قالت تقارير: إن "مصر تسعى خلال الأشهر الأخيرة إلى تنفيذ واحدة من أكبر عمليات الإصلاح الاقتصادي في تاريخها الحديث، عبر محاولة دمج اقتصادها الموازي—أو ما يُعرف بالاقتصاد غير الرسمي—الذي يُقدّر حجمه بنحو 270 مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، هذا الرقم الضخم، الذي ظل لسنوات طويلة خارج نطاق الضرائب والرقابة، بات اليوم في صدارة أولوياتها وهي تبحث عن موارد جديدة وسط ضغوط اقتصادية غير مسبوقة".
خارج الرادار
والاقتصاد الموازي في مصر ليس ظاهرة جديدة، لكنه تضخم خلال العقد الأخير بفعل عوامل متعددة: ضعف الرقابة، تعقيدات الإجراءات الحكومية، ارتفاع تكلفة الترخيص، وتراجع الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتشير تقديرات رسمية إلى أن ملايين الأنشطة التجارية تعمل دون سجل ضريبي أو بطاقة ضريبية، بدءًا من الورش الصغيرة وحتى شركات متوسطة الحجم.
هذا الحجم الهائل من النشاط الاقتصادي غير المسجل يعني أن الدولة تخسر مليارات الدولارات سنويًا من الضرائب والرسوم، في وقت تحتاج فيه بشدة إلى كل مورد إضافي لدعم الموازنة وتمويل الخدمات الأساسية.
ويرى الباحث أشرف بديع @AshrafABadie أن هناك مقولتين شائعتين تحتاجان إلى توضيح دقيق؛ فالمقولة الأولى التي تتحدث عن أن "الضرائب تمثل جزءًا كبيرًا من دخل الدولة" تُطرح عادة وكأنها مشكلة، بينما الحقيقة – كما يوضح – أن أي دولة لا تمتلك ثروات طبيعية كبيرة تعتمد بطبيعتها على الضرائب المفروضة على أرباح الشركات الناجحة العاملة داخلها، وهو أمر طبيعي وليس خللًا.
أما المقولـة الثانية المتعلقة بأن "الاقتصاد الموازي لا يدفع ضرائب"، فيرى أنها تحتاج إلى تفكيك، لأن الاقتصاد الموازي ليس كتلة واحدة؛ فهناك الفئة الأولى مثل الباعة الجائلين والعاملات في المنازل والبوابين، وهؤلاء لا يدفعون ضرائب فعلًا لكنهم في المقابل لا يحصلون على شيء من الدولة، وبالتالي لا داعي للضجة حولهم.
بينما الفئة الثانية تضم الأطباء والمحامين والوسطاء والعمولات، وهؤلاء لا يدفعون الضرائب، بسبب غياب دور الدولة في وضع نظم واضحة وسهلة التطبيق تضمن إدماجهم في المنظومة الرسمية.
ويضيف في سياق آخر أن الاقتصاد الموازي لا يقتصر على الأنشطة الفردية الصغيرة، بل يمتد إلى اقتصادات ظل (اقتصاد العسكر) تُخلق عمدًا خارج الرقابة الرسمية للتهرب من العقوبات وتأمين مصادر تمويل بديلة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى ضرب العملات الوطنية وتدمير البنية الاقتصادية للدول المضيفة، مما يجعل معالجة هذا الاقتصاد ضرورة لا رفاهية.
وفي العام نفسه، تحدث عن ذلك الخبير الاقتصادي يزيد صايغ عن وجود دولة موازية في مصر لا تهتم بالإنفاق أو إصلاح دولة المصريين بكل مشاكلها، وهو قادر على الحياة في دولة موازية لها ميزانياتها واقتصادها ومزاياها ولا تخضع لأي رقابة.
وتساءل متعجبا "لماذا أشغل نفسي بدولة ال 100 مليون بكل مشاكلها وفقرها ومطالبها ومؤسساتها طالما قادر على أن تعيش في دولة صغيرة تخدم أقلية صغير للغاية ومليئة بالموارد والمزايا والخدمات؟.". مشيرا إلى أن تأسيس الدولة الموازية حل مشاكل النخبة تقريبا، وأصبحت نظاما قائما وشبه متكامل.
