تاريخيا الدولة المصرية لديها التزام نحو توفير السكن المناسب للمواطنين في المرحلة اللبرالية ما قبل ثورة 1952، كانت قوانين العرض والطلب هي السائدة بكل شفافية، وكانت المساكن متوفرة بكل مستوياتها ما بين بيوت فاخرة للأثرياء ومنازل متوسطة في المناطق الشعبة، وكانت في هذه الحقبة المساكن متوفرة ولا توجد أزمة سكن , وفي الحقبة الاشتراكية ظهرت أزمة السكن كنتيجة طبيعية للتوسع في الصناعة وهجرة أهل الريف إلى المدن، فقامت الدولة بتوفير سكن بأسعار زهيدة لكل باحث عن السكن "تحت مسمى المساكن الشعبية" واستمر الوضع علي هذا الحال وإن تغيرت المسميات من إسكان الشباب إسكان العرائس وخلافه, وكانت المساكن توزع بشفافية وانتظام وبأسعار معقولة, وبعد الانقلاب المشؤم 2013 توجهت الدولة لبناء مساكن لسد الفجوة الكبيرة بين الطلب والعرض وتستخدم الدولة هذه المشروعات في الدعاية لنفسها أكثر من كونها مشروعات واجب على الدولة القيام بها، لأنها جزء من واجباتها تجاه مواطنيها, تتعنت الجهات المسؤولة عن مشروعات الإسكان في تسليم الحاجزين وحداتهم بعد دفع المقدمات والأقساط في موعدها وفق سيستم رقمي محدد ممكن يجد المواطن نفسه غير مستحق للشقة، لأن دخلة تعدي المبلغ المحدد بجنيهات قليلة أو إنه لم يكن جاهزا في الوقت المحدد بدفع مبلغ الاستلام .
كشف تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات أن هناك 218ألف وحدة مبنية ومقفولة ولم تُسلم لحاجزيها ،فهل تكره وزارة الإسكان المواطنين فتمتنع عن تسليم وحداتهم؟
نشرت منصة "متصدقش" تقريرا اعتمدت فيه على ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات حول مشروعات الإسكان الاجتماعي، خلال الأعوام الماضية.
وكانت مجمل الملاحظات بتكشف عن أزمة مركبة من التأخر الإداري والتعثر الفني وسوء الإدارة وإهدار المال العام إلى الاستهانة بمصالح المواطنين واحتياجاتهم الأساسية.
وفي الوقت الذي يعيش فيه ملايين المصريين تحت ضغط الإيجارات المرتفعة وصعوبة الحصول على سكن مناسب، حتى بعد دفع المقدمة والأقساط المطلوبة منهم في شقق الإسكان الاجتماعي تُظهر أرقام المركزي للمحاسبات وجود أكثر من 218 ألف وحدة سكنية قائمة بدون استفادة من الحاجزين، نقلاً عن متصدقش.
جزء من الوحدات دي تم تنفيذها بدون تخصيص، أو وحدات تم تخصيصها بدون تسليم، ووحدات تم تنفيذها وتركها مهجورة حتى تعرضت للتلف والنهب، في إهدار ثابت وموثق للمال العام.
في تقرير متصدقش وملاحظات المركزي للمحاسبات نجد أن الدولة تنفق مليارات على الإسكان بدون ما المواطن يستفيد منها بسبب مشاكل يمكن حلها بسهولة زي توصيل الكهرباء مثلا، أو وصلة طرق.
عشرات الآلاف من العمارات اللي الدولة بنتها تحولت لبيوت أشباح لمجرد أنه لا توجد رغبة جادة من وزارة الإسكان وأجهزتها المختلفة أنها تسلم الشقق للحاجزين.
في المقابل تنتشر عشرات الجروبات على واتساب للمتضررين من تأخر التسليم، ينشروا يومياً شكاوى من تعنت الموظفين، وبطء استجابتهم وتعقيد الإجراءات المطلوبة للتسليم والتحجج لرفض الأوراق.
الأرقام التي اوردها المركزي للمحاسبات تقول: إن "وزارة الإسكان بتضع المواطن في أسفل سلم أولوياتها، وكل همها تستف الورق، وتصور العمارات أنها انتهت، لكن مين استفاد؟ هذا سؤال غير مقرر على بال الوزارة".
في تقدير لوزير الإسكان السابق عاصم الجزار، مصر تحتاج سنوياً ما بين 500 إلى 600 ألف وحدة سكنية.
يعني بحسبة بسيطة الـ 218 ألف وحدة سكنية المغلقة حالياً يمثلوا حوالي تلت احتياجات مصر السنوي.
بعض المشروعات اللي ذكرها تقرير متصدقش نقلا عن ملاحظات المركزي للمحاسبات حالها يدعو للغضب فعلا.
في قنا على سبيل المثال فيه مشروع سكني كامل متعطل لمجرد أن الطرق الداخلية لم تُرصف، رغم الانتهاء من بناء العمارات من ٩ سنين.
في بني سويف، الوزارة اكتشفت ظهور مياه صرف صناعي ومياه جوفية بعد البناء تهدد سلامة المنشآت، يعني اختيار الموقع نفسه تم من غير دراسة بالمرة.
النوع ده من الأخطاء لا يحدث عبثاً، هذا يحدث لأن المسئول عاوز يستف ورق، وينجز افتتاح للمشروع ويصوره ليضاف في سرد الإنجازات في الإعلانات الحكومية على القنوات بين مسلسلات المتحدة.
وفقا لتقرير متصدقش الجهاز المركزي للتعمير نفذ عشرات العمارات بدون ما يسلمها للمواطنين، وتركها مهملة لغاية ما تعرضت للتخريب والنهب بشكل أفقدها صلاحيتها الفنية للسكن.
هذه الوقائع تأكد أنه لا يوجد أحد يحاسب أحد في وزارة الإسكان، وأن البرلمانات المختلفة اللي عدت علينا من 2017 حتى الآن غائبة عن مشاكل المصريين واحتياجاتهم.
وفقاً لتقرير متصدقش أجهزة الإسكان بدأت بالتحرك بعد تدخل المركزي للمحاسبات، وهذا يكشف لنا أنه الأجهزة التنفيذية لا تتحرك بجدية إلا بضغط رقابي.
هذه المشروعات كان المفروض تحل مشاكل المصريين الذين يمولوها بالضرائب، ووفقاً لآخر بيان للموازنة العامة فإن 80% من إيرادات الحكومة من ضرائب المصريين، لكنها تحولت لعبء اقتصادي وباب كبير من أبواب إهدار المال العام وقهر حاجزي الشقق على شبابيك صناديق الإسكان المختلفة.
لو كنا في دولة تضع المواطن ضمن أولوياتها لم نكن لنري هذا النوع ده من المشاكل، هذا إهمال وهدر، وراهم منطق سياسي، أن الشعب ليس له حقوق وأنه دوره يقتصر على دفع الضرائب وانتظار أن تمن الدولة عليه بشقة دفع تمنها.