أسهمت خروج “الأموال الساخنة” الأيام الماضية في عاصفة عنيفة ضربت الإقتصاد المصري المتهالك، بعد عمليات الخروج السريعة التي شهدها السوق المصري، بسبب رفع معدلات الفائدة من قبل البنك المركزي ووجود اضطرابات على الحدود ،المصرية إثر الحرب على غزة، بالإضافة لارتفاع معدلات التضخم لمستويات لم تشهدها البلاد.
وفتحت تصريحات رئيس وزراء، الانقلاب مصطفى مدبولي، الأربعاء الماضي، والتي تحدث فيها عن خروج 8%، من الأموال الساخنة من إجمالي الأموال الموجودة في السوق، النار على حكومة مدبولي التي لم تستمع لمعظم تحذيرات الاقتصاديين، الذين وصفوها بأنها مسكنات اقتصادية وليست حلولا، فبالرغم من فائدتها اللحظية، إلا أنه سيأتي وقت وتهرب فيه تلك الأموال بشكل متسارع، ما ينتج عنه من انهيار سريع للعملة المحلية والأنشطة التجارية، وهو ما يحدث الآن.
تعريف الأموال الساخنة
تعتبر الأموال الساخنة أبرز صور الاستثمارات غير المباشرة، حيث تأتي لتشتري أذونا وسندات تخص الديون الحكومية، سعيا وراء سعر فائدة أعلى في سوق ما، دون غيره من الأسواق، لتستفيد من فرق سعر الفائدة.
وعادة ما تتسم بسرعة الدخول والخروج من الأسواق، وهو ما يحدث حالة من الإرباك، وخاصة عند خروجها، لما تحدثه من ضغط على الطلب على النقد الأجنبي، وهو ما شهدناه خلال الأزمة الأخيرة حين شهدت الأسواق العالمية هزة وارتباكا، فهربت الأموال الساخنة من السوق المصري سريعا خوفا من تكبد خسارة أكبر وتوجهت إلى أسواق أخرى.
وتستثمر مصر الأموال الساخنة في شكل استثمارات للأجانب في شكل أدوات الدين الحكومي، والتي تتيح للمستثمرين المحليين والأجانب أذونات وسندات تخص الديون الحكومية، سعيا وراء سعر فائدة أعلى في سوق ما، دون غيره من الأسواق، لتستفيد من فرق السعر.
وأذون الخزانة هي إحدى أدوات الدين الحكومي قصيرة الأجل، التي تبيعها وزارة المالية عبر البنك المركزي بآجال استحقاق متنوعة للبنوك والمستثمرين، لتمويل عجز الموازنة، مقابل حصولهم على فائدة في نهاية استحقاقها.
هروب 8% من الأموال الساخنة
وكشف رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي، الخميس، خلال مؤتمر صحفي عقده في القاهرة، عقب تراجع في سعر صرف الجنيه أمام الدولار في الأيام القليلة الماضية، وخروج استثمارات أجانب في أدوات الدين المصرية، عن خروج أموال المستثمرين الأجانب في أدوات الدين (الأموال الساخنة)، بنسبة بلغت 8%.
وأضاف مدبولي : “تخارج مستثمرين من أدوات الدين تم تعويضه من السوق المحلية، وهناك تنسيق كامل مع البنك المركزي”.
وزاد: “مستثمرون أجانب خرجوا من أدوات الدين مؤخرا، ولكن بسعر مرتفع بخلاف ما حدث سابقا، السوق مستقرة ولا نعاني أي نقص أو أزمة في وفرة الدولار”.
وقال مدبولي: “العالم عاش الأسبوع الماضي حالة من البلبلة أثرت على مصر، وأدت إلى خسائر بالبورصة المصرية، تداعيات الأوضاع الدولية الأخيرة لها تأثيرات اقتصادية كبيرة على مصر وباقي دول العالم”.
وتابع: “الأموال التي خرجت من السوق المصرية، كانت من السوق المحلية، وكانت بعيدة عن الاحتياطيات الدولية”، مؤكدا أنه لا عودة لأزمة الدولار من جديد، والدولة ملتزمة بسعر صرف مرن.
وعانت أسواق المال العالمية الأيام الماضية، حالة ذعر أفضت إلى بيع أسهم وتراجع في القيمة السوقية للشركات المدرجة في العالم بقيمة 6.4 تريليونات دولار، رافقها تخارج مستثمرين من أدوات الدين بالعالم.
مخاطر الأموال الساخنة
يرى الخبراء أن الأموال الساخنة هي استثمارات لا يعول عليها في النمو الاقتصادي، فهي تعطي مؤشرات وهمية عن النمو الاقتصادي في البلد الذي تدخله، بسبب أن هذا النوع من الأموال سريع الخروج من اقتصاد البلد في حال حدوث أي اضطراب، ما يؤدي إلى عدم استقرار في السوق، والمستثمرون في هذه الأموال دائما ما يتوجهون للبلدان التي تشهد نموا اقتصاديا متسارعا.
ومن جهته يقول أستاذ الاقتصاد بكلية لندن للاقتصاد البريطانية، شادي ديفيد: إن “المشكلة الحقيقية وراء الأموال الساخنة، هي أنها عادة ما تتسم بسرعة الدخول والخروج من الأسواق، وهو ما يحدث حالة من الإرباك، خاصة عند خروجها، لما تحدثه من ضغط على الطلب على النقد الأجنبي، وهو ما حدث خلال الأسبوع الجاري”.
وتابع أنه “ولعل ما حدث في مصر بعد تخفيض قيمة الجنيه أمام الدولار في نوفمبر 2016، ساعد بشكل كبير على جذب الأموال الساخنة للاقتصاد المصري خاصة مع تقديم معدلات فائدة مرتفعة.”
