في السنوات الأخيرة، تمددت المؤسسة العسكرية داخل القطاعات الاقتصادية المصرية بوتيرة متسارعة، لكنّ التوسع في القطاع الزراعي أخذ بُعداً استثنائياً، بعد أن أصبحت جهات داخل الجيش لاعباً مركزياً يدير ما يُقدَّر بأنه نصف مساحة مصر المزروعة، وفق خبراء اقتصاد زراعي ومسئولين سابقين. هذا النفوذ المتصاعد خلق حالة احتكار تُوصف بأنها الأوسع منذ العصر الذي احتكر فيه محمد علي باشا الزراعة في البلاد قبل قرنين، لكن الفارق اليوم — كما يرى المتابعون — أن الاحتكار الحالي محمي بطبقات من التشريعات العسكرية والامتيازات فوق الرقابية.
ضابط غامض يتحول إلى لاعب رئيسي: من هو "العقيد بهاء"؟
وسط هذا المشهد، يبرز اسم العقيد بهاء الغنام — وهو ضابط لا تظهر معلومات رسمية عنه في المصادر العامة — باعتباره أحد المسئولين عن المشاريع الزراعية الكبرى داخل هيكل المؤسسة العسكرية. ورغم شحّ التفاصيل حول موقعه الدقيق، فإن تسريبات وشهادات لخبراء عملوا قرب هذه المشاريع تشير إلى أنه بات أشبه بـ“الزارع الأوحد” داخل نطاق يضم مئات الآلاف من الأفدنة، ما جعله رمزاً لصعود جيل جديد من الضباط ذوي النفوذ الاقتصادي المباشر.
لا توجد وثائق رسمية توضح طبيعة الصلاحيات التي يملكها الرجل، لكن امتداد المشاريع التي يُشرف عليها إلى مناطق متباعدة، وحجْم الاستثمارات التي تُدار عبره، يعكس اتساع الدور العسكري في رسم الخريطة الزراعية لمصر بطريقة غير مسبوقة.
احتكار يتجاوز عصر محمد علي: الدولة تبني “حائطاً زراعياً” مغلقاً
يقول خبراء إن المثال التاريخي الأقرب للمشهد الحالي هو نموذج محمد علي باشا الذي فرض احتكاراً مركزياً للزراعة، لكنه — رغم قسوته — كان جزءاً من مشروع دولة ناشئة تبحث عن التمويل. أما اليوم، فالتوسع العسكري في الزراعة يجري بغطاء من الامتيازات والتشريعات والإعفاءات الضريبية، وبمنظومة ليست خاضعة للمساءلة البرلمانية ولا للرقابة المدنية.
ويحذر الباحثون من أن ما يحدث ليس مجرد توسع اقتصادي، بل تحويل قطاع حيوي إلى مساحة مغلقة، لا يمكن لشركات خاصة أو جمعيات زراعية أو مستثمرين محليين منافستها، بسبب الفروق الهائلة في الامتيازات.
ويضيف أحد الخبراء:
“ما لدينا الآن ليس مجرد احتكار، بل منظومة تمنع نشوء أي كيان قادر على المساءلة أو التأثير في القرار. القطاع الزراعي أصبح جزءاً من هندسة سياسية واقتصادية محصّنة.”
تآكل القطاع الخاص واختفاء المزارع التقليدي
التوسع العسكري في الزراعة ترافق مع انكماش دور القطاع الخاص وتراجع قدرة المزارعين التقليديين على المنافسة. فالدولة — وفق محللين — ضخت استثمارات ضخمة في مشروعات محمية، بينما تُركت الزراعة المدنية دون دعم كافٍ، بل إن الدخول إلى مجال الزراعة التجارية أصبح محفوفاً بالتقييد بسبب صعوبة الحصول على تراخيص أو أراضٍ أو تسهيلات تمويلية.
ويشير اقتصاديون إلى أن تركيز الأراضي في يد جهة واحدة يؤدي إلى تحجيم دور صغار المزارعين وغياب التنوع الإنتاجي وانعدام المنافسة الحقيقية وارتفاع تكاليف الإنتاج بالنسبة للقطاع المدني.
كما أدى هذا الوضع إلى تحويل الأمن الغذائي إلى ملف أمني، لا اقتصادي، ما يزيد هشاشة المنظومة في مواجهة الأزمات العالمية.
غياب الشفافية: القطاع الزراعي “منطقة محظورة”
أخطر ما يشير إليه الخبراء هو أن هذا التوسع يتم في غياب شبه كامل للمعلومات المتاحة للرأي العام، إذ لا تصدر بيانات مفصلة حول حجم الأراضي أو الأرباح أو طبيعة العقود أو آليات الإدارة، بينما لا يمكن للبرلمان ولا الأجهزة الرقابية المدنية مساءلة الأطراف العسكرية المنخرطة في هذا النشاط.
ويقول مصدر من داخل أحد الهيئات الحكومية:
“مقدرات الدولة الزراعية تتعرض لنهب منظم، ليس بمعنى السرقة المباشرة، بل عبر إقصاء الرقابة ومنح قطاع واحد قدرة مطلقة على التصرف دون محاسبة.”
هل من بدائل؟ وكيف يمكن إعادة التوازن للقطاع؟
يرى محللون أن المعالجة لا تتطلب صراعاً مع المؤسسات الأمنية، بل فصل واضح بين النشاط الاقتصادي والوظيفة العسكرية، مع إعادة الأراضي الزراعية للمسار المدني، وتمكين المستثمرين والمزارعين والجمعيات الزراعية، وإعادة فتح السوق للمنافسة.
كما يطالبون بإعادة تفعيل الرقابة البرلمانية ومؤسسات المحاسبة المالية والشفافية في العقود ومشاركة الجامعات ومراكز البحث في توجيه السياسات الزراعية.
ويشددون على أن الأمن الغذائي لا يتحقق بالسيطرة المسلحة، بل بوجود قطاع زراعي متنوع ومفتوح وقابل للمساءلة.
مركزية غير مسبوقة
تعيش مصر مرحلة غير مسبوقة من المركزية العسكرية في الزراعة، حيث تحوّل قطاع كان تاريخياً مدنياً ومفتوحاً إلى منطقة نفوذ مغلقة، يقودها ضباط يتمتعون بسلطات واسعة، أبرزهم — بحسب المتداول — “العقيد بهاء”. هذه المركزية تهدّد بتقويض المنافسة وتصفية المزارع التقليدي، وتحويل الأمن الغذائي إلى ملف أمني خالص، في ظل غياب كامل للرقابة الشعبية والمؤسسية.