في ذكرى مذبحة الحرس الجمهوري، التي أشرف عليها، اللواء محمد زكي، بعد أن اعتقل الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي، رغم انه اقسم على حمايته، وفقا لمهام منصبه في هذا التوقيت كقائد للحرس الجمهوري.
و لذلك لم تكن الإطاحة به من وزارة الدفاع مجرد تغيير وزاري عابر في أروقة النظام المصري، بل جاءت لتعيد إلى الأذهان فصلاً من أبرز فصول التوثيق السياسي لآليات الحكم العسكري؛ فصلٌ عنوانه الأبرز أن "عقيدة الخيانة" التي تُتخذ سلماً للصعود، هي ذاتها المقصلة التي تطيح بصاحبها في نهاية المطاف.
وبينما يترقب الشارع المصري بأمل ومظلومية عدالة دنيوية تفضي إلى محاكمة قادة الانقلاب، ومنهم محمد زكي الذي أخبره الرئيس محمد مرسي، وهو يُنقل عنوة من مقره إلى مقر القاعدة البحرية (أبو قير)، أنه "سيُحاكم" بحسب نشطاء؛ يظل اسم محمد زكي مرتبطاً في الوجدان الشعبي بالغدر بأول رئيس مدني منتخب، الرئيس الشهيد محمد مرسي. فالرجل الذي ائتمنه مرسي على حياته وسلمه قيادة الحرس الجمهوري، سارع إلى الانقلاب عليه والتحفظ عليه بالقوة الجبرية، ليرتقي بفضل هذه الخيانة إلى قمة الهرم العسكري وزيراً للدفاع، قبل أن يدور عليه دولاب النظام نفسه، ويطيح به عبد الفتاح السيسي ليثبت أن تحالفات الغدر لا أمان لها.
وتأصلت محطات التحول العسكري والسياسي في مصر طيلة العقد الماضي في مشهد الثالث من يوليو 2013، وهي اللحظة التي اختزلت مفهوم "الخيانة العسكرية" في شخصية قائد الحرس الجمهوري آنذاك، اللواء محمد زكي.
إن البداية الحقيقية لتقرير يرصد كواليس السلطة في مصر تنطلق من هذا المنعطف؛ حيث أقدم زكي على خيانة الرئيس الشرعي المنتخب الذي كلفه بحراسته، الرئيس محمد مرسي، والتحفظ عليه بالقوة الجبرية. هذه الخيانة لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت الحجر الأساس الذي بنى عليه نظام الخائن الأكبر المنقلب عبد الفتاح السيسي شرعيته، والدعامة التي صعدت بمحمد زكي إلى هرم القيادة العسكرية قبل أن يُطاح به في نهاية المطاف ضمن متتالية التخلص من شركاء الانقلاب.
الإطاحة بآخر شركاء الانقلاب وتفكيك مراكز القوى
شهد شهر يوليو 2024 الفصل الأخير في المسيرة العسكرية للفريق أول محمد زكي، حيث قرر عبد الفتاح السيسي إقصاءه من منصبه كوزير للدفاع، وتعيين اللواء عبد المجيد صقر (محافظ السويس السابق) بدلاً منه بعد ترقيته ترقية مزدوجة إلى رتبة فريق أول. وجاء هذا القرار متزامناً بالتمام مع الذكرى الحادية عشرة للانقلاب في 3 يوليو 2013.
وقدم الكاتب والمحلل السياسي قطب العربي تحليلاً عميقاً لهذه الخطوة، مشيراً إلى أن الإطاحة بمحمد زكي ورئيس الأركان أسامة عسكر تمثل استكمالاً لنهج السيسي في الانفراد المطلق بالسلطة. وأوضح قطب العربي النقاط الجوهرية التالية:
واعتبر العربي أن زكي وعسكر كانا يمثلان آخر الشركاء الكبار للسيسي في انقلاب 2013 واللذين بقيا في مواقعهما العليا، وصارا يشكلان خطراً عليه بعد تداول أسمائهما كبدائل محتملة للنظام في ظل الأزمات المعيشية، وخاصة مع وجود دعوات لحراك شعبي كانت تطالب بنقل السلطة لوزير الدفاع.
وأشار العربي إلى أن السيسي حرص على الإتيان بوزير دفاع جديد (عبد المجيد صقر) من خارج المجلس العسكري الحالي، وهو ما يعني افتقاره للنفوذ المباشر داخل الجيوش الميدانية أو الأفرع الرئيسية، مما يضمن تبعيته الكاملة لقمة السلطة.
وأكد العربي أن التغييرات تزامنت مع حركة محافظين واسعة رسخت "عسكرة الدولة"، بتعيين 16 جنرالاً سابقاً من بين 27 محافظاً.
