دعوة للمراجعة: مصر ليست سوريا كما كانت ليست تونس!!

- ‎فيتقارير

في ظل العبث السياسي والاقتصادي الذي تغرق فيه مصر، أرسل الكاتب الصحفي جمال سلطان، عدة نصائح إلى من يهمه الأمر في مصر، قبل أن تغرق الدولة مؤكدًا أنه يتحدث ليس كمعارض، فليست هذه اللحظة هي المناسبة لذلك، بل يتحدث بقلب مفتوح كصحفي مصري، يراقب الأحداث، ويقرأ التاريخ، ويخاف على وطنه وشعبه وجيشه، ويقدم خطوطا عامة لأفكار قد تكونأو يكون بعضها مفيدا لفكر الدولة وتقديرات أجهزتها في تلك الأجواء المشحونة بالقلق والتوتر في المنطقة.

 

تداعيات سوريا

 

وقال جمال سلطان إنالأحداث الكبرى التي وقعت في سوريا مؤخرًا، ونجاح ثورة شعبية مسلحة في أن تنزع حكمًا راسخًا مثل حكم آل الأسد، يضرب بجذوره إلى حوالي 60 عاما، يقوم على مؤسسة عسكرية كبيرة، وشبكة أمنية واستخباراتية ضخمة جدا ومتشعبة ومسيطرة، ودعم عسكري واستخباراتي إقليمي ودولي كبير، ومنظومة تحكم إعلامي وقضائي وفني وتعليمي وديني شاملة، ومع ذلك انهار في النهاية، لم يسقط فقط، بل انهار، وتفكك بالكامل، وأعتقد أن هذ اسيشكل  تأثيره على بلدنا مصر.

 

 من المسؤول عن انهيار سوريا

 

وأضاف أنه من الطبيعي أن يطرح هنا السؤال، من المسؤول عن هذا كله؟ من المسؤول عن انهيار “الدولة” في سوريا؟ من المسؤول عن انهيار الجيش في سوريا، من المسؤول عن ضياع وتبخر كل أملاك ومقدرات الجيش في سوريا؟ هل هم الشباب السوري الذي اضطر في النهاية إلى مقاومة جبروته بالسلاح؟ بالقطع لا ، المسؤول الأول هو رئيس الجمهورية بشار الأسد نفسه، وقادة جيشه ومخابراته، الذين سدوا كل نافذة أمل في الإصلاح أمام الناس، وتصوروا أن استخدام السلاح لقهر شعبهم مع حصار هائل من منظومة قمع وسجون وتعذيب وترهيب وتشريد، أن ذلك سيحقق لدولتهم الأمان والاستقرار.

 

مصر ليست تونس

 

ولفت أنه قطعا يكون لتكوين الدول وظروفها الاجتماعية والسياسية اختلافات، فلا يوجد دولة تتطابق ظروفها مع أخرى، لكن لا يمكن الاستنامة إلى ذلك، وتذكرون في 2011 عندما وقف صفوت الشريف ـ وزير مبارك ـ أمام الكاميرات يقول: مصر ليست تونس، وليس على رأسنا بطحة، ثم جرى ما جرى، ولا يوجد مصري يحب هذا الوطن ويحرص عليه يرضى أن يحدث لدولته هذا الانهيار، ولا أن تستباح أرضه، ولا أن ينهار جيشه، ولا أن تتبخر مقدراته، فهي أملاك الشعب في الأول والأخير، وكرامتها من كرامته الشخصية، رغم أي مشاعر بالظلم أو الغضب أو الاختلاف.

 

راجعوا التاريخ

 

واسترسل لذلك يكون من مقتضى الحكمة والوطنية والولاء لهذا البلد العزيز على قلوبنا جميعًا، أن تتم مراجعة مجمل التجربة التي جرت من 2011 وحتى اليوم، من جميع جوانبها، والنظر بعمق وسعة أفق إلى مشكلات البلد، وأسباب انقسامها، وتوترها الدائم والذي تفاقم مؤخرا كما تعلمون بسبب دخول الأزمات الاقتصادية العنيفة على خط الغضب، مع إحساس ملايين المصريين بالظلم أو التهميش أو القمع، لأسباب متنوعة، باختصار، فالبلد معبأة بالغضب، ومعبأة بوقود الاشتعال على أي حدث مفاجئ أو موقف لم يكن في الحسبان، وجاهزة للانفجار، فتنتشر النار في كل مكان، ولا يعرف أحد إلا الله إلى ماذا ستفضي.

 

الشعب يشتاق للحرية

 

وتابع، ضف لذلك شيئًا مهمًا للغاية، أن الأجيال الجديدة ذاقت طعم الحرية ونشوتها في “الربيع العربي”، وأصبح من المحال أن تنساها، في مصر أو غيرها، ويستحيل أن يتصرف حاكم اليوم متجاهلاً هذه الحقيقة، هذه أجيال مختلفة عما سبق، ستظل قلقة ومقلقة، بحثًا عن الإصلاح وعن مساحة للديمقراطية والتنفس والمشاركة في بلادها، هذه أجيال يمكنك قمعها أمنيا لفترة من الزمن، لكن يستحيل أن تنزع من عقولها ومشاعرها الشوق إلى الحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية التي ذاقت بعض رحيقها وتنسمت بعض عطرها، وستظل تلك المشاعر تبحث عن فرصة لتحقيق أهدافها، وسيكون خطيرًا جدًا أن يوضع أمامها بصفة دائمة حائط مسدود، وأمل معدوم في الإصلاح.

