كشف خبراء و مراقبون إن الزيادة الأخيرة في الحد الأدنى للمعاشات «لا يمكن وصفها إلا بأنها زيادة شكلية»، لأنها لا تقترب من الحد الأدنى الفعلي لتكلفة المعيشة. ويرون أن رفع المعاش من 1495 إلى 1755 جنيهًا «لا يغطي حتى الزيادة في أسعار السلع الأساسية خلال عام واحد»، ما يجعل أثره الحقيقي على حياة المتقاعدين شبه معدوم.
وأشار المراقبون إلى أن أزمة المعاشات في مصر ليست أزمة أرقام بقدر ما هي أزمة **فلسفة إدارة**؛ فالمعاش دخل يستند إلى اشتراكات دُفعت على مدى عقود، وليس منحة أو هبة من الدولة. ومع ذلك، تتعامل السياسات الحالية مع أصحاب المعاشات باعتبارهم عبئًا ماليًا يجب تقليصه، لا فئة لها حقوق مالية مكتسبة.
وعبّر الموظف المتقاعد رمضان البدري عبر حسابه @Prince1Ramdan عن غضبه قائلًا:
«الحكومة تآمرت على أصحاب المعاشات.. الدولة تتفنن في النصب عليهم، وعند صرف كل معاش تقول لهم إنها تعطف عليهم، بينما أصحاب المعاشات هم من يعطفون على الدولة».
https://x.com/Prince1Ramdan/status/2015857504404557899
وأضاف: «نظام متعجرف وظالم.. يعاني أصحاب المعاشات فقرًا وقهرًا لم يسبق له مثيل. مئات المليارات استولت عليها الدولة بضم أموالهم إلى الموازنة لسد العجز. أصحاب المعاشات لا يزال لديهم مسؤوليات أسرية.. فكيف يستقبلون الشهر الكريم بجيوب وبطون خاوية؟».
https://x.com/Prince1Ramdan/status/2016219960125632969
ويؤكد المراقبون أن المشكلة الأعمق تكمن في **ضعف الأجر التأميني** الذي بُنيت عليه معاشات أجيال كاملة، إضافة إلى ضعف عوائد استثمار أموال التأمينات، التي كان من الممكن أن ترفع قيمة المعاشات لو أُديرت بشكل احترافي ومستقل. ويقول أحدهم: «لو كانت أموال التأمينات تُستثمر كما تُستثمر صناديق التقاعد في دول أخرى، لكان الحد الأدنى للمعاش اليوم أعلى بكثير من الرقم الحالي الذي لا يكفي ثمن الكفن».
ويرى مراقبون أن الزيادات السنوية الحالية لا تحمي كبار السن من الفقر، بل تشرعنه، داعين إلى إصلاح جذري يشمل ربط المعاشات بالتضخم الفعلي، ورفع الحد الأدنى ليقترب من الحد الأدنى للأجر، وإعادة هيكلة إدارة أموال التأمينات لضمان عوائد عادلة ومستدامة.
فجوة متزايدة
تبدأ أزمة المعاشات من الفجوة المتسعة بين الزيادات السنوية التي تعلنها الحكومة وبين الواقع المعيشي لأصحاب المعاشات. فمع بداية 2026 رُفع الحد الأدنى للمعاش من 1495 إلى 1755 جنيهًا فقط، بينما ارتفع الحد الأدنى للأجر إلى 7000 جنيه، وتجاوز خط الفقر الرسمي 1478 جنيهًا للفرد. وفي ظل تضخم بلغ ذروته 38% عام 2023 ثم تباطأ دون أن تنخفض الأسعار، أصبحت الزيادة السنوية مجرد خطوة شكلية لا تعوّض تآكل القوة الشرائية لأكثر من 11 مليون متقاعد.
وتشير بيانات الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي إلى رفع الحدود التأمينية بداية 2026، لكن الفجوة بين الأجر والمعاش تكشف واقعًا أكثر قسوة؛ فصاحب المعاش يحصل على أقل من ربع الحد الأدنى لأجر موظف جديد، وغالبًا أقل من خط الفقر نفسه. ويرى الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن النظام الحالي «ينتج فقرًا ممنهجًا لكبار السن» رغم سنوات خدمتهم الطويلة.
قانون 164
يثير قانون 164 لسنة 2025 موجة واسعة من الغضب بين أصحاب المعاشات والأرامل، بسبب شعور عام بأن القانون سيؤدي إلى تقليص حقوق فئات ضعيفة أصلًا بدلًا من تحسين أوضاعها. ويرى كثيرون أن القانون جاء في توقيت اقتصادي شديد الصعوبة، وأنه يضيف أعباء جديدة على من لا يملكون بدائل أو مصادر دخل أخرى.
ويعبّر المنتقدون عن مخاوف من أن يؤدي تطبيق القانون إلى تراجع مستوى الحماية الاجتماعية، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية للمعاشات. كما يشكك البعض في وعود الحكومة بتوفير «بدائل»، معتبرين أن التجارب السابقة لم تُظهر التزامًا فعليًا بتحسين أوضاع هذه الفئات.
ويعكس هذا الغضب أزمة أعمق: فجوة كبيرة بين السياسات الحكومية وواقع الناس اليومي، حيث يشعر أصحاب المعاشات والأرامل بأنهم آخر من يُؤخذ رأيهم، وأول من يتحمل تكلفة أي تغيير تشريعي أو اقتصادي.
أداء جمال عوض
لا يراعي رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي أوضاع أصحاب المعاشات ولا يتحمل مسؤولية تحسين أحوالهم، إذ يكرر اللواء جمال عوض أن الصندوق لا يملك موارد كافية لصرف أي زيادات. لكنه يشير إلى نص المادة 16 من قانون التأمينات رقم 148 لسنة 2019، التي تنص على استثمار ما لا يقل عن 75% من احتياطي أموال التأمينات في أذون وسندات الخزانة، مع إمكانية تخفيض هذه النسبة بقرار من رئيس الهيئة وبموافقة وزيري المالية والتضامن. وهو ما يعني أن القانون يسمح فعليًا بزيادة الأموال المتاحة للصرف على المعاشات.
وتُموَّل الزيادات من الـ25% المتبقية من الاحتياطي المخصص لصندوق الهيئة للصرف على المعاشات الشهرية والالتزامات الأخرى. وتخفيض نسبة الاستثمار في أذون الخزانة من 75% إلى 60% مثلًا يمكن أن يوفر سيولة كافية لصرف زيادات أو منح استثنائية لأصحاب المعاشات.
وكانت الحكومة قد قررت صرف منحة 400 جنيه لمواجهة غلاء المعيشة، لكن رئيس الهيئة القومية للتأمينات أبلغ رئيس الوزراء بعدم وجود موارد، في حين صُرفت منحة مماثلة للعاملين بالدولة.
في ضوء هذه الشهادات، تبدو الزيادات السنوية الحالية جزءًا من سياسة أوسع تمنح المتقاعدين زيادات رمزية، بينما تستمر أسباب التدهور البنيوي دون معالجة حقيقية.