“النقض” (2): جيهان زكي سارقة .. هل يستقيل رشوان وماذا عن مصير المحاميين علي أيوب وعصام رفعت ؟!

- ‎فيتقارير

أثارت الأحكام القضائية الأخيرة الصادرة في مواجهة وزيرة ثقافة السيسي، جيهان زكي، والمحامي الحقوقي علي أيوب، موجة عارمة من الجدل في الأوساط القانونية والثقافية والسياسية بمصر.

إذ تجسد هذه القضية تقاطعاً معقداً بين حماية حقوق الملكية الفكرية، ومكافحة الفساد، وتوازنات النفوذ السياسي في ظل ما يُعرف بـ "الجمهورية الجديدة". فبينما أُدينت الوزيرة بحكم بات من أعلى منصة قضائية (محكمة النقض)، يواجه المحامي الذي كشف عن وثائق تخصها حكماً مشدداً بالحبس، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مآل الطرفين والمحددات الدستورية لعزل المسؤولين.

 

أين علي أيوب بعد حكم النقض الثاني؟

وفقاً للمسار الإجرائي والقانوني المتبع في المنظومة القضائية المصرية، فإن الموقف الحالي للمحامي علي أيوب يتحدد من خلال درجتين تقاضي رئيسيتين، حيث صدر الحكم الجنائي الابتدائي والاستئنافي بحق علي أيوب من محكمة جنح حدائق القبة (وأيدته محكمة الاستئناف) بالحبس لمدة 3 سنوات مع الشغل، وتغريمه 300 ألف جنيه، وإلزامه بدفع 50 ألف جنيه كتعويض مدني مؤقت، وذلك في قضية السب والقذف والتشهير التي أقامتها ضده وزيرة الثقافة.

ونظرا للوضع التنفيذي الحالي فإن الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف في قضايا الجنح تعد أحكاماً واجبة النفاذ فوراً، فإن المحامي علي أيوب يخضع حالياً لتنفيذ العقوبة داخل أحد السجون المصرية، ما لم يكن قد تقدم بطلب إشكال في التنفيذ وتم قبوله (وهو أمر نادر في مثل هذه القضايا السياسية/التنفيذية)، أو طعن أمام محكمة النقض مع طلب وقف تنفيذ العقوبة.

وعن مآل الطعن بمحكمة النقض، وهو ما يمثل (المرحلة الثانية) والأمل الأخير لإلغاء الحكم. فإذا رفضت محكمة النقض الطعن وأيدت الحكم، يصبح الحكم باتاً ونهائياً ويتعين عليه قضاء مدة العقوبة كاملة. أما إذا قبلت النقض الطعن، فقد تقضي ببراءته أو تعيد المحاكمة أمام دائرة استئنافية جديدة، مستندة في ذلك إلى الدفوع القانونية القوية التي قدمها دفاعه، وأبرزها عدم اختصاص المحكمة نوعياً؛ حيث إن النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك) يقع قانوناً ضمن اختصاص المحكمة الاقتصادية وليس محاكم الجنح العادية.

المستشار رفعت الضحية الأولى 

و"المستند الرسمي" الذي تسبب في هذه الأزمة؛ تبين أن المستشار عصام رفعت كان قد انتُدب رسمياً في عهد وزيرة الثقافة السابقة إيناس عبد الدايم ضمن لجنة لفحص أعمال أكاديمية الفنون بروما التي كانت ترأسها جيهان زكي.

وأثبت التقرير الرسمي للجنة وجود مخالفات مالية وإدارية جسيمة قُدّرت بنحو 5 ملايين يورو، وقام رئيس قطاع مكتب الوزيرة آنذاك بإخطار هيئة الرقابة الإدارية بها. لكن بدلاً من محاسبة المسئولين عن تبديد هذه الأموال، أدت توازنات النفوذ إلى حبس المستشار عصام رفعت منذ عدة أشهر، ليلحق به المحامي علي أيوب الذي لم يكن ذنبه سوى نشر هذا المستند الرسمي عبر صفحته للإعلان عن تقديم بلاغ رسمي للنائب العام لإعادة فتح التحقيق في تلك المخالفات.

