على خلاف القواعد الاقتصادية العالمية، ورغم تراجع مصادر الإيرادات الدولارية بمصر، التي تضم تحويلات المصريين بالخارج وعوائد قناة السويس فضلا عن انخفاض الصادرات لتراجع الإنتاج والتشغيل أساسا لندرة المواد الخام الداخلة بالصناعة المصرية، إلا أن الدولار فقد نحو 20 جنيها في السوق السوداء خلال يومين، وهبط من 70 إلى 50 خلال الساعات الماضية.
وهو الأمر الذي يراه اقتصاديون وخبراء غريبا وغير واقعي، بدليل عدم توافر الدولار بالأسواق حاليا وإعراض البنوك عن توفيره للمستوردين ومن يحتاجه بأي سعر، وهو ما يؤكد أنه سعر وهمي مبني على أسس غير صحيحة، سواء أكان ترويجا إعلاميا بعيدا عن أرض الواقع، مستدلين على ذلك بعدم انخفاض أسعار أي سلعة مقابل هذا الانخفاض المصطنع على ما يبدو.
تراجع إيرادات قناة السويس
ووفق تقديرات رسمية، فقد تراجعت إيرادات قناة السويس بنسبة 47% على أساس سنوي في يناير الماضي، لتسجل 428 مليون دولار، ما يزيد من أزمة النقد الأجنبي في مصر، حيث تعد القناة من أهم موارده.
وقال رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع، في تصريحات إعلامية نشرتها إنتربرايز الاقتصادية المحلية أمس الأحد: إن “تراجع الإيرادات جاء على خلفية تراجع أعداد السفن المارة في القناة بنسبة 37% إلى 1400 سفينة خلال يناير نتيجة للاضطرابات في البحر الأحمر”.
وأضاف ربيع أنه “لأول مرة تمر قناة السويس بمثل هذه الأزمة”.
تراجع السياحة
وتوقعت مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني، في تقرير حديث لها، تراجع إيرادات قناة السويس إلى 9 مليارات دولار خلال العام المالي الحالي 2023/ 2024، مع تراجع عائدات السياحة إلى 12.7 مليار دولار في نفس العام المالي نتيجة تداعيات حرب غزة على الاقتصاد المصري.
وتوقعت الوكالة أنه في حال استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة والتوترات المرتبطة بها في المنطقة خلال النصف الأول من العام الجاري 2024، فإن إيرادات القناة ستتراجع إلى 7.5 مليارات والسياحة إلى 11 مليار دولار.
وتواجه مصر نقصا متزايدا في العملة الأجنبية منذ قرابة عامين، في حين بلغ الدين الخارجي المصري نحو 164.5 مليار دولار في نهاية سبتمبر 2023، كذلك، فإن مصر مطالبة بسداد 42.3 مليار دولار من أقساط الدين الخارجي والفوائد المستحقة في عام 2024 وحده، وفقا لأحدث تقارير البنك المركزي المصري.
حرب أمنية وإعلامية لخفض الدولار
وبدلا من أن تعالج حكومة السيسي الأزمة الدولارية بالوسائل الاقتصادية، سواء بتنشيط الاستثمارات المباشرة الحقيقية وزيادة الصادرات والتصنيع لزيادة الإيرادات الدولارية، لجأت الى استعمال الآلة الأمنية لمحاربة من بيدهم دولارات أو أية عملات أجنبية، في سبيل السيطرة على انفلات أسعاره بالسوق الموازية.
وانخفضت أسعار الدولار والعملات الصعبة في السوق الموازية، متأثرة بحرب نفسية تقودها الحكومة المصرية، عبر أذرع أمنية وإعلامية، أدت إلى فقد العملات الصعبة نحو سدس قيمتها خلال الــ 72 ساعة الماضية، لكنها لم تنجح في وقف ارتفاع أسعار السلع.
وبلغ سعر الدولار في سوق الذهب 62 جنيها، وهو ما أدى إلى تراجع سعر جرام الذهب (عيار24) إلى 4 آلاف و57 جنيها، والعيار 21 الأكثر تداولا عند 3300 جنيه، وعيار 18 انخفض إلى مستوى 3000 جنيه.
وخسر الذهب أكثر من 200 جنيه يوميا منذ الخميس الماضي، بعد شن حملات أمنية استهدفت كبار التجار، ومنع بيع سبائك الذهب والذهب الكسر القديم وتوجيه المشترين إلى شراء الذهب المصنوع الخاضع لضريبة المبيعات والدمغة.
ويشير اقتصاديون إلى أن تذبذب سعر الدولار في السوق الموازية، على مدار الساعة، يرجع إلى “ضغوط غير منطقية” تمارس على أسواق تداول العملة الصعبة، خارج الدوائر الرسمية، تأتي على رأسها الحملات الأمنية التي أطلقتها الحكومة للقبض على تجار العملة والمتعاملين بها خارج البنوك، وأسفرت عن ضبط عشرات الحالات بمبالغ بسيطة في سوق هائلة اتسع حجمها خلال العام الماضي ليصل إلى 10 مليارات دولار.
ووفق خبراء ماليين، تدير حكومة الانقلاب حربا نفسية واسعة، منذ منتصف الأسبوع الماضي، على المتعاملين في الدولار خارج السوق الرسمية وتجار الذهب والسلع الرئيسية الذين يحددون الأسعار وفقا لقيمة الدولار في السوق الموازية، بقصد خفض سعر الدولار فيها، إلى مستوى أقل من 50 جنيها.
خطة تعويم
يشير الخبراء إلى رغبة الحكومة في توجيه سعر الدولار في السوق الموازية عند مستوى 45 جنيها، خلال أيام، لتتمكن من تنفيذ خطة التعويم الجديد التي توصلت إليها أخيرا مع صندوق النقد الدولي.
توشك الحكومة على تطوير اتفاق مع صندوق النقد الدولي سبق أن وقعته في ديسمبر 2022، يقضي بإقراضها 3 مليارات دولار، ليزيد عن الضعف، يأتي ذلك بالتوازي مع جهود لدول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لدعم النظام في مواجهة أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها البلاد منذ عقود.
وصفت مجلة “ذي إيكونوميست” البريطانية، الخميس الماضي، برنامج الدعم الاقتصادي لـمصر على رغم سوءات النظام، بأنها حالة الضرورة التي تحول دون انفجار دولة فيها أكثر من 100 مليون نسمة.
إجراءات ما قبل التعويم الجديد
ومن المتوقع أن تواصل حكومة الانقلاب حربها على تجار السوق السوداء وتجار سبائك الذهب، لدفع حاملي الدولار إلى التخلص منه عبر القنوات الرسمية، عندما يصل إلى مرحلة التعادل التي تراها مناسبة لإجراء التعويم الجديد، خلال الأيام المقبلة.
ويمكن للحكومة أن تبدأ التعويم عند مستوى 58 جنيها للدولار، إذ إن تأخير الحكومة لقرار التعويم مع عدم قدرتها على توفير الدولار بالبنوك، يجعل الأمر يزداد سوءا.
ولعل الحل الأقوى للأزمة هو زيادة الإنتاج والتصدير وجذب استثمارات مباشرة تنعش الأسواق، وليس الاعتماد على القروض والضربات الأمنية والشائعات الإعلامية المضللة.