وزاد، عند مرحلة ما في السنوات الماضية، كانت مصر البلد المفضل لاستثمارات الأموال الساخنة، لأنها حظيت بأعلى معدل فائدة حقيقي (معدل الفائدة الرئيسي مطروحا من نسبة التضخم) في العالم”.
وتابع “لكن في 2022، ومع قيام الفيدرالي الأميركي بمسار تشديد سياسته النقدية برفع معدلات الفائدة بأعلى وتيرة منذ حوالي 40 عاما، أصبح السوق الأميركي أكثر جاذبية وقل العائد الحقيقي للاستثمار في الجنيه، علاوة على زيادة المخاطر العالمية التي حفزت المستثمرين على التمسك بالدولار
كملاذ آمن ضد الأخطار المالية”.
وأكد أنه في 2013 مع بدء الخلاف السياسي في مصر خرج الكثير من أموال المستثمرين الأجانب، التي كانت تعمل في الدين الحكومي المحلي (أذون وسندات) بنحو 8 مليارات دولار، وفي السنوات 2018 و2020 و2022، تكرر نفس الأمر من قبل المستثمرين الأجانب، وكان هذا الأمر أحد أهم أسباب شح النقد الأجنبي خلال تلك الفترات، وانتعاش السوق السوداء للنقد الأجنبي”.
وأضاف “وكانت أكثر عمليات خروج هذه الأموال ضررا لسوق الصرف في مصر، ما تم بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، وتحديدا بعد أبريل 2022، حيث خرجت أموال للمستثمرين الأجانب العاملين في الدين الحكومي المصري بما يتراوح بين 18 و20 مليار دولار”.
انهيار البورصة بسبب هروب الأموال الساخنة
والأسبوع الماضي اختتمت تعاملت البورصة بعد أن ساد اللون الأحمر شاشتها بارتفاع معدلات البيع من الأجانب والمصريين، وخسر رأس المال السوقي للأسهم المقيدة بالبورصة نحو 32 مليار جنيه خلال تعاملات الأسوبع المنقضي، حتى استقر رأس المال السوقي للأسهم عند مستوى 1.974 تريليون جنيه.
وأغلق مؤشر إيجي إكس 30 المحدد النسبي لأكبر 30 سهما مقيدة بالبورصة عند 28750 نقطة، مسجلا انخفاضا بنحو 2%، بينما سجل مؤشر EGX70 EWI للأسهم المتوسطة هبوطا بنسبة 4.34% مغلقا الفترة عند 6502 نقطة.
بينما سجل مؤشر S&P تراجعا بنحو 3.13% مغلقا الفترة عند 5631 نقطة.
وبلغ إجمالى قيمة التداول خلال الأسبوع الماضي نحو 348.7 مليار وكمية التداول نحو 5.303 مليار ورقة منفذة على 582 ألف عملية، وذلك مقارنة بإجمالي قيمة تداول قدرها 320.4 مليار جنيه وكمية تداول 5.302 مليار ورقة منفذة على 555 ألف عملية خلال الأسبوع السايق عليه.
واستحوذت الأسهم على 5.2% من إجمالي قيمة التداول داخل المقصورة، في حين مثلت قيمة التداول للسندات/ أذون نحو 94.80% خلال شهر.
وسجلت تعاملات المصريين نسبة 91.3% من إجمالي التعاملات على الأسهم المقيدة، بينما استحوذ الأجانب على نسبة 4.4% والعرب على 4.3% وذلك بعد استبعاد الصفقات.
وسجل الأجانب صافي شراء بقيمة 10 مليون جنيه، بينما حقق العرب صافي بيع بقيمة 116.4 مليون جنيه وذلك بعد استبعاد الصفقات.
وعن سبب تلك الخسائر يقول خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس: إن “تواصل البورصة نزيف خسائرها خلال الفترة الماضية، جاء بسبب ارتفاع الدولار وخروج الأموال الساخنة من السوق المحلية بحثا عن ملاذ أكثر أمنا، وحركة التصحيح العنيف التي تشهدها البورصات العالمية والمحلية جراء صعود الأسهم طوال عامين من دون أن تمر بفترة تصحيح، ما أدى إلى تضخم ثروات المتعاملين بالأسهم دون أن يحصلوا على عوائد حقيقية”.
يشير النحاس في تصريحات صحفية لجريدة العربي الجديد إلى أنّ البورصات تواجه فترة العوائد المقلوبة، التي تتطلب أن تكون إيرادات الأسهم قريبة من نسبتها الحقيقية، لافتا إلى أن الأسهم قد تفقد نحو 50% من قيمتها خلال الفترة المقبلة، لتبدأ إجراءات التعافي، التي تأخر الوصول إليها منذ العام الماضي.
وأضاف أن صعود الدولار دفع حاملي السندات وأذون الخزانة، من الأجانب والعرب والمصريين، إلى التخلص منها، خشية أن يؤدي تراجع الجنيه إلى مزيد من الخسائر التي حققوها عند شراء تلك الأذون والسندات عندما بلغ سعر الدولار 47.20 جنيها، وبتجاوزه نحو 49.50 جنيها، تسبب في فقد المستثمرين ما بين 7%-9% من مراهنتهم على السندات وأذون الخزانة التي تعطي عائدا عند 27%، أملا في الهروب من السوق بأقل قدر من الخسائر.
ويحذر الخبراء من أنه لا يمكن الاعتماد على الأموال الساخنة في تمويل التنمية أو تحقيق معدلات نمو مرتفعة، أو حتى في مجال تشجيع الاستثمار المباشر، لكنها تظل بصورة أو بأخرى مسكنات عكس بعض الإيجابية عن الاقتصاد المصري، لكن عند خروجها تتعرى وتنجرف بالاقتصاد نحو الهاوية.