استنزاف لا يتوقف..سياسات العسكر تدفع الشركات المصرية ورجال الأعمال للهروب إلى الخارج

- ‎فيتقارير

 

 

السياسات الاقتصادية الفاشلة التي يتبناها نظام الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي، تسببت في هروب رجل الأعمال والمستثمرين المصريين بأموالهم إلى الخارج لتستفيد منها الشعوب الآخرى، ويحرم منها المصريون ولتتأكد مقولة الشاعر أحمد شوقي ” بلد سال به النضار للوافدين  وأهلوه على سغب ” .

استزاف السيسي لرجال الأعمال بالضرائب التي لا تتوقف وارتفاع تكلفة الإنتاج، وعدم توافر الخدمات وسيطرة شركات الجيش والمؤسسات السيادية على أغلب القطاعات، كان من شأنه أن يؤدي إلى تطفيشهم ويدفعهم إلى الهروب إلى الخارج .

 

كانت شركات مصرية كبرى قد واصلت عمليات التسجيل والبيع لبعض أصولها بالخارج هربا من أوضاع وقوانين السوق المحلية، والاحتماء بقوانين وأسواق دولية أخرى تعتمد طريقة ما يعرف بنظام “الملاذات الضريبة”، أو “الأوفشور”، الذي يمنحها حماية قانونية، ويسمح لها بتحويل أرباحها بالعملات الأجنبية مع تقديم إعفاءات ضريبة كبيرة. 

في هذا السياق ، نقلت شركة الصناعات الغذائية العربية “دومتي” في سبتمبر الماضي حصة مملوكة لعائلة “الدماطي” تمثل 24.61 بالمئة، لصالح شركة “International dairy investment”، المملوكة أيضا وبالكامل لعائلة الدماطي، والمسجلة بجزر الكايمن، الواقعة غرب “البحر الكاريبي”، التي تعد مركزا استثماريا قليل الضرائب، وجاذبة لشركات الأوفشور . 

وفي ديسمبر 2022، أعلنت شركة النساجون الشرقيون عن عمليات بيع صوري ونقل لملكية “24.61 بالمئة” من أسهمها ببورصة مصر، لشركة إنجليزية، تحمل اسم ” FYK LIMITED”، والمملوكة لأسرة خميس، بقيمة 1.37 مليار جنيه. 

وفي أكتوبر 2022، أعلن الملياردير نجيب ساويرس، الاستثمار ببناء محطات شحن السيارات الكهربائية بالمغرب، وبعض دول أفريقيا. 

وفي 2 مايو 2023، أعلن شقيقه سميح ساويرس، توقفه تماما عن الاستثمار في مصر، وعدم دخول مشروعات جديدة بها، بسبب أزمة شح الدولار وسعر الصرف، وأنه سوف يتوجه باستثماراته للسعودية. 

يشار إلى أن السيسي كان قد استهدف بعض رجال الأعمال خلال السنوات الماضية، ففي نهاية العام 2020، ثم 2021، جرى توقيف رجال أعمال بينهم صاحب محلات “التوحيد والنور” سيد السويركي، ومؤسس شركة “جهينة” صفوان ثابت ونجله، ومؤسس صحيفة “المصري اليوم” صلاح دياب، ومن قبلهم رجلا الأعمال أحمد بهجت، وحسن مالك. 

 

قانون الاستثمار

 

حول أسباب هروب المستثمر المصري قال الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب وكيل وزارة التجارة والصناعة السابق: إن “قطاع الاستثمار المصري بكل تنوعاته عانى كثيرا من الأزمات في السنوات الماضية، خاصة من عدم قدرته على التوسع بالشكل الذي يحقق له الأرباح المطلوبة”. 

وكشف عبدالمطلب في تصريحات صحفية عن وجود مشاكل اقتصادية واجهت الشركات منذ عام 2015، مع إقرار قانون الاستثمار الجديد، وما تلاه من توجيه جزء كبير من الاستثمارات في البلاد من الإمارات إلى العاصمة الإدارية الجديدة، ولم يعد أمام رجال الأعمال والشركات للعمل سوى الحصول عليه من حكومة الانقلاب في العاصمة الجديدة، ما أدى لاحقا لظهور مشكلة تأخر مستحقات أعمال تلك الشركات، وأثر عليها . 

وأشار إلى ما وصفه بالكارثة التي مُني بها القطاع الصناعي والزراعي، عندما صدرت القواعد والقوانين المنظمة للاستثمار، التي أصدرها رئيس البنك المركزي السابق طارق عامر، في فبراير 2022، وألزم من خلالها المستورد المصري باستبدال مستندات التحصيل بالاعتمادات المستندية للإفراج عن الواردات، في أزمة أثرت كثيرا. 

وأوضح عبدالمطلب أنه لهذه الأسباب بدأت المصانع والمزارع على حد سواء تفقد قدرتها على ضمان استمرارية سلاسل الإمداد، ولم تعد المصانع تقدر على جلب الخامات ومستلزمات الإنتاج وقطع الغيار، وبدأت تحدث مشاكل لبعض الصناعات، وتوقفت بعض المصانع وعملت بعض الشركات بأقل من طاقتها . 