ووفقاً للمسار الإجرائي والقانوني المتبع في المنظومة القضائية المصرية، فإن الموقف الحالي للمحامي علي أيوب يتحدد من خلال درجتي تقاضٍ رئيسيتين؛ إذ صدر بحقه حكم جنائي ابتدائي من محكمة جنح حدائق القبة (وأيدته محكمة الاستئناف) بالحبس لمدة 3 سنوات مع الشغل، وتغريمه 300 ألف جنيه، وإلزامه بدفع 50 ألف جنيه كتعويض مدني مؤقت، في قضية السب والقذف والتشهير التي أقامتها ضده الوزيرة. ونظراً لأن الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف في قضايا الجنح تعد أحكاماً واجبة النفاذ فوراً، فإن علي أيوب يخضع حالياً لتنفيذ العقوبة داخل أحد السجون المصرية برفقة زميله عصام رفعت، ما لم يكن قد تقدم بطلب إشكال في التنفيذ وتم قبوله، أو طعن أمام محكمة النقض مع طلب وقف تنفيذ العقوبة.

دفاع وزير دولة السيسي 

وفي سياق المحاولات المستميتة للدفاع عن وزيرة السيسي جيهان وتبرير موقفها قبل صدور حكم النقض، برزت تصريحات الصحفي ضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات السابق، ووزير ما يسمى "الدولة للإعلام"، والذي انبرى للدفاع عنها معتبراً أن الاتهامات الموجهة لوزيرة الثقافة بمثابة "اتهامات جنائية" تخرج أي شخص من ساحة العمل العام إلى ساحة الاتهام الجنائي، وهو ما يتطلب أدلة واضحة ممن يوجِّه الاتهام.

وأشار رشوان حينها إلى أنه لم يرَ وثيقة واحدة نُشرت تثبت هذه الاتهامات أو تشير إلى وقائع محددة، زاعماً أن القضية ما زالت منظورة أمام محكمة النقض، وأن الطعن مقدَّم من النيابة العامة وليس من الوزيرة نفسها. 

والأهم في تصريحاته كان تأكيده القاطع بأنه: "عند صدور حكم باتّ من محكمة النقض، سيجتمع مجلس الوزراء لاتخاذ القرار المناسب وفقًا للقانون، سواء فيما يتعلق باستمرار الوزيرة في منصبها أم باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حال ثبوت الاتهامات".

وأمام هذه التصريحات التي حاولت إضفاء غطاء من التريث القانوني، يثور التساؤل الحتمي اليوم: ها قد صدر الحكم القضائي النهائي والبات من أعلى محكمة في مصر (محكمة النقض)، وأُدينت الوزيرة رسمياً وتجرمت بسير خطى التعدي وسرقة الكتاب؛ فهل ستلتزم الحكومة بتعهدات المدافعين عنها وتجتمع للنظر في إقالتها بعد أن أصبحت "مجرمة بحكم القانون" وفقدت صلاحية تمثيل المثقفين؟ إن المسألة هنا تتجاوز شخص جيهان زكي التي قد ترحل ويأتي غيرها، بل تتعلق بالحفاظ على الحد الأدنى من الشكلية والسيادة القانونية، وإثبات وجود ذرة من المصداقية في تصريحات المسؤولين والمنظرين للمشهد الحالي.
 

هل يعزل السيسي وزيرة الثقافة بعد الحكم البات؟ 

وسجلت محكمة النقض حكماً تاريخياً برفض الطعون المقدمة من الوزيرة جيهان زكي، وتأييد إدانتها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية وسرقة كتاب "اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" للكاتبة سهير عبد الحميد، وإلزامها بالتعويض وسحب مؤلفها من الأسواق.

ومن الناحية القانونية والدستورية في مصر، لا يؤدي الحكم الصادر في جنحة "تعدي على الملكية الفكرية" إلى العزل التلقائي من الوظيفة الوزارية. فدستور 2014 يمنح السيسي الحق الحصري في إعفاء الحكومة أو الوزراء من مناصبهم (بموافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب، أو التشاور مع رئيس الوزراء في حالات التعديل الوزاري).
 