رهان على الحوافز بدل العقوبات
في خطوة لافتة، اختارت الحكومة المصرية هذه المرة سياسة الترغيب بدل الترهيب، فبدلًا من فرض غرامات أو حملات إغلاق، أعلنت عن حزمة واسعة من الحوافز لتشجيع أصحاب الأنشطة غير الرسمية على الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي، وتشمل هذه الحوافز: إعفاءات ضريبية مؤقتة وتسهيلات في التسجيل وتخفيضات على رسوم التراخيص وإمكانية الحصول على قروض ميسّرة وإدماج الأنشطة الصغيرة في برامج التمويل والدعم الحكومي.
لماذا الآن؟
وتأتي هذه الخطوة في لحظة حساسة تمر فيها مصر بتحديات اقتصادية كبيرة، أبرزها: ارتفاع الدين العام وتراجع قيمة العملة والحاجة إلى تعزيز الإيرادات الحكومية والتزامات إصلاحية مرتبطة باتفاقات دولية.
ولذلك يعد دمج الاقتصاد الموازي (ولو قسرا) يُعد أحد المسارات القليلة القادرة على توفير موارد سريعة دون فرض ضرائب جديدة على المواطنين أو الاقتراض الخارجي.
ويرى الأكاديمي د.محمد الشريف أن الاقتصاد الموازي في مصر أصبح الكتلة الأكبر في سوق العمل، حيث انضم إليه معظم الداخلين الجدد، بينما تفتقر الحكومة إلى الشفافية في إعلان عدد الملفات والبطاقات الضريبية والقيمة الفعلية للضرائب التي يسددها هؤلاء، مؤكدًا أن الادعاء بأن أغلبهم يعملون رسميًا ويدفعون ضرائب هو "كلام فارغ" لأن الغالبية تعمل خارج الإطار القانوني.
ويعتبر الشريف @MhdElsherif أن ملف المهاجرين واللاجئين مثال صارخ على تضخم هذا الاقتصاد، إذ يدخل الملايين إلى سوق العمل بلا تنظيم أو سجلات أو تصاريح عمل، ويعملون في المنازل والأنشطة غير الرسمية دون دفع ضرائب، ويسكنون بأعداد كبيرة في وحدات صغيرة، ويرسلون تحويلات مالية إلى الخارج، بينما لا تستفيد الدولة منهم اقتصاديًا.
ويضيف أن القول: بأن " 70% منهم يعملون في وظائف مستقرة يوحي، وكأن مصر أصبحت دولة غنية قليلة السكان تحتاج إلى استقدام عمالة، بينما الحقيقة أن معظمهم يعملون في الاقتصاد الموازي".
ولا يقتصر نقده على الأفراد، بل يمتد إلى مؤسسات كبرى، إذ يرى أن الجيش نفسه أصبح جزءًا من هذا الاقتصاد غير الرسمي، وأنه لو خضع لنفس قواعد المنافسة والضرائب التي يخضع لها القطاع الخاص فسيفلس لأنه اقتصاد "غير حقيقي".
وينتقد الشريف توجه الدولة نحو زيادة الضرائب على نفس المجتمع الضريبي بدلًا من توسيع القاعدة الضريبية عبر دمج الاقتصاد الموازي، معتبرًا أن أي زيادة في الحصيلة الضريبية لا تكون نتيجة إدماج هذا الاقتصاد في المنظومة الرسمية ليست أمرًا إيجابيًا، بل عبئًا إضافيًا على من يدفعون أصلًا.
وتراهن حكومة السيسي على دخول الأنشطة غير الرسمية إلى الاقتصاد الرسمي حيث تستفيد الدولة من زيادة الإيرادات الضريبية، بادعاء أن أصحاب الأنشطة سيحصلون على؛ حماية قانونية وإمكانية التوسع والوصول إلى التمويل البنكي والمشاركة في المناقصات الحكومية وفرص أكبر للنمو والاستدامة.
إلا أن رغم هذه الحوافز، لا تزال هناك عقبات قد تعرقل نجاح الخطة، أبرزها ضعف الثقة بين المواطن والجهات الحكومية والخوف من الأعباء الضريبية المستقبلية كما أن البيروقراطية التي لم تُحل بالكامل فضلا عن مشكلة مزمنة في غياب الوعي بأهمية التسجيل الرسمي.
وعند مدى نجاح هذه الخطط أعلنت في سبتمبر 2025 رئيسة مصلحة الضرائب عن نمو الإيرادات الضريبية بأكثر من 20% في أول شهرين من العام المالي، بعد زيادة 35% العام الماضي لتصل إلى 2.2 تريليون جنيه، عزت الزيادة إلى التسهيلات وتوسيع القاعدة الضريبية، بما في ذلك الاقتصاد الموازي والتجارة الإلكترونية.