تحت لافتة “إعادة تجميل القاهرةالتاريخية ” .. سياسة البيع عندالسيسي تمتد لتطال التاريخ ذاته

- ‎فيتقارير

لم تعد سياسة البيع في مصر مقتصرة على الشركات أو الأراضي أو الموانئ، بل امتدت لتطال التاريخ ذاته.

فبعد أن قال المنقلب عبدالفتاح السيسي في أحد خطاباته: إنه "مستعد لبيع نفسه إذا كان ذلك سينقذ الدولة، لم تُنقذ السياسات المتبعة الاقتصاد، ولم تُسدد فاتورة الديون، فكان البديل بيع كل شيء آخر: الأصول، والمكان، والذاكرة، والدور الآن على القاهرة العتيقة، تحت لافتة براقة عنوانها ’إعادة تجميل القاهرة التاريخية كعروس لمدن الشرق,، تقود مؤسسات حكومية تابعة لسلطة الانقلاب، إلى جانب شركات خاصة ومطورين عقاريين، سباقًا محمومًا لإعادة تشكيل قلب العاصمة، وسط مخاوف متزايدة من تفريغها من سكانها الأصليين، تمهيدًا لطرحها في سوق الاستثمار العالمي لمن يملكون المال، في وقت تعاني فيه الحكومة عطشًا حادًا للعملة الصعبة".

هذا السبا ق الرسمي لم يأتِ منفردًا؛ إذ انخرط ملاك العقارات ومستثمرون في موجة موازية، عبر تأهيل المباني القديمة أو عرضها للبيع بحالتها الراهنة، مع اشتراط السداد العاجل وأولوية الدفع النقدي، ويفضل أن يكون بالدولار.

 ومع اتساع رقعة العرض من قبل الحكومة والقطاع الخاص، ازدهرت سوق البيع التي تديرها شركات محاماة وسماسرة، مدعومة بعشرات الصفحات التي أُنشئت خصيصًا على وسائل التواصل الاجتماعي للترويج للعقارات التاريخية.

في قلب هذه السوق، يعرض أيمن عبدالقادر، مالك عقار ذي طراز معماري مميز بميدان التوفيقية المطل على شارعي طلعت حرب وسوق التوفيقية، بيع العقار بالكامل بما يضمه من شقق ومحلات ومخازن، مقابل 280مليون جنيه، لعقار مقام على مساحة 820 مترًا ويتكون من 8 طوابق.

 ويعزو عبد القادر إقدام الملاك على البيع أو التطوير إلى التعديلات الحكومية على قوانين الإيجار، التي فتحت الباب – بحسب وصفه – أمام إعادة استثمار تلك العقارات، سواء بالبيع أو بالشراكة لتحويلها إلى فنادق ومشروعات تجارية، انسجامًا مع خطة حكومية لتحويل وسط القاهرة إلى منطقة سياحية مغلقة أمام وسائل النقل.

لكن الصورة تختلف على الأرض بالنسبة لأصحاب المحلات التجارية.

فهؤلاء يرون أن الحكومة حمّلتهم تكلفة التطوير كاملة، بينما تطاردهم بضرائب إضافية بزعم وقوعهم داخل نطاق منطقة سياحية، قبل اكتمال المخطط من الأساس.

 ويؤكدون أن تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وهي الضامن الوحيد لاستمرار نشاطهم طوال العام، دفعهم للاعتماد على سلع وخدمات أقل ربحية، في وقت ترتفع فيه الإيجارات ويتهددهم الطرد بموجب قانون الإيجارات الجديد.

ويشير المتضررون إلى أن الترويج المكثف للبيع عبر السماسرة والمنصات الرقمية أدى إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار العقارات والمحلات بجميع الأحياء الخاضعة للتطوير، حيث تُعرض منازل شعبية من طابقين بأسعار تتجاوز 40 مليون جنيه، لمجرد قربها من مساجد تاريخية أو مواقع تراثية، ما تسبب في ضغوط هائلة على أسعار الإيجارات السكنية والتجارية في مناطق يقطنها ملايين من أصحاب الدخل المتوسط والمحدود.

وفي جولة ميدانية وسط العاصمة، رصد إلزام المحال التجارية بكتابة لافتات باللغة الإنجليزية ومنع عرض المنتجات خارج المتاجر، في مقابل غياب رقابة أمنية فعالة تسمح بانتشار الباعة الجائلين مساءً، حين يكثر المشترون وتختفي الأجهزة الرقابية، بما يهدد مستقبل مشروعات التطوير نفسها. وبذريعة "تحويل القاهرة التاريخية إلى مقصد سياحي عالمي"، يجري تفريغ العقارات القديمة من سكانها، عقب تعديل قانون الإيجارات الذي يحرر العلاقة الإيجارية خلال سبع سنوات.

هذا التعديل أشعل سباقًا جديدًا بين الملاك لبيع ما تبقى من أصول لم تُسترد بعد، وطرحها أمام كبار المستثمرين والشركات.

الزخم المتزامن في أعمال الترميم والتجميل عبر أحياء متفرقة، رفع شهية المستثمرين لشراء المباني والمنشآت، مدعومًا بتدخلات حكومية أزالت العشوائيات والباعة الجائلين بالقوة، وسمحت لوزارة المالية ببيع أو مشاركة القطاع الخاص في استغلال الأراضي الشاغرة بالقاهرة الفاطمية والخديوية.

كما وافقت الحكومة لشركة "وطنية" التابعة للجيش على تحويل مناطق محيطة بنهر النيل إلى مراكز تجارية وخدمية سياحية خلال العام الجاري.

وبحسب بيانات رسمية، تستهدف الحكومة تحصيل ما ب ين 10 و15 مليار دولار من عوائد البيع والاستثمار خلال عشر سنوات.

غير أن الخبير الاقتصادي أحمد خزيم يرى أن هذه الحصيلة غير كافية لمعالجة أزمة الدولار، معتبرًا أن الدولة تبيع إرثًا تاريخيًا ضخمًا مقابل عوائد مؤقتة، بينما تتحمل مخاطر تقلبات سعر الصرف نيابة عن المستثمر الأجنبي، الذي يستخدم ودائع البنوك من العملة الصعبة في التطوير، ثم يعيد تصدير أرباحه إلى الخارج دون قيود.

ويشير خزيم إلى أن ضغوط صندوق النقد الدولي دفعت الح كومة لتسريع بيع الأصول العامة بقيمة لا تقل عن 3 مليارات دولار خلال العام المالي 2025-2026، مع خطط لبيع أصول إضافية بقيمة 2.1 مليار دولار في2026-2027، ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على التصفية لسد العجز وسداد الديون والحفاظ على استقرار سعر الصرف.