما بين 1994 وحتى 2010، تآكل جزء من رأس مال تلك الشركات وعلى رأسها مصنع 54.
وبعد تسوية بين وزارتي المالية والإنتاج الحربي، خصمت الحكومة من دعمها المالي لشركات الإنتاج الحربي ما قيمته 1.14 مليار جنيه، وبحسب تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات بلغت نسبة خسائر شركة المعادي مصنع 54 بعد تلك التسوية نحو 104% من قيمة رأس مالها، أي أنها خسرت كامل قيمة رأس المال.
ولم يكن ذلك هو الخطأ الوحيد، أيضا رغم خسائر الشركة المستمرة، وتآكل رأس مالها، اشترت الحكومة المصرية للمصنع معدات وآلات حديثة لتطوير عملية الإنتاج بقيمة 251 مليون جنيه، ولكن تلك المعدات لم تعمل حتى انتهت فترة الضمان المالي والفني لمعظم تلك الآلات.
ويقول الجهاز المركزي للمحاسبات: إن “قرار تحمل الحكومة أعباء الإنتاج الحربي، كان له الأثر في زيادة الطاقات العاطلة في تلك المصانع والشركات، وبلغت تلك الأعباء منذ تطبيق القرار وحتى عام 2011 نحو 3.6 مليار جنيه”.
ومنذ ذلك الوقت، دأبت شركات الإنتاج الحربي كلها بلا استثناء على إدراج قيمة أعباء نشاطاتها سواء مدنية أو حربية على وزارة المالية، حتى زادت تلك الأعباء إلى حوالي 4.7 مليار جنيه خلال الفترة بين 1994 وحتى 2015.
وكشفت الميزانية الأخيرة للمصنع بنهاية يونيو 2019، عن خسائر خلال ذلك العام المالي بقيمة 6.7 مليون جنيه نتيجة زيادة تكلفة نفقات الإنتاج عن حجم الإيرادات المحصلة “المبيعات”.
وبلغت نفقات الإنتاج 551.4 مليون جنيه، فيما كان حاصل المبيعات 543.4 مليون جنيه، وبلغ حجم المنح والإعانات التي حصلت عليها الشركة 65.5 مليون جنيه، وبلغت المصروفات الإدارية والعمومية 31.9 مليون جنيه.
وقبل عام واحد من قرار تصفيته، بلغت قيمة رأسمال الشركة المدفوع 5 مليون مع عدم وجود احتياطي قانوني أو نظامي أو رأسمال للمصنع نظرا لخسارة كل رأسماله تقريبا، وفقا للحساب الختامي للهيئات الاقتصادية والخدمية المنشور على موقع وزارة المالية.
وبلغ صافي خسائر المصنع بنهاية يونيو 2019، نحو 44.3 مليون جنيه، فيما بلغت قيمة القروض طويلة الأجل التي حصل عليها المصنع حوالي 324.6 مليون جنيه، توزعت بين 219.4 مليون جنيه حصل عليها من بنك الاستثمار القومي المملوك للحكومة، و105.2 مليون جنيه من الهيئة القومية للإنتاج الحربي.
وبلغ صافي قيمة الأموال المستحقة على المصنع لصالح الموردين 129.4 مليون جنيه، و75.8 مليون جنيه لصالح الشركات الشقيقة، و845.1 ألف جنيه مصروفات مستحقة السداد، و333.8 مليون جنيه حسابات دائنة على المصنع، وحسابات موردين وحسابات دائنة أخرى بقيمة 540.9 مليون جنيه، وقروض قصيرة الأجل بقيمة 7.4 مليون جنيه.
بلغ حجم الأصول الثابتة 36.5 مليون جنيه تنقسم إلى 23.4 مليون جنيه آلات ومعدات، ونحو 1.7 مليون جنيه أراضي مباني وإنشاءات، و4.2 مليون جنيه وسائل نقل وانتقالات، و7.3 مليون جنيه عدد وأدوات وأثاث وتجهيزات مكاتب.
وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة لتي مني بها المصنع بسبب سياسات الفساد والإدارة الفاشلة من قبل نظام السيسي، إلا أنه كان يمكن تعويم المصنع تشغيله بكامل طاقته وتنويع إنتاجه وتصديره لدول مجاورة، لما يحظى به من ثقة دولية، إلا أن السيسي يفضل الأبراج وإقامة المنتجعات السياحية التي يضخ بها مليارات الدولارات ، مفضلا ذلك عن التصنيع والإنتاج، في مخطط خيانة وطنية منقطع النظير، سيتكشف يوما من الأيام.
إذ ليس من المنطقي أن يضخ السيسي 3 مليار دولار في بناء البرج الأيقوني ويضن على مصنع ينتج أسلحة وأدوات تصنيع وأدوات مكتبية ومنزلية ومعدات تشغيل الورش والمصانع بنحو 500 مليون جنيه ويقوم بتفليسه وإغلاقه، بعد 70 عاما من الإنتاج، وهو ما فعله مع العديد من الشركات الإنتاجية الكبرى، مصانع الحديد والصلب وفحم الكوك والأسمدة والأدوية والشحن والسفن وغيرها.
