أعلنت وزارة الصحة بحكومة الانقلاب عن غلق 114 منشأة نفسية غير مرخصة كانت تحتجز المرضى دون استيفاء الاشتراطات الطبية خلال حملات رقابية للمجلس القومي للصحة النفسية في 8 محافظات مع تحرير المحاضر القانونية اللازمة!
وخلال الفترة الممتدة من أبريل 2025 إلى أبريل 2026، نفّذت وزارة الصحة والمجلس القومي للصحة النفسية سلسلة من الحملات الرقابية على المنشآت النفسية الخاصة، خصوصًا تلك التي تعمل دون ترخيص أو تحتجز المرضى دون استيفاء الاشتراطات القانونية.
البيانات الرسمية تشير إلى أن الوزارة في 15 مارس الماضي أغلقت 19 مركزاً بزعم أنها غير مرخص لعلاج الإدمان بالمقطم ومدينة بدر بواقع 16 مركزاً بمنطقة المقطم و3 مراكز بمدينة بدر.
وأكد الدكتور هشام زكي رئيس الإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد المخالفين، مع استمرار الحملات الرقابية بجميع المحافظات، مشيراً إلى رصد مخالفات جسيمة شملت غياب المدير الفني، مزاولة المهنة بدون ترخيص، قصور في مكافحة العدوى والتجهيزات، عدم وجود سجلات منتظمة، مخالفات في التعامل مع النفايات الخطرة، وعدم تصويب مخالفات سابقة.
من جانبه، أشار الدكتور أحمد النحاس رئيس الإدارة المركزية للأمانة الفنية بالمجلس القومي للصحة النفسية إلى مخالفة هذه المراكز لقانون تنظيم المنشآت الطبية غير الحكومية (رقم 51 لسنة 1981 المعدل) وقانون الصحة النفسية (رقم 71 لسنة 2009)، وافتقارها لاشتراطات مكافحة العدوى وقانون البيئة، مما يشكل خطراً جسيمًا على النزلاء.
وكانت 114 منشأة نفسية التي صدر بحقها قرار اغلاق في 16 أبريل غير مرخصة في 8 محافظات خلال هذه الحملات، وهو الرقم الأكبر الذي يُعلن دفعة واحدة خلال عام كامل، ويعكس توسعًا ملحوظًا في الرقابة مقارنة بالسنوات السابقة.
هذه الإغلاقات جاءت بعد رصد مخالفات متكررة، أبرزها احتجاز المرضى دون سند قانوني، وغياب الأطباء المتخصصين، واستخدام أدوية دون إشراف، وعدم وجود اشتراطات السلامة أو السجلات الطبية. كما حررت الوزارة محاضر قانونية ضد أصحاب هذه المنشآت، وأحالت بعضها للنيابة العامة، خصوصًا في الحالات التي تضمنت احتجازًا قسريًا أو إساءة معاملة.
حملة يناير
وشهد شهر يناير 2026 سلسلة من الوقائع التي أثارت قلقًا واسعًا بشأن أوضاع مصحات علاج الإدمان غير المرخصة في مصر، بعدما تزامن حريق مصحة بنها الذي أسفر عن وفاة سبعة نزلاء وإصابة آخرين، مع واقعة هروب جماعي لنزلاء مصحة المريوطية بالجيزة. هذا التزامن كشف عن أزمة أعمق تتعلق بانتشار مراكز علاج تعمل دون تراخيص، وغياب الرقابة، وسوء المعاملة، واحتجاز المرضى في غرف مغلقة بالأقفال، ما جعل هذه المنشآت بيئة خطرة بدلًا من أن تكون أماكن للعلاج.
وخلال الأيام نفسها، امتدت الحملات التفتيشية إلى مناطق واسعة في الجيزة والقاهرة، فأُغلقت مراكز في فيصل والهرم و6 أكتوبر والمعادي ومدينة نصر، إضافة إلى إغلاقات في القليوبية والشرقية، ليصل عدد المراكز المغلقة إلى نحو 33 مركزًا دفعة واحدة، دون توفير بديل علاجي واضح للمرضى. وتذكّر هذه الحوادث بما جرى في البدرشين قبل أشهر، حين فرّ أكثر من 200 نزيل من مصحة غير مرخصة تعمل في ظروف سيئة، وسط شهادات عن ضرب وتجويع وغياب أي رعاية طبية، وهي واقعة ليست الأولى من نوعها في المنطقة.
وفي خلفية المشهد، يبرز مستشفى العباسية للصحة النفسية بوصفه المؤسسة الحكومية الأكبر والأقدم في هذا المجال، حيث يقدم علاجًا مجانيًا أو برسوم رمزية، ويخدم الفئات غير القادرة على تحمل تكاليف المصحات الخاصة. ورغم دوره الحيوي، تُثار بين الحين والآخر تكهنات حول مستقبل أرضه ذات القيمة العقارية العالية، ما يجعل المستشفى محورًا دائمًا للجدل العام. وتؤكد هذه التطورات مجتمعة أن الحق في العلاج يظل مسئولية أساسية على الدولة، وأن غياب الرقابة وترك المرضى في يد مراكز غير مرخصة يفتح الباب أمام انتهاكات خطيرة تهدد حياتهم بدلًا من مساعدتهم على التعافي.