جرائم لا تسقط بالتقادم
وفي ذات السياق، أعاد الإعلامي أحمد البقري فتح ملف الخيانة التاريخي بالتزامن مع قرار الإطاحة بمحمد زكي، موضحاً بالوثائق والشهادات الكواليس الدقيقة لما جرى، حيث كتب أحمد البقري مذكّراً بجرائم وزير الدفاع المقال:
أكد البقري أن محمد زكي هو من باشر اعتقال الرئيس مرسي واحتجازه بمقر الحرس الجمهوري، ثم نقله بالقوة وتحت تهديد السلاح عبر طائرة حربية إلى قاعدة أبي قير البحرية قبل مجزرة الحرس الجمهوري.
وواصل زكي الإشراف على تأمين احتجاز الرئيس في القاعدة البحرية حتى تم نقله إلى سجن برج العرب في نوفمبر 2013.
ونشر البقري صورة توثق ضباط "ك 6" بالحرس الجمهوري بقيادة زكي أثناء تنفيذ عملية اعتقال الرئيس من مكتبه، معقباً بأنها "الجريمة التي لم ولن تسقط بالتقادم"، ومؤكداً أنه لولا خيانة الحرس الجمهوري لفشل الانقلاب.
إدارة وزارة الدفاع والملفات الأمنية والإقليمية
وتدرج محمد زكي في ممارسة مهامه كوزير للدفاع؛ ففي يناير 2017، أصدر السيسي قراراً بترقيته إلى رتبة فريق، وهي الترقية التي أثارت تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية؛ حيث اعتبرتها قيادات في المعارضة (مثل الدكتور محمد الصغير) بمثابة "شراء ولاء مستمر" ومكافأة متجددة على الخيانة، أو محاولة من السيسي لتأمين جبهته الداخلية خوفاً من أن يكرر زكي سيناريو الخيانة مع السيسي نفسه إذا ما تغيرت موازين القوى.
وفي 14 يونيو 2018، أصدر عبد الفتاح السيسي قراراً بتعيين الفريق محمد زكي وزيراً للدفاع خلفاً للفريق أول صدقي صبحي، وفي يوليو من نفس العام تمت ترقيته إلى رتبة فريق أول.
وجاء التعيين ليعكس رغبة السيسي في إبعاد الوجوه التي شاركت في المرحلة الأولى للانقلاب والتي قد تمتلك نفوذاً مستقلاً (مثل صدقي صبحي الذي كان محصناً دستورياً لفترة)، واستبدالها بمحمد زكي الذي يدين بالولاء المباشر للسيسي.
ووصفت منصات الإعلام المؤيدة للنظام (مثل الإعلامي أحمد موسى) ترقية وتعيين زكي بأنها "ضربة قاسية للإخوان"، نظراً للدور المحوري الذي لعبه في إجهاض حكمهم. وفي المقابل، أكدت المعارضة عبر منصاتها أن التعيين جاء كمكافأة مباشرة على دوره في مجزرة الحرس الجمهوري واعتقال الرئيس الشرعي، فضلاً عن كونه شاهداً رئيسياً ضد الرئيس مرسي في القضية المعروفة إعلامياً بـ "أحداث الاتحادية".
وأعقب صعود زكي لوزارة الدفاع الكشف عن تعيين اللواء أركان حرب أحمد علي قائداً جديداً لقوات الحرس الجمهوري خلفاً له.
وبين عامي (سبتمبر 2019 – سبتمبر 2022)، استفاد من الدعم المطلق الذي منحه إياه النظام كـ "مكافأة" على دوره في الانقلاب، والتقى محمد زكي في القاهرة بوزير الدفاع الهندي راجنات سينغ، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون الدفاعي المشترك لتعزيز الشراكات العسكرية الثنائية وتوسيع نطاق الدعم الإقليمي للنظام المصري.
وفي سبتمبر 2019 (حراك محمد علي والتاريخ الأسود): بالتزامن مع التظاهرات الشعبية التي اندلعت بدعوة من المقاول محمد علي، أعاد ناشطون وحقوقيون التذكير بالتاريخ القمعي لمحمد زكي؛ حيث تمت الإشارة إلى أنه وقبل توليه الحرس الجمهوري، كان قائداً لوحدات المظلات التي استهدفت المتظاهرين بشكل مباشر في أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء عقب ثورة يناير، مما فند محاولات تصويره كـ "رجل عسكري شريف".