وأكد أن كل ذلك كان معناه زيادة تكاليف الإنتاج ومضاعفتها، ما اضطر العديد من المنتجين لرفع أسعار المنتجات، لافتا إلى أنه عندما رفعت شركات الألبان قيمة منتجاتها أكثر من مرة في 2023 و2024، فإنها قالت؛ إنها لن تستطيع الحفاظ على أسعارها نتيجة ارتفاع التكاليف . 

 

سعر الصرف

 

ولفت عبدالمطلب إلى مسألة عدم استقرار سعر الصرف في السوق المحلية ، وعدم المقدرة على التنبؤ بنية حكومة الانقلاب في اتخاذ إجراءات خاصة مع برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي جعل المستثمر المصري غير قادر على عمل دراسات جدوى تمكنه من تحديد تكاليف إنتاجه، بدقة. 

وأضاف: اليوم مثلا، متوقع حدوث تحرير لسعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية، والشركات ظلت تنتظر حدوث التعويم من مارس 2022، ولم يحدث إلا في الشهر نفسه من العام 2023، كما أن الإشكال هنا قائم في حجم وقيمة التعويم، حيث إننا لا نتكلم في نسب بسيطة بقيمة 5 أو 10 بالمئة، بل نتحدث عن نسب تصل لـ40 و50 بالمئة، أدت لارتفاع قيمة الدولار مقابل الجنيه من 30 إلى 50 جنيها . 

وحذر عبدالمطلب من أن هذا يضع المستثمرين الذين قدموا دراسات جدوى في أزمة كبيرة، ما جعل الاستثمارات المصرية الكبيرة تفضل العمل في دول خليجية خاصة الإمارات والسعودية على الأقل، لحين تحسن الأمور في مصر .   

وأرجع حدوث هذا إلى أنه لم تكن هناك مناطق منافسة لمصر كالمناطق الكبرى مثل “نيوم” شمال غرب السعودية أو الخطط الاستثمارية السعودية 2030، أو بالإمارات، فلم يكن هناك خطط استثمارية كبيرة وطموحة في البلدين وعلى المستويات كافة. 

وتساءل عبدالمطلب: من كان يتخيل أن الإمارات أصبحت منطقة جذب سياحي عالية؟ وأصبح دخولها بتأشيرة ميسرة لكل من يريد زيارتها، ومعنى ذلك زيادة الحاجة لفنادق ومطاعم ومحلات تسوق وزيادة قدرة وسائل النقل، وبناء الطرق والمساكن.  

وألمح إلى أن المستثمر المصري هنا يستشعر أن لديه فرصة أفضل للعمل وتحقيق الأرباح دون أزمات السوق المحلية، ومن هنا بدأ توجهه نحو الخليج، خاصة وأن القواعد المنظمة للاستثمار أيسر والتشجيعات أكبر. 

وأكد عبدالمطلب أن القطاع الخاص المحلي، من المستحيل أن يوسع استثماراته بشكل كبير في قطاعات يمكن أن تنافسه فيها دولة العسكر، موضحا أنه لو عمل القطاع الخاص مثلا في مجال الزراعة، فإن مشروعات دولة العسكر المنافسة تحصل على كل ما تريده أولا من مبيدات مثلا، وهو لا يحصل عليها الا بعد اكتفاء الأخيرة، كما أن مزارع دولة العسكر تستخدم مياه الري وقتما تشاء، بينما المستثمر المحلي من القطاع الخاص مرهون بنوبة الري، وتأخر الري بفترات معينة ومع زراعات معينة ولمدة 48 ساعة قد يقضي على المحصول . 

وختم بالقول: “من هنا، جاء خوف قطاع الاستثمار المصري الخاص من عدم قدرته على التنبؤ بحكم توسع القطاع الحكومي وشركاته، وتلك المملوكة لجهات سيادية، ما جعله يقلص استثماراته، رغم ما لديه من فوائض أموال، بل ويبحث عن الاستثمار في الخارج”.  

 

 

الضرائب

 

وحدد وائل جمال، مدير وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بـ”المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” أسباب خروج المستثمرين والشركات المصرية من السوق المحلية إلى الخارج، في أن ذلك يأتي أولا: بهدف تجنب دفع الضرائب العالية في مصر؛ موضحا أن دبي مثلا تعد من الملاذات الضريبية أو الأوفشور، فهي واحدة من مدن ودول عديدة في العالم، يمكن للمستثمر أن يؤسس بها شركة دون دفع ضرائب . 

واعتبر جمال في تصريحات صحفية ، أن هذا يمثل هروبا ونزوحا لضرائب تلك الشركات من الموازنة العامة المصرية، التي تعاني عجزا سنويّا كبيرا، وتلتهم خدمة الديون نسبة كبيرة منها، كما أن ذلك الوضع يمثل خفضا لقيمة الضرائب التي يدفعها رجال الأعمال المصريون . 

وأكد أن تعامل حكومة الانقلاب مع المستثمر الأجنبي، أفضل من المستثمر المحلي، حيث تمنح الأول الحق في أن يُخرج أرباحه للخارج من الاستثمارات التي دخل بها، سواء كان ذلك في البورصة المصرية أو في أدوات الدين الحكومي من أذون وسندات الخزانة العامة. 

وأعرب جمال عن اعتقاده أن مسألة خروج المستثمرين المصريين إلى الخارج ليس له علاقة بأمان استثماراتهم في مصر؛ بقدر ما له علاقة بالأرباح التي سيحققونها، وبضمان القدرة على إخراج أرباح نتائج أعمالهم للخارج بالعملة الصعبة.