فجوة حادة بين الخطاب العلني والممارسات الداخلية لأحد أبرز وجوه الأذرع الإعلامية وتحديدا عبد الرحيم علي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة "البوابة نيوز"، الذي أمضى سنوات طويلة في توجيه اتهامات بالخيانة والكذب لخصومه السياسيّين وعلى رأسهم الرئيس الشهيد د.محمد مرسي — مستعينًا ببرنامجه الشهير "الصندوق الأسود" على قناة العاصمة— وضعتْه الأزمات داخل البوابة نيوز في حجمه الحقيقي كخصم يستخدم الكذب والمساومات والتسريبات والتهديدات داخل مؤسسته في موقف يراه مراقبون تجسيدًا صريحًا لـ"ممارسة الكذب والضغط لشهادة الزور" ضد الحقيقة وأمام صحفيين من البوابة.
وفي إطار خطابه الإعلامي المعتاد، دأب عبد الرحيم علي على تقديم نفسه كحارس للحقيقة وكاشف للمؤامرات، وفي تصريحات تلفزيونية عبر برنامجه، اتهم علي الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين بتبني "مخططات غربية مستميتة" لتقسيم البلاد، مدعيًا موافقة مرسي على اقتطاع مساحة 1600 كيلومتر من أراضي سيناء لصالح مشروع غزة الكبرى (إيجور أيلاند)، وهي الاتهامات التي بنى عليها سرديته السياسية القائمة على اتهام الآخرين بـ"التضليل والعمالة والكذب على الشعب"، وهي كذبة من بين عشرات الكذبات التي رددها الكشك المخابراتي عبدالرحيم علي.
خيار "شهادة الزور"
لكن القناع الذي ارتداه علي طويلاً بدا وكأنه يتآكل من الداخل؛ حيث تحولت أزمة الأجور داخل مؤسسته "البوابة نيوز" إلى فضيحة إدارية وقانونية مدوية. وتداول صحفيون معتصمون لقطات شاشة (Screenshots) لرسائل نشرها عبد الرحيم علي شخصيًا عبر حالة "ستوري" على تطبيق واتساب قبل أن يحذفها سريعًا.
وجاءت هذه الرسائل لتكشف لجمهوره وأنصاره تناقضًا صارخًا، حيث حملت تعليمات مباشرة لأعضاء مجلس التحرير تضعهم بين خيارين: إما الانصياع لرواية الإدارة التي يمثلها وبناته والمطبلين له أو التهديد المبطن بالفصل، وذلك بالتزامن مع نظر القضايا العمالية في المحاكم.
من واقع الرسائل المحذوفة لعبد الرحيم علي:
- "هو إحنا بنقول روحوا اشهدوا زور؟ لا.. بنقول روحوا ردوا على شهود الزور اللي المفصولين من المكان".
- "بيتعمل اجتماع مجلس تحرير فورًا، وأفاد بمين اللي رافض يروح يقول الحقيقة اللي حصلت".
- "إحنا دمنا بيتحرق عشان مين؟ ملعون أبو المؤسسة على اللي يستفاد منها…"، ".. اتفضلوا اتكلموا… وعايزين المؤسسة تقوم إزاي وأنتم بتنصروا الباطل على الحق".
ويرى قانونيون وصحفيون أن ربط الامتناع عن الذهاب للمحكمة بعقد اجتماعات فورية وحصر أسماء الرافضين، يُعد آلية ضغط واضحة لـ"صناعة شهادات" تخدم روايته، وتناقض تمامًا شعارات "نصرة الحق" التي يتغنى بها.
أحكام بالمليارات والملايين
وبالنسبة للصحفيين المعتصمين، لا تكمن أهمية هذه الرسائل في مضمونها وحده، وإنما في توقيتها أيضًا، إذ جاءت بينما تنظر المحاكم عدة قضايا متبادلة بين الإدارة والعاملين، من بينها دعاوى مرتبطة بالاعتصام، وأخرى تتعلق بعدم تطبيق الحد الأدنى للأجور.
