تواجه مصر في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي انهيارا اقتصاديا غير مسبوق من أهم كوارثه قفزات غير مسبوقة في معدلات الديون والبطالة والتضخم، أدت إلى الزج بملايين المصريين في آتون الفقر والجوع، بسبب السياسات الاقتصادية التي تتبناها حكومة الانقلاب منذ الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب في التاريخ المصري في عام 2013 .
هذه الكوارث دفعت مؤسسات التقييم المالي والاقتصادي العالمية إلى التحذير من الانزلاق لما هو أسوأ في حال الاستمرار على ذات السياسات التي يغيب عنها فقه الأولويات الاقتصادية، في ظل إصرار غير مفهوم من سلطات الانقلاب على المضي فيها دون الانتباه لأية أصوات أخرى.
ورغم التقييمات السلبية لمؤسسات التصنيف، والمؤشرات الواقعية التي لا تحتاج إلى دليل أو برهان على ما وصل إليه الوضع من تدن على المستويات كافة، يُصر نظام الانقلاب الدموي على الادعاء بأنه يحقق إنجازات غير مسبوقة، ضاربا بالواقع عرض الحائط .
زلزال كبير
حول هذه الأوضاع قال الخبير الاقتصادي عبد التواب بركات: إن “من أبرز الأسباب التي أودت بالاقتصاد المصري إلى حالته المأزومة أنه رغم الإمكانيات التي يتمتع بها والموارد الطبيعية المتعددة، فإن الإفراط في تلك الأسباب قاد في النهاية إلى طريق مسدود لا يمكن الخروج منه، إلا بزلزال كبير يهدم كل المرتكزات التي ارتكزت عليها المنظومة الاقتصادية طيلة السنوات الماضية”.
وأكد بركات في تصريحات صحفية أن السياسات الاقتصادية التي انتهجتها سلطات الانقلاب منذ عام 2014 وحتى اليوم تتحمل المسؤولية الكبرى، فيما وصلت إليه البلاد من تدهور اقتصادي واجتماعي، لافتا إلى أن التركيز على مشروعات بعينها والابتعاد عن مناطق الاشتباك مع هموم الاقتصاد الوطني ومشكلاته الملحة، مقابل الإكثار من المشروعات الأقل أهمية، قاد في النهاية إلى الزج بأكثر من 60% من الشعب المصري إلى مستنقع الفقر والجوع.
واعتبر أن تغول المؤسسة العسكرية في الاقتصاد الوطني يمثل أحد معاول الهدم القوية للمنظومة الاقتصادية، حيث احتكرت الشركات التابعة للجيش معظم السلع الإستراتيجية وزاحمت القطاع الخاص في مجالات العقارات والأدوية والصناعات الغذائية والزراعية والثروة السمكية، حتى سحبت البساط من تحت أقدامه بصورة شبه كلية، مؤكدا أن هذا التغول أدى إلى غلق مئات المصانع والشركات، واضطرار الكثير من رجال الأعمال إلى تغيير نشاطهم الاقتصادي في ظل المنافسة غير المتكافئة مع شركات الجيش التي تتمتع بامتيازات وتسهيلات لا تُمنح لغيرها ، وهو الأمر الذي أثار حفيظة المؤسسات المالية الدولية التي كان من ضمن شروطها لمنح القروض لنظام الانقلاب فك حالة الاشتباك المعقدة بين الجيش والاقتصاد وإحداث نوع من التخارج النسبي.
الضرائب
وكشف بركات أن نظام الانقلاب في ضوء ما يتبعه من سياسات أصبح عاجزا عن مواجهة التحديات وهو ما دفعه لأن يعتمد على الضرائب المحصلة من جيوب المواطنين لإنعاش إيرادات الدولة (77% من الإيرادات قادمة من الضرائب)، منوها أن السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية التي تبناها السيسي منذ عام 2016 كانت في معظمها تخدم على تجميل وجه نظام الانقلاب وترسيخ أركان مجده الشخصي بعيدا عن مصالح مصر العامة.
وأشار إلى فوضى القروض الأجنبية واستسهال الاقتراض والاستدانة، في ظل إهمال وتجاهل استراتيجيات توطين الصناعات وزيادة نسبة المستلزمات الداخلة في الصناعة وارتفاع معدلات الواردات بشكل كبير، لتعمق الأزمة وتزيد من التهام العملات الأجنبية .