ومع ذلك، فإن استمرار وزيرة مدانة بحكم نهائي وبات في قضية "سرقة علمية وأدبية" يضع النظام السياسي أمام معضلة حقيقية تتعلق بـ "شرط حسن السمعة وصلاحية تولي المنصب الرفيع"، إذ تُعد وزارة الثقافة بالأساس الجهة المنوط بها حماية الإبداع والملكية الفكرية، وهو ما يمثل تناقضاً صارخاً.
 

توقعات وسيناريوهات 

ورغم أن العرف السياسي الحالي قد يميل أحياناً إلى عدم الاستجابة الفورية للضغط الإعلامي أو الحقوقي للإيحاء باستقلالية القرار، إلا أن بقاء الوزيرة في منصبها بعد حكم النقض البات يغدو شبه مستحيل على المدى المتوسط للأسباب التالية:
 

التعديل الوزاري المرتقب: السيناريو الأكثر ترجيحاً هو الإطاحة بالوزيرة جيهان زكي في أول تعديل وزاري قادم أو حركة تغييرات حكومية، لتجنب الإعلان المباشر عن عزلها كعقوبة، وإنما كإجراء سياسي معتاد لحفظ ماء وجه المؤسسة التنفيذية.
 

ملفات الفساد الأخرى: لا تتوقف الأزمة عند قضية الملكية الفكرية، بل تمتد إلى تقارير رسمية صادرة عن لجان فحص المخالفات بأكاديمية الفنون بروما (تقدر بملايين اليورو)، وبلاغات الرقابة الإدارية. هذه التراكمات تجعل استمرارها عبئاً سياسياً كبيراً على الرئيس عبد الفتاح السيسي، مما قد يعجل بقرار إعفائها من منصبها.

السوابق العالمية لعزل الوزراء 

وتزخر الأدبيات السياسية الدولية بسوابق عديدة أُجبر فيها وزراء ومسئولون رفيعو المستوى على الاستقالة أو تم عزلهم فوراً بمجرد ثبوت اتهامات السرقة الأدبية (القرصنة) أو المخالفات المالية، دون حيازة أي حصانة تحميهم من المحاسبة الشعبية والقانونية.

ومن هذه النماذج الصارمة التي تم فيها عزل أو إجبار مسئولين رفيعي المستوى على الاستقالة الفورية بمجرد ثبوت تورطهم في قضايا سرقة أدبية أو علمية، دون الانتظار لحصانة أو نفوذ سياسي؛ استقالة وزير الدفاع الألماني كارل تيودور تسو جوتنبرج عام 2011، وتلاها وزيرة التعليم الألمانية أنّيت شافان عام 2013، بل وحتى رئيس المجر بال شميت عام 2012، والذين أُجبروا جميعاً على مغادرة مناصبهم فور تجريدهم من درجاتهم العلمية بسبب الانتحال والاقتباس غير المشروّع.

وتؤكد هذه التجارب الدولية أن الأمانة العلمية والأخلاقية تُعد شرطاً جوهرياً لا يقبل التجزئة لتولي الوظائف العامة، مما يضع السلطة في مصر أمام اختبار حقيقي
لإثبات جديتها في إرساء مبادئ المحواسبة والعدالة، والكف عن التمييز بين المسئولين والمواطنين أمام أحكام القضاء. 

وتوضح هذه السوابق الدولية أن مجرد "الشبهة" في الأمانة العلمية أو الأدبية كفيلة بالإطاحة بأكبر المسئولين في الدول التي تعتمد معايير صارمة للحوكمة والشفافية، حيث تُعتبر السرقة الأدبية جريمة مخلة بالشرف الأكاديمي والسياسي تجعل استمرار المسؤول في منصبه أمراً غير مقبول أخلاقياً.

وتضع هذه القضية النظام القضائي والتنفيذي في مصر أمام اختبار حقيقي؛ فبينما يقبع محامٍ وراء القضبان لنشره وثائق رسمية تكشف شبهات فساد، تستمر وزيرة مدانة رسمياً بسرقة فكرية في إدارة حقيبة الثقافة المصرية. إن الحسم في ملف جيهان زكي بات ضرورة سياسية، ليس فقط لتطبيق روح القانون، بل لإثبات جديّة الدولة في إرساء مبادئ المحاسبة وعدم التمييز بين المواطنين والمسؤولين أمام أحكام القضاء الباتة.

 

 

https://www.facebook.com/photo/?fbid=1737993967391060&set=a.151186756071797