الغش التجاري أصبح ظاهرة تؤرق المجتمع المصري في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي، كل يوم نشاهد الكثير من حالات الغش يتعرض لها المواطنون سواء في الأسواق أو من خلال شبكة الإنترنت، هذه الحالات لا تقتصر على السلع الاستهلاكية فقط، لكنها تمتد أيضا للأجهزة الكهربائية والأدوية وقطع غيار السيارات، مما يهدد حياة الناس بالخطر.
من أشهر قضايا الغش استخدام بودرة السيراميك لإنتاج الطحينة، حيث تم ضبط مصنعين غير مرخصين يقلدان العلامة التجارية لمنتجات الشاي والنسكافيه والـ«بيكنج بودر»، باستخدام مواد مجهولة المصدر يتم إنتاجها من «بودرة بلاط السيراميك» و«الأسمنت الأبيض» المستخدم في عمليات البناء.
كما تم استعمال الملامين لتصنيع حليب الأطفال، وذلك لغش المحتوى البروتيني في الحليب، وتؤدي هذه المادة إلى تضليل فحص البروتين وتجعله يعطي تركيزا أعلى، ولكن التحاليل أثبتت أن هذه المادة تسبب الإصابة بحصوات الكلى.
أيضا يتم حقن الفواكه بمواد سامة ومسرطنة للحفاظ على شكلها الجذاب، وهو ما نلاحظه في الخوخ والبطيخ في الصيف والموز والبرتقال في الشتاء.
أجهزة الرقابة
الخبراء أكدوا أن انتشار الغش يرجع إلى غياب دور أجهزة الرقابة الحكومية وجمعيات حماية المستهلك بجانب تفنن مرتكبي هذه الجريمة في التحايل على المواطنين، وجعلهم غير قادرين على التفريق بين السلعة الأصلية والتقليد، ومع انخفاض أسعار هذه السلع المقلدة يلجأ الكثيرون لشرائها، لذلك وجدت سوقا رائجة، بينما يدفع المواطن الثمن من صحته وحياته أحيانا.
وقال الخبراء: إن “عمليات الغش التجاري قد تكون فى عدم إظهار عيوب السلعة والتلاعب في الأوزان أو صفات السلعة الرئيسية أو مقر صناعتها أو تاريخ انتهاء صلاحيتها أو محتواها من المواد الضارة بالصحة”.
وأضافوا، في المواد الغذائية، هناك السلع الغذائية المنتهية الصلاحية واللحوم الفاسدة وخلط بعض السلع الغذائية بالماء أو بمواد أخرى، وهذه المنتجات تباع في الشوارع وأمام محطات مترو الأنفاق وفي الأسواق والمحلات المنتشرة في المناطق الشعبية، مؤكدين أن الغش وصل للأجهزة الكهربائية وأسلاك الكهرباء التى تتسبب في كثير من الكوارث والحرائق بالمنازل والشركات.
حماية المستهلك
حول هذه الظاهرة طالب محمود العسقلاني رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء، بتشديد آليات الرقابة ومعاقبة مرتكبي جريمة الغش التجاري، مشيرا إلى أن العقوبة لا تتعدى غرامة بسيطة أو الحبس مع الإيقاف.
وقال العسقلاني في تصريحات صحفية: “هناك الكثير من الثغرات القانونية التي يلجأ إليها المتلاعبون في السوق والمتهمون في قضايا الغش، مؤكدا أن تجارة السكر أصبحت تأتي بأرباح خرافية تفوق تجارة المخدرات وأننا أمام«مافيا» تجار إخفاء السلع الآن”.
وكشف أن الكثير من المنتجين يتلاعبون في الأوزان ويكتبون على المنتج في حدود 900 جرام، أو ما يقترب من كيلو وهذا الـ«ما يقترب» يمكن أن يصبح 700 جرام فقط، رغم أن الموازين الحديثة تستطيع أن تزن الملي جرام.
وطالب العسقلاني حكومة الانقلاب بضرورة غلق باب التلاعب بالأوزان بوضع تشريع يقول: إن “السلعة تكون نصف كيلو أو كيلو، ويمنع منعا باتا البيع بالأوزان الأخرى، إلا في الحالات التي تحتاج أوزان الربع كيلو وهنا يتم عمل الربع كيلو ويكتب بخط كبير ربع كيلو، معتبرا أن ما يحدث هو خداع للمواطنين”.
وأكد أن جهاز حماية المستهلك، لا يستطيع أن يؤدي دوره على الوجه الأكمل دون التكامل ومشاركة المواطنين بالإبلاغ عن أي انتهاك أو غش بالأسواق.
منتجات بئر السلم
وقال الدكتور علي الإدريسي أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للنقل البحري: إن “مشكلة الغش التجاري مشكلة كبيرة تتطلب جهودا كبيرة من دولة العسكر للقضاء عليها، لأنها تشكل خطرا كبيرا على الاقتصاد، مشددا على ضرورة تشديد الرقابة من خلال الجهات الرقابية على الأسواق وما يتم إنتاجه من سلع وخدمات تُقدم للمستهلكين”.
وأكد الإدريسي في تصريحات صحفية أن أزمة الغش التجاري ومصانع بئر السلم تخل بمعايير الجودة، لأنها تقدم منتجا دون مستوى الجودة ودون رقابة، وكذلك لا تضمن أي حقوق للمستهلك بعد شراء هذه المنتجات، لأنها لا تمنح ضمانات ولا يستدل على مكان المنتج.
وأشار إلى أن شراء هذه المنتجات يساعد مصانع بئر السلم وتجار الأزمات على استغلال أزمات المجتمع، مما يسهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتعزيز نمو الاقتصاد غير الرسمي، والذي لا يضمن حقوق العمالة ولا التأمين عليها، بالإضافة إلى أنه يسهم في زيادة حالات الغش التجاري، لأن الاقتصاد غير الرسمي قد يعتمد على مدخلات إنتاج دون مستوى الجودة، وقد يكون قد تم الحصول عليها بأساليب وطرق غير مشروعة، والأخطر أن منتجات بئر السلم تنافس المنتج الأصلي منافسة غير شرعية، بحيث تحد من انتشار النوع الأول وتحقق خسائر له ولحقوق الملكية الفكرية وحق الامتياز والتصنيع، ما يجعل الكثير من المنتجين يحجمون عن الحصول على علامات تجارية أصلية فتكون النتيجة النزول بالمستوى العام للجودة.
وكشف الإدريسي أن الغش التجاري لم يعد مقتصرا على المواد الغذائية فقط، بل شمل الأدوات الكهربائية والمنزلية والملابس، وحتى مستحضرات التجميل موضحا أن زيادة عمليات الغش التجاري ترجع إلى عدم توعية المستهلكين بحقوقهم وواجباتهم، وارتفاع أسعار السلع، مما أدى إلى إقبال المستهلك على السلع المقلدة، وعدم الالتزام بالمواصفات القياسية المعتمدة، وانتشار الإعلانات التجارية المضللة، وقلة الوعي لدى بعض التجار بالمواصفات القياسية والأنظمة المعتمدة”.