شهدت عودة اللاجئين السودانيين من مصر إلى بلادهم تراجعا كبيرا عقب سقوط مدينة الفاشر التى تعد آخر معاقل الجيش السوداني في دارفور بيد قوات الدعم السريع .
وتوقف اللاجئون السودانيون عما يُعرف بـ "العودة الطوعية" التى تنظمها حكومة الانقلاب عبر قطارات اسبوعية مخصصة لهذا الغرض ، فيما تمدّد القتال وجرى استخدام المسيّرات ليطال ولايات كانت تُعدّ آمنة، بينها النيل الأزرق.
العمليات العسكرية
فى هذا السياق كشف مصدر سوداني مطّلع يُشرف على الرحلات المجانية للعودة الطوعية أن الرحلات التي تنظمها "منظومة الصناعات الدفاعية السودانية" بالتعاون مع حكومة الانقلاب مستمرة، مشيرا إلى أن آلاف السودانيين كانوا قد سجّلوا قبل أحداث الفاشر، ومعظمهم نازحون من ولايات تُعدّ آمنة.
وقال المصدر : أُغلق باب التسجيل نهاية أكتوبر، والمُسجّلون ينتظرون أدوارهم خلال الأشهر المقبلة، وتُنظَّم الرحلات حتى الانتهاء من قوائم الانتظار، مؤكدا أن هناك تراجعاً كبيراً في الرحلات البرّية بالحافلات التي كانت تنظّمها جهات سودانية أهلية وخاصّة.
وأضاف : تقريباً لم تعد هناك رحلات، بعدما لحق الناس بـالبديل المجاني الأسرع والأكثر أمناً، وهو القطار. وهو ما جعل وجهة السودانيين في مصر تتجه إليه في ظل انتشار عمليات احتيال ونصب من بعض السودانيين على راغبي العودة والزعم بتنظيم حافلات لحملهم إلى الخرطوم وبعد جمع الأموال يختفي منظمو الرحلة كما حدث في محافظة الإسكندرية.
وشدد المصدر على أن العودة الطوعية تتوقف على تطورات العمليات العسكرية وتجدد المبادرات واستمرارها على نفس الزخم الذي كان على أشده قبل سقوط الفاشر وبعد تحرير العاصمة الخرطوم سيتأثر حتما بتعقيدات الصراع المسلح الدائر الآن خاصة أن الأولوية لدى الحكومة والجيش ستكون هي مواجهة قوات الدعم السريع وليس إعادة الإعمار مع تراجع الحديث عن البدء فيه خلال الأيام الماضية.
رحلات الحافلات
وقال مصدر سوداني إن استمرار رحلات العودة الطوعية لا يعنى أن السودانيين راغبون في العودة، مؤكدا أن الوضع الآن مختلف عن ما حدث في أعقاب استعادة العاصمة الخرطوم وشجع على العودة ومنها البدء في الأعمار .
وأكد المصدر أن الأوضاع الأمنية في العاصمة والولايات المحيطة بها متردية للغاية وفقا لشهادات المواطنين وبالطبع الصعوبات التي يواجهونها تؤثر على حماس البعض من أجل العودة.
وأشار الى أن توقف رحلات الحافلات التي كانت بكثافة بالتزامن مع القطارات برهن على أن هناك قطاعا من المقيمين في مصر يُراجعون حساباتهم من جديد بعد أحداث الفاشر وليس كما يُقال انها توقفت بسبب البديل المجاني أو الاحتيال لأنها ممارسات فردية .
وأوضح المصدر أن بعض العائدين للمناطق الآمنة ذهبوا يستكشفون الوضع وقياس إمكانية العودة من عدمها، والبعض ذهب لبيع ممتلكاته وتوفير المال لأسرهم الموجودة في مصر وهؤلاء يجازفون لأنهم قد لا يتمكنون من العودة مرة أخرى.