وتفنيد أكاذيب الإدارة لم يتوقف عند التسريبات، بل جاء ممهورًا بأحكام قضائية حاسمة ضربت مصداقية عبد الرحيم علي في مقتل:
- حكم تاريخي بغرامة ملايين الجنيهات: قضت محكمة جنح شمال الجيزة العمالية بتغريم عبد الرحيم علي مبلغ 3 ملايين و341 ألف جنيه (إجمالي تغريم 13 ألف جنيه لصالح 257 صحفيًا وعاملاً)؛ إثر امتناعه التعسفي عن تطبيق الحد الأدنى للأجور المنصوص عليه قانونًا بالمخالفة لقرار المجلس القومي للأجور.
- تفنيد دعاوى السب والقذف: برأت محكمة جنح قصر النيل 9 من صحفيي الجريدة، بالإضافة إلى عضوي مجلس نقابة الصحفيين (إيمان عوف ومحمود كامل)، في القضية التي رفعها علي وابنته بتهمة السب والقذف، رافضةً دعواه المدنية بالكامل.
- المزاد العلني للحجز: امتدت الملاحقات القضائية لتصل إلى الإعلان عن بيع بمزاد علني للحجز على مقر "البوابة نيوز" نفاذًا لأحكام قضائية سابقة صادرة لصالح عاملين مضارين، في القضية رقم 804 لسنة 2023 ضد رئيس مجلس إدارة البوابة نيوز.
وضمن خطاب عبد الرحيم علي المعلن يدعي دائمًا الالتزام بالدولة والقانون والمؤسسات وهو مدان قضائيًا بالامتناع عن تطبيق الحد الأدنى للأجور والالتفاف على حقوق العاملين.
ويطالب الصحفيين بـ"قول الحقيقة" والدفاع عن المؤسسة ويهدد بحصر أسماء الرافضين للمثول أمام المحكمة لدعم روايته ضد زملائهم
ويزعم رعاية العاملين في منشأته الصحفية، ويمارس منع الرواتب، والفصل التعسفي، وفض اعتصام عمالي سلمي استمر 56 يومًا بالقوة والترهيب.
ويرى المعتصمون أن ما ورد في الرسائل يكشف محاولة لتنسيق الشهادات داخل المؤسسة، والضغط على بعض العاملين للمشاركة فيها، وهو ما اعتبروه كشفًا لموقف الإدارة الحقيقي في مسار الأزمة الممتدة منذ أواخر العام الماضي.
وتداول الصحفيون اللقطات على نطاق واسع، معتبرين أنها تناقض الرواية التي قدمتها الإدارة طوال الأشهر الماضية بشأن تعاملها مع الأزمة، بينما طالب عدد منهم بأن تكون هذه الرسائل محل فحص ضمن السياق العام للنزاعات القضائية القائمة.
وتوجت نقابة الصحفيين المصرية، برئاسة خالد البلشي، هذا المسار بقرار تاريخي حاسم، حيث وافق مجلس النقابة بالإجماع على شطب عبد الرحيم علي من جداول النقابة، وجاء القرار مسببًا بقيامه بترهيب العاملين، والاستعانة بأفراد لفض الاعتصامات السلمية، ومنع الصحفيين من حقوقهم المالية المشروعة، ومخالفة القوانين المنظمة للعمل الصحفي.
والأزمة بدأت في أواخر 2025، لما بدأت الإدارة في اتخاذ تدابير تعسفية رداً على مطالب الصحفيين بتطبيق الحد الأدنى للأجور، ووقتها دخل 70 صحفياً اعتصاماً استمر 56 يوماً بمقر الجريدة بشارع مصدق، تعرضوا خلاله للترهيب ما بين قطع الخدمات الأساسية، وصولاً إلى فض اعتصامهم بالقوة في 5 يناير 2026، ما اضطرهم لنقل اعتصامهم إلى مقر نقابة الصحفيين.
وانقلب عبدالرحيم علي والإدارة بعد الحوار مع الصحفيين بوساطة من النقابة انقلبت على كل الاتفاقات والتفاهمات واتجهت لمزيد من التصعيد، وامتنعت عن صرف رواتبهم من نوفمبر 2025، وقدمت بلاغات تتهم عدداً منهم بالتظاهر غير المصرح به.
وأزمة البوابة نيوز تكاد تكون فصل متكرر من فصول مأساة الصحافة حالياً في مصر، في ظل تدني الأجور اللي بتصل لألفين جنيه، يعني أقل من تلت الحد الأدنى للأجور البالغ 7 آلاف جنيه، واللي تقرر رفعه مؤخرًا إلى 8 آلاف جنيه بدءً من يوليو المقبل.