النواة الإجرامية
وفي سبتمبر 2014، تداولت حسابات متعددة على مواقع التواصل الاجتماعي ونشطاء سياسيون أنباءً تفيد بإصابة قائد الحرس الجمهوري اللواء محمد زكي بمرض سرطان المخ. وربطت العديد من التدوينات بين هذا المرض وبين دعوات المظلومين، مستحضرين الكلمة الشهيرة التي وجهها له الرئيس محمد مرسي أثناء تحركاته الانقلابية: "ستحاكم محاكمة عسكرية يا محمد". واعتبر المعارضون أن إصابته بالمرض – إن صحت – هي بمثابة "حكم إلهي" عاجل قبل المحاكمة الأرضية.
وقد بدأت هذه النواة الإجرامية التي تشكلت حولها المسيرة السياسية والعسكرية لمحمد زكي في 3 يوليو 2013 (يوم الخيانة)؛ إذ نفذ اللواء محمد زكي الأوامر المباشرة الصادرة من القائد العام عبد الفتاح السيسي بالانقلاب على القائد الأعلى. ووفقاً لشهادات مصطفى بكري (من منظور النظام)، أصدر زكي تعليماته بسحب الهواتف من الرئيس مرسي ومساعديه وأغلق عليه باب الفيلا بمقر الحرس الجمهوري وبمساعدة العميد حرس جمهوري هشام آمنة . وفي المقابل، وثقت شهادات نجل الرئيس (عبد الله مرسي) والمحامي وليد شرابي أن عملية الاختطاف تمت بالقوة الجبرية وتحت تهديد السلاح. وحين قال له الرئيس مرسي: "أنت حتحاكم على الكلام ده"، رد زكي بعبارة تعكس تخليه التام عن واجباته الدستورية: "سيادتك عايزني أحارب الجيش؟".
وكشفت تقارير موثقة (نقلتها "ميدل إيست آي") أنه في 23 يونيو 2013، وهو نفس اليوم الذي ألقى فيه السيسي خطابه الشهير بمهلة الأسبوع، طلب محمد زكي من الرئيس مرسي ومساعديه مغادرة قصر الاتحادية والانتقال إلى مقر الحرس الجمهوري بدعوى أنه "أكثر أماناً"، وهي الخطوة التي تبين لاحقاً أنها كانت فخاً محكماً لتسهيل عملية عزل الرئيس واحتجازه بعيداً عن الجماهير.
وفي 18 يونيو 2013، يروي الدكتور طارق الزمر لقاءً جمع قادة حزب البناء والتنمية بالرئيس مرسي في القصر لإبلاغه بتحذيرات من مخطط انقلابي وضرورة الاستناد إلى حشد جماهيري لحماية الشرعية. وحينها استدعى الرئيس قائد الحرس محمد زكي، فما كان من زكي إلا أن قال بحزم: "سيادة الرئيس، إذا حضر حول القصر أي مدني، فإني أعفي نفسي من مسئولية الدفاع عنكم أو عن القصر". كان هذا التصريح مؤشراً واضحاً على توزيع الأدوار بدقة لإخلاء محيط الرئيس وتسهيل الانقلاب عليه بحسب صاحب الشهادة.
أحداث الاتحادية والتمرد الصامت
شهدت أحداث قصر الاتحادية في ديسمبر 2012 أولى علامات التمرد الصامت لقائد الحرس الجمهوري ضد الإدارة المدنية؛ حيث رفض اللواء محمد زكي إدخال عدد من المتظاهرين الذين تم القبض عليهم وتفتيشهم عند أسوار القصر من قبل أنصار الرئيس، ورفض توجيه السلاح لفض التجمعات حول القصر محاولاً إظهار موقف الحياد، في حين اعتبرت القوى الوطنية ذلك التخاذل تواطؤاً مبكراً مع الأطراف التي كانت تُعد لإسقاط النظام الديمقراطي الناشئ.
التعيين في منصب قائد الحرس الجمهوري
تثبت الوثائق التاريخية (ومنها الصفحة الأولى لجريدة الأهرام الصادرة في 9 أغسطس 2012) أن الرئيس محمد مرسي هو من أصدر قراراً بتعيين اللواء محمد زكي قائداً للحرس الجمهوري، وذلك في أعقاب القرارات السيادية التي اتخذها الرئيس بإقالة اللواء مراد موافي من رئاسة المخابرات العامة وإجراء تغييرات في القيادات الأمنية والعسكرية عقب حادثة رفح الأولى. دخل زكي القصر الرئاسي واضعاً قسَم الولاء أمام رئيس مدني، ليكون هذا التعيين هو المفارقة الدرامية الأكبر؛ فالرجل الذي ائتمنه مرسي على حياته وحراسة المسار الديمقراطي، كان هو نفسه الرجل الذي فتح أبواب السجن للرئيس وقاد بلاده إلى حقبة ممتدة من الحكم العسكري الفردي.