بحجة التقنين ..حكومة الانقلاب تغلق المدارس السودانية وتحرم السودانيين من التعليم

- ‎فيتقارير

 

 

 

أجبرت سلطات الانقلاب أكثر من 300 مدرسة مجتمعية سودانية تعمل في مصر على إغلاق أبوابها، أمام الطلاب وطالبت تلك المدارس بتقنين أوضاعها والخضوع الكامل لإشراف حكومة الانقلاب، حتى يُسمح لها بالعمل مرة أخرى.     

المدارس المجتمعية السودانية هي مراكز تعليم أنشأتها مجتمعات المهاجرين واللاجئين بجهودهم الذاتية، وأحيانا بدعم من مؤسسات خدمات اللاجئين، وتهدف للاستجابة للاحتياجات الدراسية لأطفالهم . 

وكان عدد من هذه المدارس يعمل في إطار قانوني غامض، عبر تفاهمات مع السفارة السودانية في القاهرة وسلطات المحليات لتدريس المناهج السودانية للأطفال السودانيين المقيمين في مصر، كما ينضم لها أحيانا طلاب من جنسيات أخرى من شرق إفريقيا. 

ومع ازدياد عدد المدارس والطلاب المُلتحقين بها، خلال الأشهر الأخيرة، إثر اندلاع الحرب في السودان، في أبريل من العام الماضي، والتي دفعت العديد من السودانيين للفرار من بلادهم، بدأ المعلمون وأولياء الأمور السودانيون في مصر تنظيم عمل المدارس السودانية. 

لكن قرارات الإغلاق جعلت مسئولي المدارس السودانية والعاملين بها يشعرون بالقلق والامتعاض، بسبب الغموض الذي يكتنف قرارات الانقلاب، خاصة ما يتعلق بالخطوات التي يجب عليهم اتخاذها للوفاء بمتطلبات التقنين التي أعلنتها حكومة الانقلاب.

ويخشى المعلمون وأولياء الأمور أن يؤدي هذا الغموض إلى إغلاق مدارسهم لأجل غير مسمى. 

 

محافظة الجيزة

 

كانت سلطات الانقلاب بمحافظة الجيزة ومديرية شرطة مرافق الجيزة قد أغلقت ثلاث مدارس مجتمعية سودانية في مدينة 6 أكتوبر واثنتين في منطقة فيصل بزعم العمل بدون ترخيص.

ويخضع عدد من مديري المدارس للتحقيق بتهمة تحويل الوحدات السكنية إلى أنشطة تعليمية يزورها أعداد كبيرة يوميا دون مراعاة شروط السلامة العامة، وتسبب إزعاجا للمواطنين بحسب مزاعم حكومة الانقلاب.

حول هذه الأزمة قال مصدر مسئول بمحافظة الجيزة، رفض ذكر اسمه: إنه “قبل اتخاذ أي إجراءات قانونية لإغلاق المدارس في الجيزة، أخطرت المحافظة المدارس بضرورة الإغلاق، حتى تقديم المستندات المطلوبة للمراجعة”.

وأضاف المصدر : أصدرت المدارس السودانية قرارا عبر مواقع التواصل الاجتماعي يمنح الطلاب السودانيين إجازة مفتوحة اعتبارا من 26 يونيو، لكي تتمكن المدارس من توفيق أوضاعها بسرعة واستئناف العمل، موضحا أنه في أعقاب ذلك، قررت جميع المدارس السودانية العاملة في مصر، الإغلاق حتى حل الوضع . 

 

وأكد أن اتخاذ خطوة حاسمة نحو تقنين وضع المدارس المجتمعية السودانية كان على جدول أعمال محافظ الجيزة الانقلابي السابق، أحمد راشد، منذ شهور، وهو أحد أول القضايا التي تسلمها المحافظ الانقلابي الجديد عادل النجار بعد تعيينه في بداية يوليو الماضي. 

 

الوضع القانوني

 

وأشار المصدر إلى أنه في الفترة الأخيرة تم تشكّيل لجان في المحافظة لدراسة الوضع القانوني للمدارس قبل إصدار الأوامر بإغلاق جميع المنشآت التعليمية غير المرخصة. 

