في الوقت الذي تستعد فيه المجتمعات للاحتفال بالأعياد الدينية، يعيش السجناء في مصر تجربة مختلفة تمامًا، حيث تتحول هذه المناسبات إلى لحظات يتجسد فيها الفقد والحرمان.
واستجمع معتقلون سابقون شهادات، بمصادرها المختلفة، تؤكد أن العيد داخل السجون ليس مجرد يوم عابر، بل تجربة إنسانية معقدة تتداخل فيها مشاعر الفقد والحنين والأمل، وهي تذكير بأن الحرية ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، بل حق إنساني أساسي، وأن الاحتفال الحقيقي لا يكتمل إلا حين يتمكن كل إنسان من قضاء العيد بين أحبته.
إن أصوات السجناء، بما تحمله من ألم وصمود، تظل دعوة مفتوحة إلى تذكّرهم، وإلى العمل من أجل مستقبل تُصان فيه كرامة الإنسان وحقه في الحرية.
وقد وثّق حساب الاشتراكيون الثوريون @RevSocMe مؤكدًا أن “العيد في السجن ليس وقتًا للفرح، عيدنا الحقيقي هو حرية كل واحد منهم.
https://x.com/RevSocMe/status/2035406390768857335
يستند هذا التقرير إلى مجموعة من الشهادات التي نشرها سجناء سابقون وناشطون وأفراد من عائلات معتقلين، لتقديم صورة أكثر وضوحًا عن واقع العيد خلف القضبان، وما يتركه من آثار نفسية واجتماعية عميقة.
عيد بديل داخل الزنازين
تصف الشهادة الأولى المنشورة ضمن سلسلة شهادات متداولة على المنصات كيف يحاول السجناء، رغم ضيق المكان وشحّ الإمكانات، خلق أجواء رمزية تشبه ما اعتادوه في الخارج. تُصنع الزينة من الأكياس البلاستيكية، وتُنفخ البالونات القليلة المتاحة، وتُقام الصلاة داخل الزنزانة. يتبادل السجناء التهاني عبر النضارة، وتعلو أصوات التكبيرات التي تحمل من الحنين أكثر مما تحمل من الفرح.
وتشير الشهادة إلى أن المتزوجين يشعرون بوجع خاص، إذ يستعيدون صور أطفالهم وزوجاتهم، بينما يختار البعض الصمت الطويل لتجنب الانهيار. وفي نهاية اليوم، تتكرر العبارات التي تكشف ثقل الزمن: “هذا عيد العاشر لي”، “هذا هو العيد الثالث عشر لي في السجن”.
هذه الشهادة، رغم بساطتها، تكشف كيف يتحول العيد إلى مرآة للسنوات الضائعة.
العيد كفترة عزلة مضاعفة
في الشهادة الثانية، المنشورة أيضًا ضمن السلسلة نفسها، يتضح أن أيام العيد داخل السجون تُعامل كـ“إجازة رسمية”، ما يعني إغلاق الزنازين لساعات طويلة ومنع التريض والزيارات والكانتين، يصبح من يعاني من أزمة صحية في وضع بالغ الصعوبة، إذ قد ينتظر طويلًا قبل أن يُسمح له بالخروج إلى العيادة، إن وُجد طبيب أصلًا.
وتصف الشهادة كيف تتكاثر الذكريات في هذا المناخ المغلق، وكيف يشعر السجين بأنه منسي، وأن العالم يمضي دونه. وتؤكد الشهادة أن السجناء يحتاجون بعد العيد إلى كلمة مواساة أو رسالة أو زيارة تعيد إليهم شيئًا من الأمل، وتذكّرهم بأنهم ليسوا وحدهم.
العيد في سجون النساء
تقدم الشهادة الثالثة، المنشورة على منصات التواصل، صورة أكثر تعقيدًا عن تجربة النساء في السجون خلال العيد، فبينما يتبادل الناس في الخارج التهاني، تتبادل السجينات كلمات “كل سنة وأنتِ طيبة” ممزوجة بالدموع، تصف الشهادة كيف تحاول النساء أداء صلاة العيد أمام شاشة التلفاز، وكيف تتحول الزيارة التي تسبق العيد إلى لحظة مشحونة بالقلق والفرح المؤقت.
