أثار تعيين وزير مالية مبارك، بطرس غالي، في المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية، التابع لرئاسة الجمهورية، شجون العديد من المصريين وشباب الثورة، الذين ضحوا بحياتهم لإسقاط نظام مبارك الفاسد ورموزه، الذين نهبوا أموال الشعب، وفي الوقت نفسه، ذكَّر بزهرات شباب مصر وعلمائها وخبرائها الأشراف، الذين يقبعون في سجون الانقلاب العسكري بلا ذنب سوى طهارتهم ووطنيتهم، ومنهم أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، عبد الله شحاته، المحكوم بالسجن المؤبد.
وفي دولة الانقلاب العسكري، يتورط الفاسدون في سرقات بمليارات، وتهريب آثار، وفساد وإفساد، ثم يعيد رأس الانقلاب تدويرهم، ومنهم يوسف بطرس غالي وزير المالية في حقبة الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي بعد أكثر من 10 سنوات من اتهامه بسرقة مليارات الجنيهات، أُدرج ضمن التشكيل الجديد للمجلس التخصصي للتنمية الاستشاري التابع للسيسي، وفي المقابل، يقبع الخبير الاقتصادي الدولي عبد الله شحاته، مساعد وزير المالية السابق في عهد الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي، في السجن بتهم هزلية، بدلًا من تكريمه على كشف فساد تجاوز أكثر من 100 مليار جنيه تورط فيه رجال مبارك.
الدكتور عبد الله شحاته
تَميز شحاته بالأمانة وفضح رموز الفساد، وكشف التهرب الضريبي لكبار رجال الأعمال مثل نجيب ساويرس، وأحمد عز، ومحمد الأمين، ومحمد أبو العينين، كما فتح ملف استيلاء مستثمرين كبار على آلاف الأفدنة على طريق (القاهرة – الإسكندرية) الصحراوي، والتي تزيد قيمتها عن 100 مليار جنيه.
وشحاته من أساتذة الجامعات النابغين الذين غيبتهم السجون في مصر، في أعقاب انقلاب الجيش على الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي، إذ عمل خبيرًا لسنوات في صندوق النقد الدولي والمعونة الأميركية وغيرها من المؤسسات المالية الدولية.
تخرج شحاته في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة عام 1994، وحصل على درجة الماجستير من هولندا والدكتوراه من بريطانيا، حتى عُين مدرسًا مساعدًا بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ثم أستاذًا للاقتصاد في الكلية نفسها.
عمل شحاته مستشارًا في وحدة السياسات المالية بوزارة المالية المصرية منذ عام 2007، ثم انتقل للعمل بصندوق النقد الدولي، كما عمل جاهدًا على تحسين إيرادات الدولة المصرية، ليس بفرض مزيد من الأعباء على المواطن الفقير، بل من خلال الاستخدام الكفء لموارد الدولة، والحد من عمليات الفساد الواسعة.
وكان شحاته مساعدًا أول لوزير المالية في الحكومة التي شكلها الدكتور هشام قنديل، وعقب التحاقه بوزارة المالية، عمل على قضية الحد من عجز الموازنة، وتقليص الدين العام، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، بالإضافة إلى الحد من الفساد الإداري والقضاء على أنشطة التهرب الجمركي والضريبي في الدولة، وفتح ملفات ظلت مغلقة لسنوات طويلة.
اعتقال شحاته
في 28 نوفمبر 2014، ألقت أجهزة الأمن القبض على شحاتة بالتزامن مع دعوات التظاهر في ذلك اليوم، وبثت وزارة الداخلية تسجيلًا مصورًا لاعترافات انتُزعت تحت التعذيب، أنكرها لاحقًا، قائلاً في إحدى جلسات محاكمته:
“كنت مستشارًا في صندوق النقد الدولي، وليست لي علاقة بهذه القضية أو بالأحراز الخاصة بها، كما ليست لي علاقة بأي جماعات أو تنظيمات إرهابية.”
بطرس غالي كبير اللصوص
أما يوسف بطرس غالي، المُكرم من قبل السيسي، فكان من أبرز وزراء المجموعة الاقتصادية المقربة من الرئيس المخلوع حسني مبارك ونجله جمال، شغل منصب وزير المالية قبل اندلاع الثورة الشعبية التي أطاحت بنظام مبارك بعد نحو 30 عامًا في السلطة.
بعد ثورة 25 يناير، قضى سنوات في أروقة المحاكم، حيث وُجهت له العديد من الاتهامات بالفساد المالي، وصدر ضده أحكام بالسجن في بعض القضايا، قبل أن تبرئه المحاكم المصرية من كافة الاتهامات.
في يوليو 2023، قضت محكمة جنايات شمال القاهرة ببراءة يوسف بطرس غالي في القضية المعروفة إعلاميًا بـ “فساد الجمارك”، والتي كان يواجه فيها اتهامات بالتربح واستغلال السلطة، وفي نوفمبر 2022، قضت محكمة الجنايات ببراءته في قضية “اللوحات المعدنية”، بعد 11 عامًا من المحاكمة، حيث بدأ الأمر بإدانته بالسجن 10 سنوات قبل أن تنظر محكمة النقض في القضية وتُعاد محاكمته.
كانت المخابرات العامة ورئاسة الجمهورية المصرية قد كشفت أن غالي كان “جاسوسًا” لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) ولجهاز الموساد الإسرائيلي قبل تعيينه وزيرًا في الحكومة المصرية لأول مرة عام 1993، لكن الرئيس المخلوع مبارك أصر على تعيينه، وأقنع جهاز المخابرات بأنه تحت السيطرة ولا قلق منه.
وأشار ضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، إلى مانشيتات الصحف المصرية التي تحدثت عن كون يوسف بطرس غالي عميلًا للمخابرات المركزية المصرية.
تبقى القضية الأكبر التي لم تذهب للمحاكم هي شهادة الوزيرة السابقة ميرفت التلاوي، التي تحدثت عن خلاف سابق مع يوسف بطرس غالي، الذي استحوذ على نحو نصف مليار جنيه مصري من أموال التأمينات والمعاشات لاستثمارها عبر أحد البنوك الأمريكية، حيث ضاعت بسبب خسارتها في بورصة نيويورك.
وما بين الرجلين، تظهر الفوارق واضحة بين نظام السيسي الفاسد والمحتضن للفاسدين، وبين نظام مرسي، الذي لم يقرب منه إلا الأطهار والوطنيون والخبرات العلمية الفذّة.