 

فرغوا السجون من المعتقلين

 

وأكد أن تفريغ هذه السجون المشحونة بعشرات الآلاف من البشر بلا أي منطق ولا معنى، سوى نشر الخوف أو القلق أو تصور أنها تؤدي إلى كسر الإرادة لدى نشطاء أو رموز سياسية، ووقف تلك المحاكمات الهزلية التي تجري، وإلغاء ما صدر من أحكام في بعضها بقرارات جمهورية، وهي الأحكام التي لم يقتنع بها أحد، ومعروف للكافة لماذا صدرت، وكيف صدرت، وهي التي أهانت القضاء المصري بصورة لم يسبق لها مثيل، وسمحت للفساد أن يغرقه ويلوث سمعته، رغم ما فيه من شخصيات وافرة الوطنية والنقاء.

 

برلمان نزيه وحر

 

وأضاف أيضا، لا تصلح تلك الهيمنة الشاملة على المؤسسة التشريعية، إنه سهل جدا أن تتم محاصصة المقاعد البرلمانية بين الأجهزة الأمنية، لا يحتاج ذلك إلى قدرات خاصة ولا ذكاء استثنائي، لكن في النهاية سنكون أمام جهاز إداري وظيفي بحت لا صلة له بفكرة البرلمان، ولا يستر عورة ولا يحمي نظاما، كما لم يحم مجلس الشعب السوري بشار الأسد، بل تبخر معه، فوظيفة البرلمان ـ فوق التشريع والرقابة ـ امتصاص العنف والغضب من الشارع وتفريغه تحت القبة في مسار وتفريغه تحت القبة في مسارات مأمونة وسهل التعامل معها من قبل السلطة التنفيذية، فإذا غاب البرلمان عمليًا، كان العنف والغضب مهددا بانفلاته بصفة دائمة في الشارع.

 

أحزاب فعالة

 

وطالب أيضًا، من أنه لا بد من إطلاق حرية تكوين الأحزاب، والعودة لشرط الإخطار فقط للموافقة، ففكرة الأحزاب المعلبة أو المصنعة في مكاتب الأمن والمخابرات لا قيمة لها على الإطلاق سوى زيادة شحن الأجواء بالغضب والعنف المكنون الذي يمكن أن ينفجر في أي لحظة لأن الناس ترى أن طريق التغيير أو الإصلاح مسدود، هذه ليست أحزاب، هذه نوادي اجتماعية، أو شركات سمسرة سياسية لتقاسم وتوزيع الغنائم أو جزء منها، لا صلة لها بفكرة الحزب من أساسه، وهي تسقط هيبة النظام واحترامه في عين الشعب وفي عين الخارج أيضًا.

 

انتخابات المحليات

 

كما طالب من إنجاز انتخابات المحليات المعلقة بلا أي سبب أو منطق، والانتخابات الطلابية في الجامعات، وتسهيل الانتخابات النزيهة بصفة عامة، لأنها ترطب حياة المجتمع، وتخفف الاحتقانات، وتفيد الدولة في الرقابة على مسارب الفساد في أي مجال، كما أنها تساهم في إثراء الحوار الوطني حول كل ما يدعم نهوض البلد وتنميتها، وتقديم أفكار خلاقة لا تقدر قيمتها بمال.

 

إعلام نزيه

 

ونوه لإعادة النظر في منظومة الإعلام، وتفكيك كل ما يتصل بالدولة فيها، وترك المجتمع يتنفس، تحت رقابة قانونية من الدولة، فالصحافة الحرة، والإعلام الحر، بقدر ما يمثل من إزعاج شكلي، بقدر ما يمثل متنفسًا للناس والمجتمع، يفرغ الغضب والعنف كما لا أظن أنه يخفى عليكم اليوم أن الوجوه الإعلامية التي توظفونها اليوم للترويج للسلطة والدفاع عن سياساتها أتت بنتائج عكسية، وكانت سببا في زيادة الكراهية للنظام وليس القبول به، أي أنهم عبء على النظام وليسوا مساعدين.

 

اقتصاد قوي

 

وطالب بإفساح المجال أمام القطاع الخاص، الاقتصاد الحر، الرأسمالية الوطنية، لتنهض بالبلد، وتوسع نشاطها، وتوسع الفرص أمام العمالة المصرية لتقليل البطالة، وتقليل المساحة التي تتمدد فيها مؤسسات غير مدنية، في تركيا على سبيل المثال 85% من الوظائف وفرص العمل في الدولة تقدمها شركات القطاع الخاص، لا بد من التفكير في وقف هذا المسار المدمر للاقتصاد الوطني، واستسهال تغطية الفشل بالمزيد من القروض الخارجية والداخلية التي تعمق مرض الدولة وتزيد الضغط على الشعب، لأنكم تعرفون جيدا أن ذلك سيتجه بالبلد والشعب ـ ولو بعد حين ـ إلى هاوية سحيقة ومخيفة.

 

 واختتم أرجو أن نفكر جميعًا اليوم في وطننا، أن ننسى في تلك اللحظات المشحونة مواقعنا، معارض أو موالي، شعب أو جيش، وأن نتدارس جميعا ما يحيط ببلادنا من مخاطر وشرور، وأن نبحث عن أفضل الحلول لأمان سفينة الوطن وشعبه وجيشه ومؤسساته ومقدراته.