هجرة عكسية
وأكد أن فشل محاولات التوصل إلى هدنة سيؤدي لهجرة عكسية من السودان إلى مصر، فضلا عن المشاهد المروعة التي جاءت من أرض المعارك وغيرت قناعات بعض المتواجدين في مصر من رغبتهم في الإقامة المؤقتة إلى دائمة وأن عليهم التأقلم مع الأوضاع المعيشية الصعبة لأنها تبقى أفضل من الذهاب إلى الموت بطرق بشعة.
وتابع المصدر: لي أقارب وأصدقاء في الولاية الشمالية أكدوا أنهم لن ينتظروا تصاعد الاشتباكات وأن النزوح الداخلي بالنسبة لهم ليس حلاً فعالا، ومن نزح منهم إلى مدن سودانية أخرى طالتهم النيران ولا يوجد ضمانة لعدم امتداد الحرب للولايات الآمنة حاليًا، لذلك لن يخاطر الباقون برحلة نزوح داخلي أخرى وسينزحون إلى مصر عبر الطرق البرية ولن يلتفتوا لتحذير السلطات الرسمية لهم من مخاطر التهريب.
وشدد المصدر على أنه في حال جرى التوصل إلى هدنة فإن رحلات العودة عبر الحافلات ستعودة مرة أخرى لاستيعاب كل من يريدون العودة، لأن آلاف المواطنين على قوائم الانتظار لشهور قادمة للسفر عبر القطارات مع تزايد أعداد المسجلين، والعكس في حال اختار الجيش السوداني الاستمرار في المعركة العسكرية وهي ستكون أشد ضراوة إذ سيحظى الجيش بمزيد من الدعم العسكري وكذلك قوات الدعم السريع لتكون بمثابة جولة جديدة من الحرب لا أحد يعلم موعد نهايتها.
وأكدت ناشطة سودانية متخصصة في شئون اللاجئين تقيم في القاهرة، أن الحكومة السودانية مضطرة لأن تستمر في تسيير رحلات العودة وهي غير راغبة في ذلك لأن الأوضاع الأمنية مضطربة وتبقى الأولوية لحسم الحرب لكنها لا يمكن أن تتجاهل رغبة قطاع من السودانيين في العودة إلى البلاد حتى إن كانت تحت نيران الحرب .
الحكومة السودانية
وقالت الناشطة إن صعوبات المعيشة في مصر تدفع الآلاف لطلب العودة المجانية مع تخليهم عن العودة عبر الحافلات وهي بمقابل مادي، مشيرة إلى أن الحكومة السودانية ليس لديها مقدرة الآن على أن توفر الأمن بشكل كامل لكنها ترحب بالمواطنين في بلدهم.
وأضافت أن اتفاقية جنيف بشأن أوضاع اللاجئين التي وقعت عليها مصر تجعلها تستمر في استقبال اللاجئين وتوفير الخدمات الأساسية لهم وبالتالي فإن حكومة الانقلاب لا تدفع باتجاه ترحيلهم وانما تعمل على تسهيل العودة وهو ما يتماشى مع رغبة قطاع من السودانيين .
وأشارت الناشطة إلى أن هناك ضغوطا على حكومة الانقلاب من جانب مفوضية اللاجئين لتوفير فرص العمل والعلاج والتعليم المجاني للاجئين وهو أمر يواجه صعوبات على أرض الواقع في ظل التكدس السكاني والضغط الكثيف على الخدمات.
وأكدت أن وصول أعداد جديدة من اللاجئين الى مصر وارد في حال توجه عدد كبير من أهالي دارفور إلى الولاية الشمالية وهي على حدود مصر، وان حدث ذلك مع احتمالات تمدد الحرب، فإن المدن المصرية ستستقبل أعدادا جديدة، موضحة أن هذا يعد عنصراً ضاغطاً على حكومة الانقلاب التي ليس لديها رغبة في استقبال المزيد وتحاول الوصول إلى هدنة إنسانية تساهم في إنهاء الحرب.