وشدد على أن هذه الخطوة تأتي بشكل خاص لمواجهة المدارس التي تم إنشاؤها مؤخرا لغرض التربح دون استيفاء متطلبات الترخيص الرسمية، ولم تواجه هذه المدارس بعد أي عواقب قانونية من المحافظة أو سلطات الأحياء، مشيرا إلى أن سلطات الأحياء من المفترض أن تكون مسؤولة عن متابعة تراخيص المدارس السودانية، ولكنها وغيرها من السلطات المعنية مليئة بالرشوة والفساد. 

وأكد المصدر أن المدارس لم تتمكن بعد من استكمال أوراقها، مشيرا إلى أنه لا يستبعد احتمال أن تكون تحركات محافظة الجيزة بخصوص المدارس السودانية هي بتوجيهات حكومية عليا، خاصة فى ظل تدخل الشرطة في عمليات الإغلاق الأخيرة. 

 

موافقة مبدئية

 

في المقابل قال سامي الباقر، المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، وهي نقابة مستقلة للمعلمين على مستوى السودان : تعمل المدارس المجتمعية السودانية في مصر على تلبية احتياجات أفراد المجتمع السوداني ممن يرغبون في استئناف تعليم أطفالهم من حيث انتهى في السودان، مشيرا إلى أن بعض الأسر تختار دمج أطفالها في النظام التعليمي المصري، بينما تخشى أخرى من صعوبة انضمام أطفالها إلى المدارس المصرية، لأنهم لم يلتحقوا بها من البداية، ولذلك تفضل خيار المدارس المجتمعية السودانية. 

وأكد الباقر في تصريحات صحفية أن المتطلبات القانونية للمدارس المجتمعية السودانية قائمة نظريا منذ فترة طويلة، وتشمل الحصول على موافقة مبدئية من وزارتي التربية والتعليم والخارجية السودانية، بالإضافة إلى موافقة  نظيرتيها المصريتين، وسجل ضريبي، ورقم تسجيل تجاري، وتعداد كامل للطلاب والمعلمين المسجلين في المدرسة. 

وأشار إلى أن حكومة الانقلاب، كانت قد سمحت  لمعظم المدارس بالعمل دون الوفاء بتلك المتطلبات،  موضحا أن المدارس كانت تحصل فقط على الموافقة المبدئية من وزارة التعليم السودانية، وحتى تلك كانوا أحيانا يتجاهلونها، بخلاف ذلك، كانت المدارس تعمل من خلال تفاهمات مع الحي في المنطقة التي تقع فيها المدرسة. 

وأوضح الباقر أن تمويل المدارس المجتمعية يعتمد بشكل رئيسي على الرسوم التي يدفعها الطلاب، سواء من يحملون صفة اللجوء الرسمي من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وفي هذه الحالة تسجلهم منظمات مثل هيئة الإغاثة الكاثوليكية في المدارس وتدفع الرسوم نيابة عنهم، أو غيرهم من الطلاب ممن يتكلف أولياء أمورهم بدفع رسومهم.  

وأكد أنه لا يعارض فكرة التقنين والرقابة المناسبة لتنظيم عمل المدارس وحل بعض المشاكل، لكنه شكك في عملية التقنين الحالية، مشيرا إلى عدم وضوح المسار المستقبلي لتعليم السودانيين في مصر، وغرابة توقيت الإغلاقات الجماعية، وتأثيرها المحتمل على مستقبل الطلاب والمعلمين العاملين بالمدارس. 

وأعرب الباقر عن اعتقاده أن خطوة تقنين وضع المدارس المجتمعية مهمة، لكي تتمكن من العمل وفق الضوابط والنظم التي وضعتها وزارة تعليم الانقلاب، موضحا أن المشكلة أن المدارس لم تُزود بخطوات واضحة يجب اتباعها لاستيفاء متطلبات التقنين، ما يتركهم دون علم بموعد لاستئناف العمل واستقبال طلابهم.