وتشير الشهادة إلى أن الأمهات المسجونات يشترين الحلوى من الكانتين بأسعار مضاعفة على أمل إسعاد أطفالهن لدقائق معدودة، لكن ما إن تُغلق أبواب الزيارة، حتى تبدأ مرحلة جديدة من الألم، حيث تُحكم الزنازين طوال أيام الإجازة، وتعيش النساء في مساحة ضيقة بلا شمس أو هواء.
وفي الجزء الثاني من الشهادة الثالثة، تُسلّط الضوء على السجينات الجنائيات والغارمات، اللواتي دخلن السجن بسبب مبالغ زهيدة كان يمكن حلها لو توفرت شبكات دعم اجتماعي عادلة، وتصف الشهادة كيف تُعاقَب هؤلاء النساء مرتين: مرة بالسجن، ومرة بنبذ المجتمع.
ذاكرة في مواسم الأعياد
تقدم الشهادة الرابعة وصفًا دقيقًا لطبيعة الزمن داخل السجن، وكيف يمر ببطء شديد، خصوصًا في أيام العيد. يصف صاحب الشهادة كيف تتآكل قدرة السجين على تخيل ما يحدث في الخارج، وكيف تتحول الأعياد إلى تذكير ثقيل بما فقده.
تتجمع الذكريات بلا استئذان: مائدة العيد، ضحكات الإخوة، صلاة الفجر في الساحات الواسعة. ومع مرور السنوات، يشعر السجين بالغربة عن العالم الذي يحتفل، وبالغربة عن ذاته التي كانت جزءًا من هذا الاحتفال يومًا ما.
خامسًا: ليلة العيد… بين الأمل والإحباط
ومن بين الشهادات الأكثر تفصيلًا، تأتي شهادة المهندس يحيى حسين عبد الهادي المنشورة بتاريخ 9 أبريل 2024، والتي وثّق فيها تجربته مع سبعة أعياد قضاها داخل المعتقل
https://x.com/drassagheer/status/2035074442712277437/photo/1
يصف عبد الهادي كيف تنتشر قبل كل عيد إشاعات عن قرب الإفراج عن أعداد كبيرة من السجناء، وكيف تنتقل الإشاعة من زنزانة إلى أخرى، ثم إلى الأهالي، فتتحول إلى أمل كبير يسيطر على الجميع، ومع إعلان موعد العيد رسميًا، ينطفئ هذا الأمل فجأة، ويعمّ صمت ثقيل.
ويصف كيف تخجل أجهزة الراديو من بث الأغاني الاحتفالية، وكيف يصلي السجناء صلاة العيد في زنازين ضيقة بدلًا من الساحات الواسعة، ومع انتهاء الصلاة، يبدأ أسبوع من الحبس الكامل بسبب الإجازة الرسمية، ويعود الانتظار الطويل إلى بدايته.
رسائل التضامن من الخارج
في منشور آخر، كتب إسلام أشرف @mos_lm1911 رسالة تضامن موجهة إلى الرجال خلف القضبان، جاء فيها: “إلى إخوتنا المعتقلين خلف الأسوار… جاء العيد وأنتم بعيدون عن بيوتكم وأحبابكم، غير أنّكم أقرب ما تكونون إلى القلوب
https://x.com/mos_lm1911/status/2035026389036888345
وتعكس هذه الرسالة ما يشعر به كثيرون في الخارج تجاه السجناء، وتؤكد أن ذكراهم حاضرة، وأن الدعاء لهم لا ينقطع، كما تشكل هذه الرسائل دعمًا معنويًا لعائلات السجناء، الذين يعيشون بدورهم تجربة العيد منقوصة بين الدعاء والانتظار.