ضعف مخصصات وزارة الصحة
وخلال مناقشة لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب في 31 مارس 2026، قدّم وزير الصحة خالد عبد الغفار اعترافًا غير معتاد بضعف الموارد المالية المخصصة لوزارته، مؤكدًا أن تلبية احتياجات القطاع تتطلب موازنة هائلة، قائلاً للنواب: “إدوني تريليون جنيه وأعملكم اللي أنتم عاوزينه”. هذا التصريح مثّل تحولًا لافتًا في الخطاب الحكومي، خصوصًا أن الوزير نفسه كان قد تفاخر سابقًا بزيادة مخصصات الصحة بنسب ضخمة وصلت – وفقًا لتصريحاته – إلى 866.6%. لكن البيانات الرسمية المحدثة تكشف واقعًا مختلفًا، إذ تظهر تدهورًا واضحًا في مؤشرات الخدمات الصحية خلال السنوات الماضية.
وبعد توقف غير مبرر دام ثلاث سنوات، عاد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لإصدار نشرات “الخدمات الصحية”، حيث أصدر نشرات 2023 و2024 دفعة واحدة في يناير 2026، بينما صدرت نشرة 2022 في مارس 2024، وكان آخر إصدار قبل ذلك في يونيو 2023. هذه النشرات تكشف أن عدد المستشفيات الحكومية زاد بشكل طفيف خلال عشر سنوات، من 659 مستشفى في 2014 إلى 677 في 2024، لكن المفارقة أن عدد الأسرة الحكومية انخفض بنسبة 13.9% خلال الفترة نفسها، من 97,826 سرير إلى 84,225 سرير. وعلى الرغم من توسع القطاع الخاص وارتفاع عدد مستشفياته وأسِرّته بنسبة كبيرة، فإن الزيادة لم تعوض الانخفاض في القطاع الحكومي، ما أدى إلى تراجع إجمالي عدد الأسرة في مصر من 123 ألفًا في 2014 إلى 120 ألفًا في 2024. وكان الانخفاض الأكبر في أسرة وزارة الصحة نفسها، التي فقدت ربع طاقتها تقريبًا خلال عشر سنوات.
هذا التراجع انعكس على معدل الأسرة لكل ألف مواطن، الذي انخفض من 1.24 سرير في 2014 إلى 1.1 سرير في 2024، وهو أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 3.3 سرير. كما تراجع معدل الأطباء بالنسبة لعدد السكان رغم زيادة العدد الإجمالي للأطباء، إذ انخفض المعدل من 15.4 طبيب لكل 10 آلاف مواطن في 2014 إلى 14.8 طبيب في 2024، وهو أقل من المتوسط العالمي البالغ 18.3 طبيب. وتشير دراسات نقابة الأطباء إلى أن جزءًا كبيرًا من الأطباء الحاصلين على ترخيص مزاولة المهنة لا يعملون داخل مصر، بسبب ظروف العمل الصعبة وضعف الأجور وغياب الأمان المهني، ما يدفع الكثير منهم إلى الهجرة.
كما شهدت الوحدات الصحية الأساسية تراجعًا ملحوظًا، إذ انخفض عدد مكاتب الصحة ووحدات الرعاية من 5314 في 2014 إلى 5206 في 2024، وتراجع عدد مراكز طب الأسرة والعيادات الفرعية في الريف من 4301 إلى 4221 خلال الفترة نفسها، ما يعكس تراجعًا في البنية الصحية الأولية التي يعتمد عليها ملايين المواطنين.
ورغم أن الوزير تحدث في مارس الماضي عن تضاعف موازنة الصحة من 42 مليار جنيه في 2014 إلى 406 مليارات في 2025/2026، فإن الأرقام الرسمية تظهر أن موازنة الصحة كانت 37.2 مليار جنيه في 2014/2015 وارتفعت إلى 246.2 مليار جنيه في موازنة 2025/2026. ورغم الزيادة الرقمية، فإن نسبتها من الناتج المحلي انخفضت، كما تراجعت قيمتها الحقيقية عند حسابها بالدولار. وتشير تقارير إلى أن الحكومة تلجأ أحيانًا إلى إضافة بنود لا تتعلق مباشرة بالصحة إلى موازنة الوزارة لإظهار الالتزام بالنسبة الدستورية للإنفاق الصحي. لكن تصريح الوزير الأخير يعكس انتقالًا من خطاب التفاخر إلى الاعتراف بالحاجة إلى تمويل أكبر، في ظل تدهور واضح في مؤشرات القطاع (الأرقام نشرتها منصة متصدقش).