وقال : “من المفترض أن تكون هناك عملية محددة للحصول على الموافقة النهائية وفتح المدارس، موضحا أن المتطلبات الحالية تفتقر إلى تسلسل واضح وتحتاج إلى خطوات ذات بداية ونهاية محددة وواضحة”. 

وأكد الباقر أن المسؤولية تقع على السفارة السودانية، وتحديدا الملحق الثقافي بها، كان ينبغي عليهم مخاطبة المدارس حول الإجراءات المطلوبة للحصول على الموافقة النهائية، والتواصل مع سلطات الانقلاب للوصول إلى صيغة لفتح المدارس أثناء توفيق أوضاعها، لأن إيقاف المدارس الآن حتما سيؤثر على الطلاب . 

 

استهداف مباشر

 

وقالت معلمة عملت في عدة مدارس مجتمعية: إن “تعليم الأطفال في هذه المدارس غالبا ما يتقطَّع، مما يجعل من الصعب ضمان تأهلهم لامتحانات السفارة”.

وأضافت المعلمة إن جزءا من هذه المعضلة يعود إلى الوضع غير النظامي لعدد من المدارس، موضحة أن بعض المدارس في واقعها مجرد أشخاص استأجروا شقة أو شقتين، وجمعوا عددا من الطلاب كافٍ لاعتباره صفا مدرسيا، وحصلوا على دعم مبدئي للطلاب ممن يحملون وضع اللجوء من المفوضية وهيئة الإغاثة الكاثوليكية، ويطالبون باقي أولياء الأمور بدفع رسوم التسجيل وقد لا تكون الرسوم كافية لاستمرار عمل المدرسة.

وتابعت : أحيانا يقرر المعلمون فجأة ترك عملهم، أو حتى يغادرون لفتح مدرسة أخرى بسبب عدم رضاهم عن ظروف ومسار العمل. 

وأشارت المعلمة إلى أن هيئة الإغاثة حاولت فرض المزيد من المعايير على المدارس التي تتكفل الهيئة بدفع رسوم طلابها، وسحبت على إثر ذلك الدعم من المدارس التي قررت عدم استيفائها المعايير التعليمية. 

وأكدت أن الشكل الرسمي الوحيد للرقابة الذي يتعين على معظم المدارس التعامل معه هو سلطات الحي التى تقوم بين الحين والآخر بزيارات للمدارس  للسؤال عن وضعها القانوني، عادة بعد تلقي شكاوى عن الضوضاء الصادرة من المدارس المقامة في المباني السكنية، مشيرة إلى أن العاملين بهذه السلطات عادة ما يتلقون رشاوى لإسقاط الشكوى. 

وكشفت المعلمة أنه مع الحرب التي دفعت بعض السودانيين ميسوري الحال لترك أحيائهم الراقية في السودان، حيث المدارس ذات الجودة العالية، أنشئت كذلك مدارس مجتمعية سودانية أكثر فخامة في مصر في مبانٍ أكبر وأكثر ملاءمة، موضحة أن الطابع غير الرسمي لنظام التعليم يجعل الأمور أشد صعوبة للطلاب في هذه المدارس الأكثر طموحا، التي تفرض رسوما باهظة تضاهي رسوم المدارس «الناشونال» في مصر.

وتساءلت عن سبب تجاهل حكومة الانقلاب للوضع لفترة طويلة، وعن الدافع وراء إغلاق جميع المدارس في هذه اللحظة، مؤكدة أن إغلاق المدارس صاحبه استهداف مباشر لاثنين من مديري المدارس المجتمعية السودانية، أحدهما يدير مركز الرؤية الإفريقية التعليمي في مدينة 6 أكتوبر، والآخر يدير فرع مدارس النخبة السودانية الشاملة في فيصل.

وقالت المعلمة: إنه “على الرغم من حيازتهما بطاقات لجوء سارية من المفوضية، إلا أن الشرطة اعتقلتهما وهددتهما بالترحيل إلى السودان، بسبب تدريسهما لمنهجي التاريخ والجغرافيا السودانية دون موافقة سلطات الانقلاب”.