وكشف بركات أن الإذعان لمطالب صندوق النقد الدولي والجهات المانحة، واللجوء إلى تعويم العملة المحلية ثلاث مرات متوالية – مع توقع التعويم الرابع قريبا – يزيد الطين بلة، حيث فقدت العملة الوطنية أكثر من 90% من قيمتها التي كانت عليها في بدايات 2016 ، وهو ما تسبب في طفرة كبيرة في أسعار السلع والخدمات كانت نتيجتها تعميق الأزمة ومزيد من تدني الحياة المعيشية للمواطنين.
ظروف حرجة
وقالت الدكتورة هدى أبو رميلة أستاذ الاقتصاد بجامعة الأهرام الكندية: إن “مصر في زمن الانقلاب تمر بظروف حرجة، وتظل معرضة لنقاط ضعف نظامية قادمة من اختلالات هيكيلية اقتصادية داخلية واضطرابات اقتصادية خارجية”.
وأضافت هدى أبو رميلة في تصريحات صحفية، من ناحية، يواصل الاقتصاد المصري إظهار توقعات نمو إيجابية (+3.7% في عام 2023 مقارنة بـ 6.6% العام الماضي و5.5% في فترة ما قبل الوباء، لكن يصاحب نمو الناتج المحلي الإجمالي عجز كبير في ميزانية الدولة، حيث تبلغ نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 90٪، وزيادة مستمرة أدت إلى خروج معدلات التضخم عن السيطرة، مما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للأسر بحوالي ٥٠٪ وتتزايد معها بشكل مطرد نسبة سكان مصر الذين يعيشون تحت خط الفقر بدخل أقل من 3.20 دولار في اليوم.
وكشفت أنه رغم تلك الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية اتجهت حكومة الانقلاب إلى عدم تغيير السياسة التقليدية لدعم الاحتياجات الأساسية للمواطنين وتعود أزمة استنزاف الاحتياطي من النقد الأجنبي في بداية عام 2022، حيث كان على حكومة الانقلاب أن تتعامل مع الزيادة الهائلة في الإنفاق، واردات المواد الهيدروكربونية والحبوب كعواقب للصراع الروسي الأوكراني من الأسواق الدولية الأخري .
واشارت هدى أبو رميلة إلى أن التكاليف الضخمة التي تكبدتها مصر مقابل الواردات أدت إلى استنزاف تدريجي لاحتياطيات النقد الأجنبي، في الوقت نفسه، بلغت ثقة الأسواق في قدرة البلاد على سداد ديونها الخارجية أدنى مستوياتها، فيما بدأ المستثمرون الأجانب يشككون في قدرة حكومة الانقلاب على خلق استقرار في سعر الصرف ودعم المرونة الإنتاجية، مما أدى إلى انهيار متسارع الوتيرة في قيمة العملة المحلية والذي ساهم فيه هروب رؤوس الأموال للخارج والمحصلة فقدان الحنيه أكثر من ٧٥ ٪ من قيمته مع تفاقم مشاكل استيراد مدخلات الإنتاج المحلي الأجنبية وبعض المنتجات النهائية.
إجراءات عاجلة
وطالب الخبير الاقتصادي الدكتور كريم العمدة، بضرورة تبني سياسات تقشفية صارمة وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي، بما يحقق أقصى استفادة من الموارد المالية المتاحة، والحد من الفجوة بين المصروفات والإيرادات والتي قاربت التريليون جنيه في الموازنة الحالية، موضحا أن الإيرادات وصلت إلى 3 تريليون جنيه مقابل 2.150 تريليون جنيه إيرادات في العام المالي الحالي 2023/2024.
وحذر العمدة في تصريحات صحفية من أن مستهدفات الإيرادات الضريبية قد تتأثر، بسبب خسائر الشركات العاملة في البلاد جراء تداعيات الأزمة الاقتصادية، وبالتالي يتطلب الأمر البحث عن موارد إيرادات متعددة وترشيد الإنفاق الحكومي على البنود غير الأساسية، والإسراع في حل أزمة الدولار.
وقال: “هناك إجراءات عاجلة يمكن تنفيذها لاحتواء الأزمة على المدى القصير، من بينها الإسراع في تنفيذ برنامج الطروحات وترشيد الإنفاق الحكومي لدرجة التقشف، والتوصل إلى تسوية حول النقاط الخلافية مع صندوق النقد الدولي للحصول على تمويل إضافي، إلى جانب التوسع في برامج الحماية الاجتماعية للتخفيف من الضغوط الاقتصادية عن الفئات محدودة ومتوسطة الدخل”.
وأوضح العمدة أنه على صعيد الإجراءات متوسطة وطويلة الأمد يتطلب الأمر الاهتمام بالقطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة ووضع ضوابط صارمة للقضاء على السوق السوداء للسلع والعملة ومنع ازدواجية الأسعار بين السوق الرسمي وغير الرسمي.